تتزايد مستويات المخاوف على مستقبل (إسرائيل) بين الأكاديميين والباحثين الصهاينة، في ظل حالة الاستقطابات الإسرائيلية الداخلية، سواء داخل الائتلاف الحكومي، أو بين الحكومة والمعارضة، وحتى في صفوف المعارضة ذاتها، حيث تزداد التحذيرات الإسرائيلية من نشوب ما تصفها بأنها "حرب أهلية" بين اليهود أنفسهم، بسبب غياب لغة الحوار بينهم، وطغيان تبادل الاتهامات.

وفي مقال لها، السبت 8 يناير الجاري، تحذر "يفعات إرليخ"، الكاتبة في صحيفة «إسرائيل اليوم» من سيناريوهات غامضة  قد تؤدي إلى تهديد كبير لمستقبل  "إسرائيل"، وقالت إن "انتقادات المعارضة الإسرائيلية الأخيرة لجملة من مشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة الحالية برئاسة نفتالي بينيت، قد يكون لها ما يبررها إلى حد كبير، ومنها مثلا تعزيز البناء العربي في مناطق الجليل والنقب في مسعى لتحقيق مزيد من المساواة بين العرب واليهود داخل الدولة، كي لا تتكرر أحداث مايو الماضي، حين هاجم العرب منازل اليهود، وممتلكاتهم، وتحولوا إلى أعداء في داخل الدولة".

من جهة ثانية، ترى أن الخلافات اليهودية الداخلية تمثل جانبا آخر قد يتسبب في نشوب حرب أهلية داخلية، يتمثل بجهود الحكومة والجيش وأجهزة الأمن لمنع جماعات المستوطنين الملقبين بـ"فتيان التلال"، من توسيع البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، مما يثير الغضب في أوساط اليهود". وتضيف أن هذه الخلافات الحزبية قد تبدو أمرا طبيعيا ومتفهما في سنوات سابقة شهدتها إسرائيل، لكن الأجواء الملبدة بالغيوم في الكنيست الحالية، مع اتهام معسكر اليمين لرئيس الحكومة بينيت بأنه باع مبادئه الصهيونية لصالح معسكر يسار الوسط، ووجود قائمة عربية داخل الائتلاف الحكومي، وعدم توفر هوية واضحة للحكومة بسبب تركيبتها المتناقضة، كلها عوامل متزايدة تصب مزيدا من الزيت على نار الخلافات الداخلية، وتنذر باندلاع تلك الحرب، على الأقل وفق المخاوف الإسرائيلية الداخلية.

كبار القادة الإسرائيليين لا يترددون في التعبير عن مخاوفهم من القول إن الحرب الأهلية داخل الصهيونية هي جرح نازف، لأنه إذا استمرت الأطراف اليهودية في التنقيب عن أسبابها، وزيادة عواملها، فإنها ستبعد أي جهد لإبعاد شبحها، وقد باتت تخيم في الأجواء الإسرائيلية الداخلية فيه الحزبية منها والائتلافية والمعارضة، على حد سواء.

في مثل هذه الحالة، التي قد تندلع فيها الحرب الأهلية الإسرائيلية من الداخل، سيفقد اليهود كل شيء، ليس فقط الشراكة في قيادة الدولة، بل إن ذلك سيضع علامات تساؤل عديدة حول مدى بقاء هذه الدولة ذاتها، لأن تحقق ذلك الكابوس  ـ بحسب الكاتبة اليهودية ــ  أمام اليهود يعني أن الساعة الرملية للدولة ستأخذ في النفاد، مما سيعمل على تضييق هامش الخيارات أمام الحكومة الحالية، وسيبدو أنه لا خيار لها، إلا التحضير للشروع في جولة أخرى من الانتخابات المبكرة، لأنها سوف تتفكك في نهاية المطاف، عاجلاً أم آجلاً.

وتنتهي إلى أن تطورات اليوم التالي عند نشوب تلك الحرب الأهلية الداخلية، وفق القراءات الإسرائيلية، تتطلب أن تبدأ الأحزاب الصهيونية والدينية بالتفكير في هذا السيناريو أيضا، خشية تسببها، دون أن تقصد، بحرق آخر الحظائر والجسور المتبقية، بسبب فشلها مرارًا وتكرارًا في تقديم زعيم يفوز في الانتخابات المقبلة، ينجح في توحيد المعسكر الصهيوني الديني والقومي، وبالتالي فإن هذا الواقع المأزوم سيولد غضبا لدى اليهود من كل الأطراف، التي تتسبب بزيادة معدلات "الكراهية الأخوية" بين اليهود أنفسهم.

وتتفق الكاتبة الإسرائيلية ميخال أهاروني، في مقال لها بصحيفة "يسرائيل هيوم" نشرته في مايو 2021م، مع هذه الخلاصة، محذرة من أن الكيان الصهيوني  مهدد بحرب أهلية قد تكون سببا في زواله. واعترفت أنه "لسنوات طويلة، لم يكن هناك شيء يوحد المجموعات الإسرائيلية المختلفة، وأن "إسرائيل" دولة صغيرة بها الكثير من الناس، لكننا فجأة بتنا أمام دموع لا يمكن تجفيفها، وصدوع عميقة للغاية، وكراهية مشتعلة، وخطوط واضحة بين كل معسكر على حدة، ولعل ذلك اتضح في واحدة من الرسومات الساخرة التي باتت تشهدها وسائل الإعلام الإسرائيلية، وهي تشخص غياب الكيمياء الشخصية بين القادة الإسرائيليين، محذرة من نشوب أعمال شغب وعنف ضخمة وأن كل سيناريوهات النهاية باتت ماثلة أمام أنظار الجميع. وختمت بالقول إن "انتماء اليهود لإسرائيل يعتبر مادة لاصقة، وينبغي أن نتحرك كأسياد في الدولة، وليس كأفراد سوف يتمزقون في أمكنتهم، ومع ذلك فإن اللغة والثقافة والجيش والعقلية التي تحكم إسرائيل، كلها سوف تتبدد بسبب الكراهية والغضب الذي يعتمل بين الإسرائيليين".

وكانت صحيفة «هآرتس» العبرية قد حذرت في تقرير لها في أكتوبر 2020م أن "إسرائيل" بلا هدف أو مستقبل، ورصدت عددا من المؤشرات تبرهن على تفكك المجتمع الإسرائيلي. وقالت إن الواقع الحقيقي الذي يعيشه المجتمع الإسرائيلي المكون من قطاعات وقبائل، والذي ظهرت أمراضه بفعل وباء كورونا، يسير نحو الانهيار في حال لم يتم تجاوز القطاعية، التي تشي بأن "إسرائيل تتفكك". وأشارت إلى أن تفشي جائحة كورونا قد أظهر جميع أمراض المجتمع الإسرائيلي، التي تم تجاهلها لعشرات السنين". ونبهت الصحيفة، إلى أن المجتمع الإسرائيلي، خليط من الجماعات التي لا تعمل كجسم واحد، لكن على الأغلب تعمل الواحدة ضد الأخرى، وبالتالي، فإن من المستحيل هزيمة الوباء. ونوهت إلى أن ظهور المجتمع الإسرائيلي والدولة، "كتكتل واحد ضد عدو خارجي، والتغلب على الشروخ الداخلية، هو تكتل سطحي، ومجرد خداع".

Facebook Comments