كان واضحا في خطاب استقالة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك 2 يناير 2022، تأكيده ضمنا أن سبب استقالته وخلافه مع العسكر، هو بيزنس الجيش.

عسكر السودان قاموا بانقلابهم الأول ضد الرئيس البشير، كي ينفردوا ببيزنس العسكر ضمن لعبة الكراسي الموسيقية التي يجيدها العسكر، ثم قاموا بانقلابهم الثاني ضد التيار اليساري الذي تحالف معهم وهو قوي الحرية والتغيير، لأن الأخير تصور أنه بإمكانه تحجيم تدخل الجنرالات في الاقتصاد.

وحين عاد رئيس الوزراء حمدوك الذي اعتقلوه لممارسة دوره محللا لانقلابهم، وحاول مرة ثانية تحجيم بيزنس العسكر أفشلوه فاستقال للمرة الثانية.

"حمدوك" قال في السطر الأول من خطابه إن "أبرز ما واجهه من تحديات جسام، هو تشويه الاقتصاد والفساد والديون، وأن أزمته مع العسكر أزمة سياسية، لكنها تتمحور حول الحياة الاقتصادية والاجتماعية".

لذلك وجه رسالة للجيش يذكره أن اقتصاده العسكري ملك للشعب، قائلا "إلى قواتنا المسلحة وكل الأجهزة النظامية والأمنية ، الشعب هو السلطة السيادية النهائية والقوات المسلحة هي قوات الشعب تأتمر بأمره".

هذا ما دفع صحيفة إيكونوميست" في 4 يناير 2022 لتفسير سبب استقالة حمدوك الأساسي برفض العسكر التخلي عن البيزنس الخاص بالجيش، على غرار ما فعل الجيش المصري وبسببه انقلب على ثورة 25 يناير، وهو ما فعله البرهان.

المجلة البريطانية قالت في عنوانها "لماذا السودان غير مستقر إلى هذا الحد؟" وأجابت "إنها الأموال ، الأموال سبب الانقلابات".

"إيكونوميست" قالت إن "النخبة العسكرية الحاكمة بالسودان، أفشلت رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، بعدما حاول مراقبة أموال المؤسسة العسكرية التي تسيطر على السودان وثرواته".

بينت أن مشكلة حمدوك هي أنه "حاول فرض رقابة ومحاسبة للمكون العسكري الصناعي الضخم، فردت عليه النخبة العسكرية ومنعته فاستقال.

رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك سبق أن حذر 20 ديسمبر 2020 بوضوح من تداعيات انخراط المؤسسة العسكرية في النشاط الاقتصادي الخاص، ومزاحمة الشركات الأهلية في المشروعات المدنية.

قال إن "ذلك غير مقبول، وعلى الشركات التي يشارك فيها الجيش أن تتحول إلى شركات مساهمة عامة، تسمح للمواطنين بالمشاركة فيها".

قال للعسكر "كل جيوش العالم لديها علاقات استثمارية، لكنها تتعلق بنشاطهم الدفاعي والعسكري، كالاستثمار في الصناعات الدفاعية والتسليحية، لكن الاستثمار في قطاعات الإنتاج ربما يأتي بنتائج عكسية".

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=441341033916070&id=109855750397935

عقب انقلاب عبد الفتاح البرهان على الرئيس السوداني السابق عمر البشير، وغلبة المكون العسكري، زاد الجيش من مزاحمته الشركات المدنية في المشروعات الاستثمارية، أحكمت المؤسسة العسكرية قبضتها على العديد من مجالات الإنتاج والاستثمار.

مع تولي جنرالات، هم تجار في الأساس، على شاكلة محمد حمدان دقلو حميدتي قائد قوات الدعم السريع، نائب رئيس المجلس العسكري، بدأت المؤسسة العسكرية تكشر عن أنيابها الحقيقية في المجال الاقتصادي، ووضع يدها على القطاعات المرتبطة بالاقتصاد.

لذلك كان إبعاد الجيش عن الاقتصاد أحد مطالب المتظاهرين الذين ثاروا ضد حكم البشير ومن بعده ضد البرهان، وكان بيزنس الجيش على رأس النقاط الخلافية بشأن إشراك العسكر داخل منظومة الحكم الجديدة.

وتنبأت بهذا بشكل مبكر صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية عقب الانقلاب على البشير وتحالف المكون العسكري والمدني، مؤكدة نقلا عن مسؤولين سودانيين أن خطة حمدوك الاقتصادية ستتصادم مع مصالح الجيش.

وتوقعت الأمر ذاته دراسة لمعهد كارنيجي 23 أبريل 2021 مبينه أن التجارب، اثبتت أن العسكر يعرقلون أي تجربة ديمقراطية، كي يبقوا في الحكم لحماية البيزنس والفساد الخاص بهم.

 

سيطرة الجيش على الاقتصاد

كانت التصريحات التي قالها رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، صادمة لجنرالات السودان، حين حذر من تداعيات انخراط المؤسسة العسكرية في النشاط الاقتصادي الخاص، ومزاحمة الشركات الأهلية في المشروعات المدنية، معتبرا الأمر غير مقبول.

هذه التصريحات جعلت العسكر يكشرون عن أنيابهم على غرار عسكر السيسي الذين هددوا نواب الإخوان في برلمان 2012، حين طالبوا فقط بمراقبة اقتصاد الجيش والسماح لأجهزة الرقابة الإدارية وغيرها بالاطلاع على تفاصيله، لأنهم يعتبرونه ملكا خاصا لهم لا للشعب الذي عينهم ويدفع لهم رواتبهم.

كان للجيش أيام البشير بعض الشركات العسكرية، لكنها لم تكن تتوغل على الاقتصاد ولكن عقب الانقلاب عمد البرهان على طريقة السيسي علي توسيع هذا البيزنس، وأحكمت المؤسسة العسكرية قبضتها على العديد من مجالات الإنتاج والاستثمار، لاسيما بعد التغيرات الجذرية التي طرأت على تركيبة الجيش منذ إبريل 2019.

وظل إبعاد الجيش عن الاقتصاد أحد المطالب الثورية، كما كانت على رأس النقاط الخلافية بشأن إشراك العسكر داخل منظومة الحكم الجديدة بين العسكر واليساريين المدنيين.

وبحكم الطبيعة الجغرافية للسودان فإن أبرز موردين اقتصاديين للبلاد هما الزراعة والتعدين، وهما الموردين المُسيطر عليهما من قبل عائلات على علاقة قوية بأباطرة المال داخل الجيش والنخبة الفاسدة في الحكومة، أو كما يطلق عليهم في السودان "عصابات المافيا"، وذلك بحسب تقرير للقناة الألمانية الأولى (ARD)

وكالة "بلومبيرج" الأمريكية نشرت تقريرا استعرضت فيه أبرز الشركات التي تقود بيزنس الجيش، والمملوكة في الأساس إلى أسماء بارزة في القوات المسلحة السودانية، أو على الأقل مملوكة لأشخاص من ذات العائلة أو من أقارب الدرجة الأولى.

التقرير أوضح أن نصيب الأسد في تلك الشركات يعود إلى "حميدتي" الذي بات أحد أبرز أركان تهريب الذهب إلى الخارج لاسيما الإمارات، وذلك عن طريق مجموعة "الجناد" المملوكة لأحد أقاربه، والتي يضع يده على النسبة الأكبر من أسهمهما.

وكانت العديد من التقارير كشفت خلال العامين الماضيين عن تهريب حميدتي كميات كبيرة من ذهب بلاده إلى مطار أبو ظبي ودبي بطرق غير مشروعة، هذا بخلاف الشركات الأخرى العاملة في مجال الزراعة والتنقيب عن النفط والثروات المعدنية الأخرى.

حيث يتخوف السودانيون من السيناريو المصري، حيث سيطرة الجيش على معظم موارد الدولة، ومزاحمة القطاع الخاص في أدق المجالات، الأمر الذي أوقع معظم منافذ الإنتاج والاستثمار في قبضة المؤسسة العسكرية، وهو التوجه الذي يسعى من خلاله جنرالات الجيش، لوأد أي مساعي ثورية مستقبلية في ظل تفريغ المناخ الاقتصادي من كافة موارده لصالح مؤسستهم، التي باتت وكأنها دولة داخل الدولة من حيث الموارد والإمكانيات والميزانيات.

 

إمبراطورية العسكر الاقتصادية

وعقب الانقلاب علي البشير، بدأ جنرالات الجيش السوداني إعادة هندسة إمبراطوريته الاقتصادية، وحماية سلطاته القديمة ضمن خطة تستهدف السيطرة على الموارد الحيوية للدولة، وتحجيم أي حكومة قادمة تستهدف الإطاحة به من المشهد.

لهذا اصطدموا بحمدوك وقوي الحرية والتغيير وظلوا لهذا السبب يمتلكون مفاتيح القرار السياسي والاقتصادي والعسكري حتى اللحظة، وهو ما رأه رئيس الوزراء السوداني خطرا يُهدد منصبه وخطته الاقتصادية، فاستقال.

 وتُشير تقارير إلى أن عدد الشركات المملوكة للجيش والأجهزة الأمنية تُقدر بنحو 250 شركة تُدر أرباحا سنوية قيمتها 110 مليار جنيه سوداني ما يعادل ملياري دولار أميركي بأسعار إبريل 2021.

وكان تبرع المؤسسة العسكرية السودانية عام 2019 بمليار دولار أميركي للبنك المركزي بهدف دعم استيراد السلع الحيوي، مؤشر على تعاظم تلك الإمبراطورية العسكرية الاقتصادية وتمدد أذرعها الاقتصادية.

وهو نفس ما فعله جنرالات مصر حين تبرعوا للبنك المركزي عقب ثورة يناير 2011 بمليار جنيه ثم مليار أخرى ما أشار لقوة وحجم إمبراطورية الجيش الاقتصادية ومن ثم إجهاضهم للثورة ولحكم الرئيس محمد مرسي وتولي السيسي الحكم ليحافظ على هذه الإمبراطورية ويوسعها.

فتبرع الجيش السوداني يعكس حجم الاحتياطي النقدي الضخم الذي تحتفظ به، في وقت بلغت فيه الموازنة العامة للحكومة نحو 3.4 مليار دولار، وتفتخر الحكومة حاليا بأن الاحتياطي النقدي لديها ارتفع إلى 234 مليون دولار، بينما لا يُعرف على وجه الدقة حجم الأموال التي تمتلكها المؤسسة العسكرية، لا سيما قوات الدعم السريع التي يظهر أفرادهم بسيارات فارهة وأسلحة حديثة متطورة، في حين يشتكي حمدوك من أن 80% من شركاتها خارج إطار المراقبة المالية الحكومية تماما.

تلعب الشركات المملوكة للجيش أدوارا رئيسة في قطاعات اقتصادية تعتبرها الدولة المصدر الأساسي لدخلها القومي، مثل التعدين والزراعة، لكن السياسة الاقتصادية للجيش عقب الإطاحة بالبشير تمثلت في الاتجاه إلى احتكار صناعات بعينها، والتوغل بقوة في قطاعات الذهب التي يحتكرها قائد قوات الدعم السريع عبر شركة الجنيد وتُقدر مبيعاتها بنحو 390 مليون دولار سنويا.

ويسيطر الجيش كذلك على قطاعات المعادن والمواشي والسمسم والجلود والقمح والطيران والاتصالات، وعقب تولي البرهان رئاسة المجلس العسكري، عمد القائد الجديد إلى تعيين رؤساء جدد على رأس الشركات المملوكة للجيش، بدلا من الضباط المحسوبين على النظام القديم، وذلك لحماية تلك الإمبراطورية المالية من انشقاقات مُحتملة أو تدخل حكومي.

ربما لهذا اختار البرهان صديقه القديم، الفريق أول "ميرغني إدريس"، مديرا عاما لمنظومة الصناعات الدفاعية، الذراع الاستثمارية للجيش، التي توجد تحت مظلتها عشرات الشركات وتُدر ملايين الدولارات.

ويحق لتلك الشركات طبقا لقانون أقره البرلمان عام 2017 أن تستثمر أموالها وتبرم العقود، وتقوم بإجراءاتها المالية دون الخضوع لأي رقابة علاوة على ذلك، قام البرهان بسلسلة أخرى من التعيينات والتوسعات عززت سيطرة الجيش على الاقتصاد السوداني.

Facebook Comments