كشف مسئولون بحكومة الانقلاب، أن نظام عبدالفتاح السيسي بدأ التفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد لمواجهة أزمة السيولة التي يعاني منها القطاع المصرفي في زمن الانقلاب، خاصة بعد إعلان البنك المركزي المصري عن قواعد جديدة لتقديم سيولة طارئة للبنوك المحلية.
وقال المسئولون إن "التقدم رسميا بطلب الحصول على قرض، يتوقف على ما سيجنيه نظام السيسي من مصادر الاقتراض الأخرى التي اعتمد عليها في السنوات الأخيرة، وبالأخص سوق الديون وودائع الحلفاء من دول الخليج وبيع الأصول الذي يتولاه صندوق مصر السيادي".
وتوقعوا أن يعتمد القرض الجديد على نفس الآلية التي حصل السيسي بموجبها على قرض من الصندوق عام 2016 بقيمة 12 مليار دولار على مدار ثلاث سنوات.
وأكد المسئولون أن صندوق النقد رفض اقتراحا انقلابيا، بأن يتم منح القرض باستخدام نفس آلية قرض 2016، معتبرا أن هذه الآلية تمثل حالة استثنائية ترتبط بالأزمات الكبيرة فقط.
واعترفوا أن صندوق النقد أعرب خلال المفاوضات عن إحباطه من انخفاض الاستثمار الخاص، وعدم استجابة الانقلاب لمطالب الصندوق بتعديل قانون المنافسة مؤكدين أن مصر ليست في حاجة إلى إجراءات تقشفية جديدة تتعلق بتقليص الدعم لأن التوجه الانقلابي لتقليص الدعم مستمر في كل الأحوال.
وأشاروا إلى أن الشرط الأهم للصندوق خلال المفاوضات هو توقف الانقلاب عن دعم سعر الجنيه في السوق، على الرغم من تحرير سعر الصرف ضمن ما سُمي بخطة إعادة الهيكلة الاقتصادية في 2016.
يشار إلى أن إجمالي حجم الدين الخارجي بلغ 137.9 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي بزيادة قدرها 14.4 مليار دولار عن نهاية يونيو 2020، ولا تمثل القيمة المعلنة للديون الخارجية من قبل البنك المركزي كل أشكال الديون الخارجية، لأن الأرقام الانقلابية تستبعد بعض الأشكال من حساباتها، مثل السندات المحلية التي يشتريها الأجانب، والتي تعرف اقتصاديا باسم الأموال الساخنة.
دولة متسولة
تعليقا على مواصلة السيسي الاستدانة من الخارج قال روبرت سبرينجبورج خبير اقتصادي عالمي، ومسؤول أمريكي سابق، إن "مصر في زمن الانقلاب العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي، أصبحت دولة متسولة، محذرا من خطورة استمرار النهج الاقتصادي المتبع في البلاد على مستقبل المصريين".
وأضاف سبرينجبورج في تصريحات صحفية، إن السيسي يدير مصر كما لو كانت واحدة من الدول الريعية الغنية بالنفط، أو دولة تجارية ناجحة تحت حكم أوتوقراطي، على غرار الصين مؤكدا أن الاقتصاد المصري أصبح يعتمد على الدعم الخارجي والقروض أكثر من أي وقت مضى.
وكشف أن سياسة السيسي الاقتصادية تعتمد على محاولة تحقيق حالة "إبهار" ملفتة من خلال المشاريع الضخمة وشراء الأسلحة لتعزيز شرعيته لافتا إلى أن السيسي، يضغط على المواطنين من خلال التخفيض المستمر للدعم وفرض المزيد من الضرائب وزيادة رسوم الخدمات العامة، رغم الدعم الأجنبي الهائل الذي تلقاه والاقتراض الكثيف لنظامه من الداخل والخارج.
وكشف سبرينجبورج أن إجمالي حجم الدين القومي لمصر يبلغ الآن 370 مليار دولار، أي تضاعف أربع مرات منذ عام 2010. ويلتهم سداد فوائد الدين المحلي والأجنبي أكثر من ثلث الميزانية ، أي أكثر من ضعف المبلغ الذي كان يستهلكه في عام 2009 مؤكدا أن مصر أصبحت دولة متسولة في زمن الانقلاب الدموي .
وأكد أن السيسي يضغط على القطاع الخاص بطرق شتى، ليس أقلها استحواذ الجيش على العديد من المؤسسات الخاصة المربحة ، ما ينذر بعواقب وخيمة إذا لم يتم تدارك الأمر واتخاذ الدول الصديقة خطوات تصحيحية لإنقاذ مصر من هذا المصير، بدلا من الاستمرار في الانغماس في دعم نظام السيسي.
مستنقع الديون
وأكد الخبير الاقتصادي محمد كمال عقدة أن مصر في زمن الانقلاب دخلت بالفعل في مستنقع عدم القدرة على سداد فوائد الديون، واقتربت أكثر من الإفلاس والعجز عن سداد الديون.
وقال عقدة في تصريحات صحفية إن "اللجوء إلى صندوق النقد الدولي من جانب نظام السيسي يكشف عن المطالبة بإعادة جدولة الديون ، مؤكدا أن هذا بحد ذاته دليل على عدم قدرة حكومة الانقلاب على السداد؛ لذلك تلجأ إلى التأجيل مع رفع سعر الفائدة، وخلال سنوات بسيطة سيكون سعر الفائدة تعجيزيا، ولن تستطيع حكومة الانقلاب الاقتراض من الأسواق المالية الدولية" .
وكشف أن مبلغ 8 مليارات دولار المستحقة لبعض دول الخليج تمت جدولتها أكثر من 3 مرات؛ لأن ردها أو سدادها سيؤدي إلى ارتفاع الدولار أمام الجنيه ليتخطى حاجز العشرين جنيها .
وتوقع أن يُجري نظام الانقلاب مفاوضات جديدة مع صندوق النقد الدولي، ولكنها ستكون أصعب من الماضية؛ بسبب عدم الأخذ بنصيحة الصندوق بفتح مجال المنافسة ومحاربة الفساد، وكبح جماح تدخل حكومة الانقلاب والمؤسسة العسكرية في قطاعات اقتصادية مختلفة.
اقتصاد هش
وأكد الدكتور مصطفى شاهين أستاذ الاقتصاد في جامعة أوكلاند الأمريكية، أن أكثر تهديد حقيقي يواجه مصر في زمن الانقلاب الدموي، هو الدين الخارجي والداخلي، مشيرا إلى أن ما يزيد الطين بلة هو هشاشة الوضع الاقتصادي بسبب إهمال زيادة الإنتاج، وتحفيز التصدير وتنويع مصادر الدخل .
وحذر شاهين في تصريحات صحفية نظام الانقلاب من الاطمئنان لودائع دول الخليج، لأنها مرتبطة بطبيعة العلاقات وحالتها المزاجية .
وانتقد اعتزام نظام الانقلاب طرح سندات دولية قيمتها تتراوح بين 3 و7 مليارات دولار في السنة المالية الحالية مقارنة بسندات دولية تزيد قيمتها عن 6 مليارات دولار العام الماضي، مؤكدا أن ذلك يدل على إصرار قائد الانقلاب على عدم تغيير نهجه في الاقتراض .
وكشف شاهين أن زيادة الاحتياطي السنوية وهمية، لأنها لا تساوي شيئا مقارنة بزيادة الديون السنوية، متسائلا أين تذهب أموال الاقتراض ، هل تذهب في جزء منها لسداد المديونية الخارجية، وفي الجزء الآخر لسداد عجز الموازنة، وليس للاستثمار .