لهذه الأسباب يكره السيسي وعساكره ثورة يناير

- ‎فيتقارير

منذ انقلاب السيسي على التجربة الديمقراطية بمصر التي أفرزتها ثورة يناير التي كانت استثناء في كل شيء، حيث تمكن الشعب المصري من قول رأيه بحرية خلال عام في أول تجربة حكم مدني بمصر منذ العام 1952، حيث بدأ الرئيس المدني الوحيد محمد مرسي، إبعاد العسكر عن سدة الحكم مستندا على أصوات المصريين، إلا أن العسكر الذين لا يطيقون القيام بمهامهم الأساسية بحماية حدود مصر وأمنها القومي، انقلبوا على التجربة، وحولوا ثورة يناير لمذمة شعبية، بعد أن نحجوا في تكفير المصريين بالثورة والديمقراطية، عبر الأزمات والمشاكل التي لا حد لها والتي أثاروها خلال حكم ثورة يناير، والتي دفعت بعض الشعب لتمني القمع عن الديمقراطية.

ولكن موقف رأس حربة الانقلاب عبد الفتاح السيسي، وتطور موقفه المعلن من الثورة  تطورا متوافقا مع قوة الشعب والجماهير، ودرجة تمكن العسكر من مفاصل ورقاب المصريين.

 

الالتفاف على الثورة

في بداية انقلاب العسكر، حرص السيسي على الظهور بمشهد المشيد بتجربة الشعب وثورته المباركة في يناير ، معتبرا انقلاب 3 يوليو 2013، تصحيحا لمسار الثورة "الذي حرفه الإخوان المسلمين عن مساره" وفقا لزعمه، وظهر في احتفالات يناير التي حولها لعيد للثورة ، ثم بعد تمكنه أكثر من مفاصل الدولة، بدأ هجومه على ثورة يناير، محاولا قتل فكرة الثورة من الأساس، من أجل ترسية قواعد حكمه العسكري بالبلاد، وتعددت أوصاف السيسي للثورة التي أصبحت سببا لكل الشرور في مصر، فوصف مصر إبان ثورة يناير بأنها سيدة خلعت ملابسها وعرت كتفها للناس فماذا تنتظر؟ ثم وصفها بالمؤامرة التي أرادت هدم الدولة المصرية.

ويوم الثلاثاء الماضي واصل السيسي تحذيراته للمصريين من الثورة، وتكرار ما حدث في ثورة يناير 2011.

وزعم قائد الانقلاب، خلال تفقده عدة مشروعات بمحافظة أسوان، إن "البلاد كانت معرضة للخراب والضياع في 2011 ولن ننسى ذلك، مضيفا "ماتنسوش 2011، ربنا وحده إللي أنقذ البلد دي من الدمار والخراب لأجل الناس الغلابة".

وتابع "هل هنكرر نفس المسار تاني؟، لا والله".

وادعى السيسي أن "المواطن المصري تحمل الـ7سنين الماضية، مضيفا أنه لا يخاف سوى على مصلحة مصر فقط".

وبشكل شبه دوري، يواصل السيسي التحذير من تكرار ثورة يناير 2011، ويحملها المسؤولية عن تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

وفي سبتمبر الماضي، زعم السيسي أن "عام 2011، كان بمثابة شهادة وفاة للدولة".

وفي فبراير الماضي، حذر من أن حالة الثورة والغضب لم تخمد بعد في الشارع المصري.

ومنذ منتصف 2014، تزايدت معدلات الفقر والبطالة في البلاد، وتدهورت قيمة العملة المصرية، فضلا عن تنامي الانتهاكات الحقوقية، والزج بعشرات الآلاف من معارضيه وراء القضبان.

ولكن البحث عن سبب هجوم السيسي وعساكره على ثورة يناير، نجد أن حكم العسكر الذي تمكن من مفاصل الدولة المصرية، لا يريد إلا الاستمرار في التمتع بالمزايا والحوافز السياسية والمالية التي تحققت له بانقلاب السيسي على الديمقراطية بمصر.

 

مزايا للعسكر بعد الانقلاب على الثورة

وتلك الميزات بتأتي على رأس أسباب كراهية العسكر والسيسي لأي ديمقراطية أو تغيير بالنظام العسكري، ومنها، وفق تحليل أستاذ العلوم السياسية بمعهدالدوحة للدراسات الدكتور خليل العناني الذي أشار خلاله إلى أن مصر تعيش فترة صعبة من هيمنة أقلية أو مجموعة صغيرة من الضباط على مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية كافة في البلاد بشكل لا يسمح بحدوث تغيير حقيقي في بنية الحكم والسلطة، أو يتيح تداولا سلميا للسلطة، خصوصا مع المدنيين.

وفي ظل حكم العسكر باتت مصر الدولة الوحيدة التي تُحكم بشكل عسكري متواصل منذ انقلاب 1952، وسقوط الملكية، باستثناء العام الوحيد الذي تولى فيه الرئيس الراحل محمد مرسي السلطة بعد ثورة 25 يناير (2011)، وهي أيضا من بين خمس دول أخرى فقط في العالم التي يحكمها العسكر حاليا، مالي وتشاد وغينيا وميانمار.

وصارت مصر الدولة الوحيدة التي ينص دستورها على أن الجيش هو حامي المدنية والديمقراطية حسب المادة 200 من الدستور المصري التي تنص على أن "القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد، والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وصون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد".

وهو وضع يكرّس الوصاية العسكرية على الحياة المدنية في مصر من خلال الدستور، وهو أمر غير موجود في أي دستور آخر، بما في ذلك الأنظمة السلطوية.

كذلك فمصر هي الدولة الوحيدة التي ينص دستورها على أن وزير الدفاع يجب أن يكون شخصية عسكرية، حسب المادة 201 من الدستور المصري التي تنص على أن "وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة، ويعين من بين ضباطها".

مع أن الأصل في الوزراء أن يكونوا مدنيين، بمن فيهم وزيرا الدفاع والأمن، إلا إذا كان هناك استثناءات في ظروف معينة ولفترات محدودة وبضوابط قانونية ودستورية، أما في مصر فإن القاعدة هي العسكرة وليس العكس.

وبعد الانقلاب على ثورة يناير، أصبحت مصر من الدول القليلة جدا التي لا يكون فيها تعيين وزير الدفاع إلا بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، حسب نص المادة 234 من الدستور المصري، التي تنص على ألا يكون تعيين وزير الدفاع إلا بعد موافقة هذا المجلس.

ولنتخيل السيناريو مثلا بعد وصول شخص مدني إلى السلطة في مصر لن يكون بمقدوره، ولا من سلطاته، اختيار وزير الدفاع، إلا بعد موافقة العسكر عليه، وهو وضع شاذ وغير موجود في أي بلد باستثناء مصر.

وأيضا فمصر من الدول القليلة جدا التي تسمح بمحاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية حسب نص المادة 204 التي تعطي صلاحيات واسعة جدا للقضاء العسكري غير موجودة في أي بلد آخر، وقد وُسِّعَت هذه الصلاحيات بعد انقلاب 3 يوليو (2013)، بشكل غير مسبوق، وذلك لضم المنشآت المدنية التي تتولى القوات المسلحة حمايتها، كالمستشفيات والجامعات والمدارس والمؤسسات الحكومية، إلخ تحت الحماية العسكرية، ما يعني أنه لو حدث خلاف بين أي مواطن وأحد العاملين في واحدة من هذه المؤسسات سيتعرض المواطن لمحاكمة عسكرية.

وبفضل العسكرة وتنحية الديمقراطية وقتل روح ثورة يناير، أصبحت مصر هي الدولة الوحيدة التي يتمتع فيها كبار القادة العسكريين بحصانة قانونية ودبلوماسية، بحيث لا يمكن محاكمتهم عن أية جرائم تورطوا بها، خصوصا ما بين عامي 2013 و2016.

 

مذابح مروعة

وهي الفترة التي شهدت أكبر عدد من المذابح المروّعة في تاريخ مصر المعاصر، مثل مذبحة "الحرس الجمهوري" في يوليو 2013 ومذبحتي ميداني رابعة العدوية والنهضة في أغسطس من العام نفسه.

كذلك يتمتع هؤلاء القادة بحصانة دبلوماسية إذا سافروا خارج البلاد، حسب نص القانون رقم 161 لسنة 2018 في شأن معاملة بعض كبار قادة القوات المسلحة، الذي أصدره عبد الفتاح السيسي من أجل حماية المتورطين في مذابح وجرائم قتل المتظاهرين خلال الفترة المذكورة.

وأيضا فمصر لا يعرف شعبها حجم ميزانية جيشها، ولا من أين تأتي هذه الميزانية، ولا كيف تُنفَق وتُصرَف؟ ولعل المفارقة هنا أن ميزانية الجيش وبقية مؤسسات الدولة تأتي من جيوب المواطنين من خلال الرسوم والضرائب التي يدفعونها، وتموّل أكثر من 70% من الميزانية العامة في مصر، وبالتالي من حق المواطن الطبيعي معرفة كيف تُنفق هذه الضرائب، وما إيرادات الجيش ومصروفاته، وهذا أضعف الإيمان.

كما أن مصر الدولة الوحيدة التي يوجد فيها أكبر عدد من العسكريين السابقين الذين يشغلون وظائف مدنية في كل القطاعات، كالجامعات، والمعاهد القومية، والبحوث، والشركات القابضة، وجمعيات حماية المستهلك، والإذاعة والتلفزيون، إلخ.

وأغلب هذه الوظائف تقدّم في شكل رشاوى سياسية ومالية من أجل شراء ولاء العسكريين السابقين للنظام وضمانه،  حتى بعد  خروجهم من الخدمة،  كذلك إن تولي هذه الوظائف لا يتم بشكل مهني محترف على أساس الكفاءة أو الخبرة، بل من خلال علاقات شخصية وزبائنية، وهو وضع غير موجود في أي دولة أخرى سوى مصر.

ومصر فيها أكبر عدد من المحافظين من القيادات السابقة في الجيش والشرطة (20 لواء سابقا من أصل 27 محافظا، حسب آخر إحصائية عام 2019) معظمهم من الجيش، وذلك في أكبر عملية عسكرة للدولة ومحافظاتها منذ انقلاب 1952.

وبعد الانقلاب العسكري على ثورة يناير، مصر الدولة الوحيدة التي زادت فيها مرتبات ضباط الجيش والشرطة وعلاواتهم حوالي 15 مرة خلال آخر عشر سنوات، حيث عُدِّل قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة الصادر بالقانون رقم 90 لسنة 1975 أكثر من مرة، بما يتضمن زيادته سنويا أول يناير من كل عام بنسبة 15% لمدة سبع سنوات.

صحيح أن العسكريين يتمتعون بمزايا اجتماعية واقتصادية في بلدان كثيرة، احتراما لدورهم وتضحياتهم في الدفاع عن الوطن، ولكن في مصر لا توجد تضحيات، وإنما فقط مزايا، ودون حسيب أو رقيب، وهذا كله من أجل استرضاء الضباط وضمان ولائهم.

 

إمبراطورية اقتصادية ضخمة للجيش

وأصبح الجيش المصري الجيش الوحيد الذي يمتلك إمبراطورية اقتصادية ومالية ضخمة تقدر بمليارات الدولارات، ويشرف على ما يقرب من 2300 مشروع اقتصادي، بدءا من إنتاج المواد الغذائية، كالمكرونة والخبز والأسماك، وحتى البنية التحتية كالطرق والكباري (الجسور) وإنتاج الحديد.

وهو وضع شاذّ وغير موجود في أية دولة أخرى، فالوظيفة الأساسية للجيوش هي الدفاع عن الأمن القومي للبلاد وحماية الحدود، وليس منافسة الشركات المدنية والقطاع الخاص في المجالات والأنشطة الاقتصادية كافة.

بل إن الأكثر غرابة أنه لا يوجد أي نوع من الرقابة والمحاسبة على هذه الإمبراطورية المالية والاقتصادية الضخمة للجيش المصري، سواء رقابة برلمانية أو شعبية أو قضائية. ولا يعلم أحد شيئا عن هذه الإمبراطورية، ولا توجد أية سلطة رقابية عليها، بما فيها الجهاز المركزي للمحاسبات الذي يراقب كل الأنشطة الاقتصادية والمالية في مصر.

الحقيقة الأخيرة والواضحة تماما أن العسكر في مصر يتحكمون بشكل كامل في الحياة السياسية (برلمان وانتخابات وأحزاب ومجتمع مدني، إلخ) والإعلام (قنوات فضائية، صحف، وجرائد، ومواقع إلكترونية) الفن (تلفزيون وسينما وإبداع ونشر).

أي أنه باختصار، يتحكم العسكر في مصر في كل شيء، ويديرون كل شيء، ويسيطرون على كل شيء، لذلك، لا أمل في حدوث تغيير حقيقي في مصر من دون فهم هذه الحقائق، ومن دون تفكيك "جمهورية الضباط" بشكل حقيقي، يضمن عودتهم إلى ثكناتهم ووظيفتهم الطبيعية في حماية البلاد والحفاظ على مقدراتها.

ولهذه الأسباب والمزايا والانفرادات المتحققة للعسكر وللسيسي فإن كراهية ثورة يناير باتت دين وديدن العسكر، الذي لا محالة سينجلي في يوم من الأيام حينما يعود المصريون لتحرير أنفسهم من حكم العسكر بثورة جديدة قد تاتي في أي وقت من العام، تستلهم روح ومطالب ثورة 25 يناير.