في استهداف غير خافي على أحد ، وفي تكرار متعمد من قبل نظام المنقلب السفيه السيسي، تتزايد أعداد المساجد التي يجري إزالتها، بداعي التطوير أو إنشاء محاور مرورية جديدة أو تمديد لوسائل المواصلات، وبعد أن هدم السيسي أكثر من 110 مسجدا بالبحيرة والإسكندرية ، من أجل إنشاء محور طريق سريع بالإسكندرية، تكرر الأمر قبل أيام، ففي غضون أيام قليلة، تسارع أجهزة الأمن والمحليات بسلطة الانقلاب بإزالة وهدم 13 مسجدا جديدا في الإسكندرية من أجل بدء أعمال المرحلة الأولى من مشروع تحويل خط سكة حديد أبو قير إلى مترو بسرعة 80 كيلومترا في الساعة، تحت إشراف الهيئة القومية للأنفاق التابعة لوزارة النقل.
ويصل خط المترو من أبو قير إلى برج العرب في الإسكندرية عبر ثلاث مراحل، الأولى تتضمن الاعتماد على مسار خط سكة حديد أبو قير، في المسافة من أبو قير إلى محطة مصر بطول يبلغ 22 كيلومترا، وتشمل 18 محطة سطحية وعلوية، والثانية من محطة مصر إلى المكس بطول 8 كيلومترات، والثالثة من المكس إلى برج العرب بطول 15.5 كيلومترا.
وبحسب مراقبين وخبراء هندسيين يمكن تصكيك جميع مشاريع التمديدات بالطرق والمحاور المرورية بعيدا عن المساجدوالمنازل، عبر حلول هندسية يسهل الوصول اليها، حفاظا على ثوابت المجتمع من مساجد أو كنائس أو منازل المواطنين.
إلا أن نظام السيسي الذي يعمد لإزالة المساجد يبدو مصرا وبالقوة على هدم المساجد وتقليل إعدادها بمصر، فيما تتمدد الكنائس يوميا بالمخالفة للقانون، الذي يجري التغاضي عنه بتقنين المباني والإنشاءات غير المرخصة إلى كنائس جديدة، ضمن الأثمان السياسية التي يقدمها الغرب للكنائس ، حيث جرى تقنين أوضاع أكثر من 10 ألف كنيسة جديدة ومبنى كنسيا منذالانقلاب العسكري، منها كنائس مخالفة جرى إنشاؤها على أراضي زراعية وفق اعترافات كنسية مؤخرا بفيديوهات للقساوسة، في تبريرهم لأقباط المهجر بأمريكا لدعم السيسي.
عداء السيسي للمساجد
وهو ما بات لا يحتاج إلى دليل أو برهان؛ ويكفي آلاف المشاهد والصور ولقطات الفيديو التي جرى بثها ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات لعشرات المساجد والمآذن التي دمرها السيسي، علاوة على إغلاق أكثر من 80 ألف زاوية ومسجد صغير كانت تقام فيه الصلوات بدعاوى عدم تبعيتها لإشراف الأوقاف، كما لا تُنسى مشاهد تدريب القوات المسلحة على اقتحام مساجد في إطار تدريباتها العسكرية.
ويكفي أن قائد الانقلاب قد اعترف بشكل سافر بهدم نحو 35 مسجدا على طريق محور ترعة المحمودية الذي يربط محافظة البحيرة بالإسكندرية خلال العام الماضي 2020.
مبررا الجريمة بأن هذه المساجد مخالفة وأُقيمت على أرض الدولة، فلماذا لم يسعَ إلى تقنينها كما يفعل مع الكنائس المخالفة؟مهددا بأن هناك نحو 77 مسجدا مخالفا على محور المحمودية سيجري هدمها .
ويضاف إلى سياسات التخريب للمساجد والأوقاف الإسلامية، سياسة وزير الأوقاف مختار جمعة بالاستيلاء على الأوقاف الإسلامية وإخضاعها للحكومة وضمها لموازنة صناديق السيسي لتحيا مصر وغيرها في مخالفة واضحة وصريحة للشريعة الاسلامية وشروط الواقفين.
كما قرر جمعة مؤخرا ، حظر جمع التبرعات على المساجد وإلغاءصناديق التبرعات والنذور من المساجد، وهو ما يعتبره شيوخ وموظفي المساجد تخريبا متعمدا للمساجد، إذ يجري الاعتماد على تلك التبرعات في تنظيف وإعمار المساجد وفرشها وتعظيم دورها المجتمعي ، قضى السيسي ووزير الأوقاف عليها وحولها لخرابات طاردة للمرتادين والمصلين، وهو نهج مقصود من السيسي ونظامه الساعي لفصل المسلمين عن مساجدهم وسلخهم من هويتهم الإسلامية.
وذلك وفق دراسة لـ«مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي» التى صدرت في 28 يناير 2019م، أعدها الباحثان عوفر فنتور وأساف شيلوح، بعنوان «هوية مصر في عهد السيسي: السمات المميزة للإنسان المصري الجديد»، يشيدان فيه بهذه الخطوات غير المسبوقة؛ حيث تناولت الدراسة مظاهر ومآلات الحملة الواسعة التي يشنها نظام السيسي من أجل إعادة صياغة الهوية الوطنية لمصر؛ من خلال السعي أولا لتقليص مركزها الإسلامي والعربي، وثانيا احتواء سماتها الثورية، وثالثا العمل على بناء جيل مصري جديد يكون أكثر استعدادا للاصطفاف حول الأجندة التي يفرضها النظام.
أمام هذه المعطيات، لا يمكن الفصل بين حملة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي ضد المساجد وهدم العشرات من المآذن بدعوى أنها أُقيمت بالمخالفة للقانون عن مشهدين قبلها بسنوات يؤكدان أن عداء السيسي للمساجد هو جزء من تصوراته وأفكاره العدائية ضد الإسلام ذاته، فحرق مسجد رابعة العدوية واقتحام مسجد الفتح برمسيس وغيرها من مساجد مصر وتدميرها، بدعوى الحرب على الإرهاب.
ويعزو مراقبون حرب السيسي على المساجد بالخوف من الهوية الإسلامية والعمل بالتدريج على تكريس نسخة من العلمانية المتطرفة في مصر؛ يدلل على ذلك أن السيسي في أول حوار صحفي له مع الواشنطن بوست، بعد مرور شهر واحد على انقلابه العسكري، أكد للصحفية ليلى ويموث، أنه ما قدم إلى الحكم إلا لإجهاض المشروع الإسلامي الذي أراده الرئيس “محمد مرسي” حيث قال نصا “لو كان الانقلاب عليه لفشله، كنا صبرنا عليه لانتهاء مدته، ولكنه أراد إحياء المشروع الإسلامي والخلافة”.
وبعد عام كامل من هذا الحوار، وفي لقاء له مع فضائية العربية ذات التوجه العلماني قال نصا “لن يكون في مصر قيادات دينية ولن أسمح بذلك، فأنا المسئول عن الأخلاق والقيم والمبادئ، والدين أيضا” وهنا قاطعته المذيعة متسائلة “والدين أيضا؟” فأكد السيسي فكرته “وعن الدين أيضا”.
لكن السيسي عاد في 2017 م أكثر صراحة ووضوحا في تعامله مع الإسلام، حين صرح لشبكة “فوكس نيوز” الأمريكية المعروفة بتوجهاتها المتطرفة، بأنه لا مكان للدين في الحياة السياسية بعهده، فالسيسي لا يؤمن بالعلمانية المحايدة التي تقف موقفا وسطا من جميع الأديان؛ بل يرى في الأديان تابعا للسلطة توظفه لخدمة أهدافها كيفما تشاء؛ ولعل هذا يفسر سياساته خلال السنوات الماضية فهو دائم الاتهام للإسلام بالتسبب في العنف والتطرف والإرهاب والعمل على تركيع رموزه ومؤسساته الدينية، في الوقت الذي يبدي فيه توددا ملحوظا للكنيسة ورموزها ويعمل باستمرار على استرضائها، ويكون أكثر خنوعا وتوددا لكل ما هو يهودي وهو ما يبدو بوضوح شديد خلال لقاءته التي جمعته بوفود يهودية خلال السنوات الماضية.
رموز الإسلام
وهكذا تقع المساحد كرمز للإسلام في مواجهة تدمير السيسي وتخريب وزيره مختار جمعة.
يشار إلى أن مخطط الهدم لتمديد خط مترو أبو قير بالإسكندرية، يشمل هدم 145 محلا تجاريا، فضلا عن العشرات من الأكشاك الخشبية الخاصة ببيع الملابس والمأكولات والفاكهة.
فيما أفادت الهيئة القومية للأنفاق بأن تكلفة تطوير وكهربة المشروع ستبلغ نحو 40 مليار جنيه ، يتم العمل على تدبيرها حاليا من الموازنة العامة للدولة، وعبر قروض دولية، مبينة أن مؤسسات التمويل الدولية، وفي مقدمتها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، سيوفر قرضا بقيمة 1.2 مليار يورو لصالح وزارة النقل لتنفيذ المشروع، الذي يستهدف نقل 60 ألف راكب في الساعة خلال مرحلته الأولى.
ومنحت محافظة الإسكندرية ملاك المحال التجارية أسبوعا واحدا كمهلة لإخلائها، تمهيدا لاستلام الشركات المنفذة للمشروع مواقع العمل، مع النظر في إمكانية تعويضهم ماديا لاحقا، بما يتناسب مع الأماكن الحيوية التي يشغلونها، استنادا إلى تعديلات قانون نزع الملكية للمنفعة العامة، التي أقرها السيسي العام الماضي، بدعوى الانتهاء من مشروعات الدولة المستهدف تنفيذها.
ويحذر خبراء من مخاطر الاهتزاز الدقيقة على المباني السكنية والثقافية والتاريخية القريبة من مشروع المترو الجديد في الإسكندرية، والأضرار المحتملة عليها، إذ أن تنفيذ المشروع سيكون سطحيا بالكامل، باستثناء مسافة 6 كيلومترات سيجري تسيير المترو خلالها على جسور علوية أو جسور وأنفاق معا.
وحصلت وزارة النقل على مساحة 217 ألف متر مربع من دون مقابل من شركة النحاس المصرية بالإسكندرية، التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام، لاستخدامها كورشة رئيسية للمشروع، بعدما قرر مجلس الوزراء إضفاء صفة النفع العام عليها، إضافة إلى أراضٍ تابعة للهيئة القومية للسكك الحديدية بنفس المنطقة بمساحة 10 آلاف متر مربع.
يذكر أن خط سكة حديد أبو قير – الإسكندرية الحالي يمتد على طول ساحل البحر المتوسط من الشرق إلى الغرب، مرورا بوسط المدينة الساحلية، ويقدر عدد الركاب المستخدمين لهذا الخط بحوالي 71 ألف راكب يوميا، من خلال 16 محطة سطحية، بإجمالي طول 21.7 كيلومترا.