غالبا ما يتشدق النظام الانقلابي العسكري الحاكم لمصر بالخسائر المالية وعدم قدرة ميزانية الدولة على تحمل الخسائر، حينما يمرر قرارات بيع شركات القطاع العام وقطاع الأعمال، التي يجري تصفيتها بصورة لا وطنية، إذ بمقدور أي نظام ألا يفرط في تلك الثروات القومية، وتعويمها عبر تسهيلات مالية وإعفاءات جمركية ، وتقليل الضرائب والالتزامات المالية المقررة للدولة على تلك الشركات، كما يجري مع شركات الجيش.
إلا أنه من الغريب، بل ومن الكاشف لحقيقة النظام وخيانته بحق الشعب، أن يجري بيع الشركات العامة الرابحة والتي تحقق إنتاجا قوميا من سلعة إستراتيجية كالأسمدة والكيماويات في بلد زراعية، وسط ارتفاعات عالمية في أسعار السلع ومستلزمات الإنتاج، في وقت تعاني سلاسل التوريد العالمية أزمات طاحنة.
بيع الشركات الرابحة
ولعل قرار بيع الشركات الرابحة ، لا يكاد يبعد في تفسيره عن أمرين، إما الخيانة الوطنية، أو الجهل. حيث طرح نظام السيسي 10% من أسهم "شركة أبو قير" للأسمدة للبيع في البورصة بمبلغ 2.2 مليار جنيه، أي بما يوازي 143 مليون دولار.
وتبلغ قيمة الشركة كلها 22 مليار جنيه مصري، ما يجعلها من أكبر الشركات في مصر، وهي شركة مساهمة تخضع لقانون الشركات رقم 159 لسنة 1981، وأغلب الشركاء من جهات عامة مصرية، بالإضافة إلى صندوق العاملين فيها، وصندوق الاستثمار السعودي الأهلي كابيتال بنسبة 8%.
3 مصانع
ووفق الخبراء وتقارير الشركة ، فالشركة ناجحة بكل المقاييس، حيث تمتلك 3 مصانع (أبو قير 1 و2 و3) ووحدة خاصة أخرى لإنتاج الأسمدة، ومصنع بلاستيك لإنتاج شكاير الأسمدة، وتنتج الشركة 23 مليون طن من الأسمدة سنويا، وتبيع 55% من إنتاجها لوزارة الزراعة بسعر مدعوم للفلاحين، ووصلت صادراتها آخر عام 1.6 مليون طن بمبلغ 2 مليار دولار، وحققت أرباحا بـ 3.5 مليارات جنيه عام 20/21..
وبجانب أرباح الشركة ، فهي تمد السوق المحلي بسلعة بالغة الأهمية للزراعة، كما وتصدر الباقي للخارج، وذلك في ظل أن السماد سلعة حيوية مطلوبة بشدة في بلد زراعي كمصر.
وهو ما يثير الكثير من التساؤلات، حول ؛ لماذا يفرّط السيسي والعسكر بأصول هامة تمد مصر باحتياجاتها، ثم نعود فنستوردها أو نشتريها بالسعر العالمي من القطاع الخاص المصري أو الأجنبي؟ ، إلا أن الإجابة عن هذه التساؤلات لا تبعد عن كلمة واحدة وهي الخيانة الوطنية. لأن أقصى طموح لأي دولة، إنشاء صناعات إستراتيجية واستثمارات ناجحة مثل هذه الشركة.
ولعل قرار البيع الذي سيبدأ في أعرق شركة ناجحة بمصر، أثار استياء عدد من الأحزاب السياسية ، كحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، وحزب العيش والحرية تحت التأسيس، والحزب الشيوعي المصري، والحزب الاشتراكي المصري، والذين أصدروا بيانا أدانوا فيه قرار البيع، قائلين في البيان "لماذا نصفي شركاتنا الإستراتيجية؟ السبب الواضح هشاشة وضعنا الاقتصادي نتيجة للسياسات الحكومية التي تتميز بتخلف هيكلنا الإنتاجي عن ملاحقة احتياجاتنا، حيث نستورد أكثر من نصف احتياجاتنا من الغذاء، كما نستورد مستلزمات إنتاج وسلع وسيطة، لأننا لا نمتلك صناعات ثقيلة، بل نصفي ما لدينا منها، مثل مصنع الحديد والصلب وشركة المراجل البخارية؟"
الإغراق في الخدمات على حساب الإنتاج
وأعربت عدة أحزاب عن أن السياسات الاقتصادية (لحكومة الانقلاب) تتميز بالإغراق في الاستثمارات على مشاريع خدمية مثل الطرق والكباري على حساب الاستثمارات في الإنتاج الزراعي والصناعي، وعلى حساب الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، مع تبديد الكثير من الفائض في أشكال من الترف، بجانب نواحي الفساد المختلفة.
وأكدت أن "الحكومة (الانقلابية) تحل مشاكلها بتصديرها للطبقات الشعبية من طريق فرض الضرائب غير المباشرة على الفقراء، وترفع أسعار الوقود والكهرباء والرسوم الحكومية، ولكنها تخفضها على المستثمرين، مسببة ما لدينا من عجز مزمن في كل من الموازنة العامة للدولة".
وتابعت "كما أننا نمتلك عجزا ضخما مزمنا في ميزان المدفوعات مع الخارج، ونعاني من فجوة استثمارية بين مدخراتنا المتواضعة واستثماراتنا.
وتحل الحكومة الانقلاببة تلك المشكلة باستمرار بالاستدانة من الخارج والداخل حتى وصلت ديوننا الخارجية إلى 137.9 مليار دولار، وقاربت قيمة إجمالي الديون الخارجية والداخلية كل قيمة الناتج المحلي الإجمالي".
ويبرز في جانب من البيع الذي يرقى لدرجة الخيانة العظمى التي يمارسها السيسي ونظامه العسكري الذي أدمن السمسرة والعمولات وتجميع الأموال فقط دون استثمار حقيقي وإنتاج حقيقي تحتاجه مصر بالفعل، الخضوع لشروط صندوق النقد الدولي، الذي يريد خراب مصر، لخساب الدول الصناعية والمانحين، الذين لا يهمهم سوى استمرار سياساتهم الربوية، بإقراض الحكام المستبدين وإغراقهم في الديون المالية والإفقار المتعمد لشعوبهم، ليظلوا تحت رحمة القرار الخارجي والانصياع لإملاءات الغرب، إذ أن النتيجة الحتمية للاستدانة، هي الخضوع لشروط الدائنين الذين يصرون على أن يضمنوا إمكانية سداد ديونهم من طريق تملك الأصول الإنتاجية والخدمية لمصر، إذ تفرض اتفاقيات صندوق النقد المختلفة ضرورة ما تسميه التنمية المعتمدة على القطاع الخاص الذي يشمل المصري منه والأجنبي، مع تقليص دور الدولة، أي بيع أصول الدولة كما تم ويتم، ويعني هذا أن "الدولة بهذه السياسة الاقتصادية تعيش على إنتاجنا الحالي، وعلى تراكم إنتاج الأجيال السابقة علينا ببيع الشركات والأصول التي تم بناؤها من مدخراتنا، وعلى حساب الأجيال القادمة التي سيقع عليها عبء سداد أقساط الديون التي نستدينها".
رفض خصخصة الشركات الناجحة
وأكدت الأحزاب رفضها "خصخصة شركة أبو قير للأسمدة"، ورفضها "السياسات الاقتصادية التي لا تنمي الإنتاج المحلي، وتقود للعجز والاستدانة، وتوقعنا في فخ الديون الأجنبية الذي عانينا منه قبلا مثل عهد الخديوي إسماعيل، نرفض خصخصة شركاتنا وأصولنا المحلية، ونطالب بسياسات إنتاجية تتوجه للاعتماد على أنفسنا وإشباع احتياجات الطبقات الشعبية".
وهكذا يجاوز المنقلب السفيه السيسي حدود العقل في بيع وخصخصة الشركات الناجحة القادرة على حماية الزراعة المصرية التي تعاني ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج من أسمدة وكيماويات .
ولعل ما يثبت خيانة نظام السيسي للمصريين، ارتباط قرار بيع حصة من شركة أبوقير للأسمدة مع اتجاه النظام لإلغاء الدعم العيني للفلاح والاتجاه للدعم المالي وتحرير سعر السماد الذي تبيعه الجمعيات الزراعية ووفق سعر التكلفة، وفق ما هو منصوص عليه بين الحكومة التي تمد مصانع وشركات الأسمدة والكيماويات بالغاز الطبيعي بسعر مخفض مقابل أن تورد تلك المصانع نحو 55% من إنتاجها للجمعيات الزراعية ووزارة الزراعة بسعر التكلفة.
ومع بيع أبوقير للأسمدة، فإن المؤامرة تتضح معالمها بتدمير الزراعة المصرية، كما يجري تدمير الصناعة أيضا ببيع شركات الحديد والصلب والمراجل البخارية وفحم الكوك والدلتا للصناعات المعدنية وغيرها من شركات النسيج والملابس والأغذية، ليجوع المصريون ويتعرون ويتحولون لعبيد لدى العسكر الذين يسطرون على المال والاقتصاد، وهكذا صدق السيسي وعلي الحجار ، حينما غنى للانقلاب العسكري، موجها ألحانه للمصريين "أنتو شعب وإحنا شعب".