تشهد أسعار جميع السلع الغذائية في مصر ارتفاعا جنونيا خلال الشهور الماضية؛ حيث أعلنت شعبة الحاصلات الزراعية والبقوليات في الغرفة التجارية ــ الأحد 31 أكتوبر 2021م ــ ارتفاع أسعار الفول والعدس بنسبة 20% في الأسواق المحلية نتيجة زيادة الطلب، وتوقف الاستيراد لارتفاع أسعار الشحن البحري، مشيرة إلى زيادة سعر كيلو الفول المستورد من 14 جنيهاً إلى 17 جنيهاً (نحو دولار أميركي) في المتوسط، علماً أن مصر تستورد نحو 80% من حجم استهلاك الفول.
وصرح رئيس الشعبة، أحمد إدريس، بأن أسعار الفول ارتفعت في الأسواق نتيجة الزيادة في تكلفة الإنتاج، وارتفاع الأسعار عالمياً كأحد التداعيات السلبية لأزمة جائحة كورونا، موضحاً أن مصر تستهلك سنوياً بين 600 و700 ألف طن من الفول بمعدل 60 ألف طن شهرياً تقريباً، وتزرع منه نحو 120 ألف فدان بإنتاجية 1.5 طن للفدان.
في موازاة ذلك، رفعت مطاعم الوجبات السريعة والفول والطعمية أسعارها للجمهور بنسب جاوزت 20%، نتيجة الزيادة في أسعار الفول والعدس والزيوت، إذ ارتفع سعر "قرص" الطعمية من 50 قرشاً إلى 75 قرشاً في المتوسط، وسعر "الساندوتش" من الطعمية أو الفول من 3 جنيهات إلى 3.5 جنيهات، وذلك في المطاعم الأقل سعراً على مستوى الجمهورية.
وأفاد تقرير لغرفة الصناعات الغذائية في اتحاد الصناعات المصرية بأن السلع الغذائية الأساسية شهدت ارتفاعات في الأسعار في أكتوبر 2021، مقارنة بأسعارها في سبتمبر، متوقعاً استمرار معدل الزيادة في أسعار 6 أصناف هي السكر الأبيض المكرر، والقمح، وزيت النخيل، وزيت الصويا، والكاكاو، والبن.
ولتبرير فشل الحكومة في السيطرة على الأسعار ادعى وزير التموين بحكومة الانقلاب الدكتور علي مصيلحي أمام البرلمان أن السبب وراء ارتفاع الأسعار يعود إلى تأثيرات تفشي جائحة كورونا، لأن الطلب زاد على السلع في ظل نقص المعروض منها، نتيجة توقف عجلة الإنتاج، الأمر الذي أدى إلى زيادة كبيرة وسريعة في أسعارها.
وأضاف المصيلحي أن الزيادة في الأسعار متسارعة، بعد أن طاولت في البداية أسعار السكر والقمح، مبيناً أن سعر طن القمح في موازنة العام المالي الجاري كان مقدراً بنحو 250 دولاراً، بينما وصل حالياً إلى 330 دولاراً للطن، كما ارتفعت أسعار زيت الطعام عالمياً، حيث بلغ سعر آخر شحنة استوردتها الوزارة نحو 1430 دولاراً للطن.
وكان المصيلحي قد قرر رفع سعر زيت الطعام على بطاقات الدعم التموينية من 21 جنيهاً إلى 25 جنيهاً لليتر، اعتباراً من اليوم الإثنين غرة نوفمبر 2021، بدعوى ارتفاع سعر زيت الصويا الخام من 917 دولاراً إلى 1432 دولاراً عالمياً، وعدم إمكانية إجبار أي منتج أو تاجر على البيع بالخسارة.
نظم جباية
وأمام الفشل المتواصل لنظام الجنرال عبدالفتاح السيسي في السيطرة على الأسعار، تساءل الكاتب والخبير الاقتصادي مصطفى عبدالسلام: «هل ينتحر المواطن أمام فشل الحكومات؟»، مؤكدا أن المواطن العربي بات أمام إجراءات تقشفية عنيفة، يواجه سياسات "نيوليبرالية" مستوردة من الغرب لا ترحم فقيراً ولا تسد معدة جائع وتنتصر فقط للأثرياء. وأن هذا المواطن بات أمام حكومات فاشلة تفضل الحجر على البشر. حكومات تلعب دور السمسار لا المنظم، دور التاجر الجشع لا دور موفر السلع والخدمات بأسعار مقبولة لدى الأفراد، حكومات تراعي مشاعر وقرارات وإملاءات وشروط صندوق النقد والبنك الدوليين والدائنين وأصحاب السندات الخارجية أكثر من مراعاتها مشاعر وأحاسيس ومصالح وظروف مواطنيها خاصة من الطبقات الفقيرة.
وينتقد عبدالسلام توجهات وسياسات نظام السيسي وأمثاله في الدول العربية، متهما هذه النظم بأنها تفضل بناء العقارات والأبراج السكنية الفاخرة والكباري على المستشفيات والمدارس والمصانع وشبكات المياه والصرف الصحي، تهتم بالقطاعات الريعية والخدمات سريعة الربح أكثر من اهتمامها بالتعليم والصحة العامة والبحث العلمي والتصنيع والزراعة.
ويؤكد الكاتب أن هذا المواطن خلال الشهور الأخيرة، بات أمام ضغوط اقتصادية ومعيشية عنيفة وضائقات مالية لا قبل له بها، وقفزات متواصلة في أسعار السلع والخدمات، قفزات لا ترحم الطبقة الوسطي، فما بالنا بالطبقات الفقيرة والكادحة والمعدمة التي لا تملك من حطام الدنيا سوى الستر؟
بات هذا المواطن المغلوب على أمره أمام تكلفة خدمات حكومية لا تُطاق، وزيادات متواصلة في كل شيء، بداية من رسوم المدارس والجامعات وتراخيص المرور والمخالفات واستخراج شهادات الميلاد وجواز السفر وغيرها، ونهاية برسوم تصاريح الدفن والطلاق.
وأشار كذلك إلى قفزات أسعار الوقود بكل أنواعه، سواء بنزين أو غاز طهي أو سولار أو مازوت حتى في ذروة انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية، بات المواطن أمام فواتير نارية للمياه والكهرباء والإيجارات والمواصلات العامة تفوق القدرة الشرائية للجميع بمن فيهم الطبقة التي كانت مستورة في يوم ما.
ورغم تفاقم الظروف المعيشية وتفشي جائحة كورونا وتراجع الدخول وتآكل المدخرات، يقع المواطن تحت قرارات حكومية لا ترحم أحدا ولا تراعي ظروف الأغلبية، أمام حكومات تفضل سياسة الجباية على زيادة الإنتاج، تفضل سياسة فرض مزيد من الضرائب على أولوية زيادة الصادرات والإنتاج وتنشيط السياحة والاستثمارات الأجنبية وتحويلات المغتربين، تستسهل تطبيق قرارات عنيفة من نوعية خفض دعم السلع الأساسية كالغذاء، أو إزالته من الأصل، على تنمية الاقتصاد وتنشيط قطاعاته.
ويتهم هذه الحكومات بأنها لا تبذل أي مجهود لتحسين مستوى المواطن المعيشي وكبح جماح الأسعار، بل تفضل استيراد كل شيء، حتى لو كان الثمن هو نزيف احتياطيات البلد من النقد الأجنبي، وتعرقل زراعة السلع الغذائية، سواء أكانت قمحاً أو ذرة أو أرزاً حتى تظل دولها معتمدة على الاستيراد من الخارج، خاصة السلع الأساسية مثل الغذاء والسلاح والدواء. فهي حكومات تحصل على ضرائب ورسوم ضخمة وبالمليارات، وفي المقابل لا يشهد الموطن تحسنا في مستواه المعيشي، أو يجد صدى للأموال الضخمة التي يدفعها في شكل ضرائب ورسوم.
هل ينتحر المصريون؟
حكومات تفضل اغتراف القروض الدولارية من الخارج، حتى لو أدى ذلك إلى ارهاق موازنة الدولة وإيراداتها العامة، ومعها المواطن الذي يتحمل وحده تكلفة عبء سداد هذا الدين، أو رهن مستقبل البلاد الاقتصادي والمالي والسياسي للدائنين الدوليين.
ويتساءل الكاتب: هل ينتحر المواطن أمام هذا الفشل الحكومي المنتشر من الرباط غربا وحتى بغداد شرقا، ومن تعز جنوبا وحتى دمشق شمالا، أم يضرب رأسه في أقرب حائط حتى ترتاح الحكومات منه؟ ماذا يفعل المواطن أمام هذا المشهد المعقد بالغ البؤس، ماذا يفعل أمام حكومات باتت تعاقب مواطنيها بزيادة غلاء المعيشة، تنهار أسعار النفط في الأسواق الدولية لأقل من 20 دولارا للبرميل مقابل 120 دولارا في عام 2012 فتسارع تلك الحكومات إلى رفع أسعار الوقود، ترتفع أسعار النفط فتسارع إلى رفع سعر الوقود أيضا، لا قاعدة اقتصادية معروفة؟ حكومات باتت تغترف القروض من الخارج لبناء ناطحات سحاب وقطارات للأغنياء، ويتم سداد هذه القروض من جيوب الفقراء الذين لا يعرفون الفارق بين القطار السريع والقطار "القشاش". إذا كانت الحكومات تعاقب هؤلاء المواطنين على الثورة والخروج عليها في عام 2011 فلتعلم أن الفقر والبطالة والغلاء والقبضة الأمنية هي أسباب مهدت كلها لتفجر ثورات "الربيع العربي" قبل أكثر من 10 سنوات.