من أجل البقاء والتشبث بالسلطة حتى الممات يمارس الطغاة عدة حيل وألاعيب حتى تبقى الشعوب مقهورة مغلوبة غير قادرة على الحكم والتمييز من خلال طمس الحقائق والدعاية المكثفة لتسويق الأباطيل والأكاذيب من أجل تضليل الجماهير وخداعها. هذه الحيل تعتمد على عدة محاور:
أولا، تقوم مجموعة الديكتاتوريين العرب سواء أولئك الذين نجوا من الربيع العربي أو أولئك الذين انقلبوا عليه بصياغة خطاب سياسي مختلف يتحدثون به بلباقة، ولغة تفترض أن التنمية، وليس الديمقراطية، هي ما ينقص المنطقة. وبحسب رأيهم فمن التضليل التركيز على الحريات والتغيير السياسي والتداول السلمي للسلطة، لأن ما يحتاجه العرب حقا ـ بحسب هؤلاء الدكتاتوريين ــ هو حكم أفضل والمزيد من فرص العمل. لكن حتى بشروطهم الخاصة يفشل العديد من الحكام في تحقيق هذه التنمية. ولعل ما يقوم به الطاغية عبد الفتاح السيسي ومشروعه التنموي في مصر خير برهان على ذلك؛ فهناك ثرثرة وكلام كثيف عن هذه التنمية للتغطية على الفشل الكبيرالذي يضرب البلاد في كافة القطاعات، وشهد معظم المصريين في عهده تدهورا حادا في مستويات معيشتهم. وتزايدت معدلات الفقر بصورة كبيرة. وتضخمت الديون إلى مستويات مرعبة.
ثانيا، التغطية على جرائم هذه النظم بغطاء كثيف من الأكاذيب، ويجري الإنفاق بشكل هائل على الآلة الإعلامية للنظم العربية المستبدة حتى باتت ماكينة ضخمة تروج أكاذيب النظم ليل نهار دون توقف، ويجري الترويج على نحو واسع حول نظرية المؤامرة، والزعم بأن أمريكا هي التي مكنت جماعة الإخوان المسلمين من السلطة في مصر بعد ثورة يناير، متجاهلين أن من دفع بالجماعة إلى هرم السلطة هي أصوات عشرات الملايين من المصريين في أنزه انتخابات شهدتها مصر طوال تاريخها كله باعتراف الجميع دون استثناء؛ سواء كانت انتخابات برلمانية للشعب والشوري أو الانتخابات الرئاسية التي جاءت بالرئيس الشهيد محمد مرسي. واتساقا مع هذه السياسات جرى إعادة صياغة وهندسة جميع مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلامية والتعليمية من أجل تكريس وترويج أكاذيب النظام ورواياته للأحداث مهما كانت بالغة الكذب والركاكة. وفي سوريا، أقنع الأسد العديد من مؤيديه بأن الانتفاضة السورية كانت من عمل المتطرفين. لم يكن هذا تبصيرا بل نبوءة تم تحقيقها ذاتيا. حيث أطلق سراح عدد كافٍ من المتطرفين في سجونه، وقتَلَ عددا كافيا من المعتدلين، وقام بتجويع السكان لفترة طويلة بما يكفي، وعاجلا أم آجلا تتحول أي حركة سلمية تعارض النظام إلى متطرفة. وتحت لافتة “الحرب على الإرهاب”، تشن نظم تحالف الثورات المضادة حربا كثيفة من الأكاذيب حتى تضمن بقاءها واستمرارها حتى لو على حساب شعوبها وأوطانها.
ثالثا، اعتماد سياسة القمع وأدوات البطش والتنكيل ومنح الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة تضمن لعناصرها انتهاك حقوق الإنسان بكل عنف دون خوف من أي مساءلة قانونية أو قضائية. ومثل نظرائه، يعمل السيسي على تمليح الأرض بشغف؛ خشية أن تتجذر أي براعم ثورية أخرى. وتفضل حكومة السيسي الأشخاص الخانعين على المواطنين المهتمين بشئون بلادهم السياسية، وفي الإعلام تتم القراءة من نص مكتوب. وكلمة ضالة في مقهى أو منشور على فيسبوك يمكن أن يؤدي بصاحبه إلى السجن بحسب صحيفة إندبندت البريطانية في تقرير له نشرته في يناير 2021م، وبالتالي من الصعب أن يكون لك رأي في الحكم في ظل نظام يصر على منع ذلك. وهو ما أكدته تصريحات ميشيل دن، الدبلوماسية الأمريكية بمصر أثناء الانقلاب والتي تعمل حاليا باحثة في معهد كارنيجي للسلام الدولي، حيث قالت “إن المصريين اخترقوا حاجز الخوف بينهم وبين الدولة، ولكن السيسي استعمل مستوى مذهلا من الوحشية لإعادة بناء ذلك الجدار”. وأضافت أن السيسي “جمع بين الوحشية والهوس بالعظمة في نظرته إلى مصر المقلة في تحسين حياة الناس العاديين لكنها مفرطة في المشاريع الباهظة التي تبدو أنها فرصة للسيسي وحاشيته لنهب الخزينة العامة”.
رابعا، يعتمد نظام السيسي إستراتيجية اقتصادية تؤدّي حتماً إلى تصادم أي مطالب ناشئة بتحقيق الديمقراطية مع المصالح الدولية. وذلك من خلال التوسع في القروض الخارجية من مؤسسات التمويل الدولية ويستهدف النظام بذلك أن يحجز له موقعا متجذرا في المنظومة المالية العالمية من أجل ربط استقراره بالمصالح الاقتصادية للمنظمات الدولية والدول الغربية والشركات الخاصة. وعلى الرغم من أن النظام يسوّق لنفسه دولياً بأنه حصنٌ ضد الإرهاب وضد تدفقات الهجرة غير الشرعية، غالباً ما تحجب هذه السردية خلفها استراتيجية اقتصادية يعمل النظام على تطبيقها. إنها سياسة قائمة على الاقتراض الشديد بما يورِّط الفرقاء الدوليين في القمع الذي يمارسه النظام، وعلى الحرمان الاجتماعي المتزايد للطبقتَين الدنيا والوسطى، ما يتسبب فعلياً بزعزعة الاستقرار وظهور التطرف العنفي، لا في مصر فحسب بل من الممكن أن يتسبب بذلك أيضاً في مختلف أنحاء المنطقة.
ويعتمد النظام لتحقيق هذه الحماية الدولية من خلال ثلاثة مكونات: أولاً، ثمة اعتماد متزايد على القروض الخارجية لتمويل العمليات الحكومية ومشاريع البنى التحتية الكبرى. ويشمل ذلك زيادةً في السندات الحكومية وسندات الخزينة القصيرة الأمد، أو “الأموال الساخنة”. ثانياً، شهدت صفقات السلاح زيادةً منذ عام 2014 ما جعل من النظام ثالث أكبر مستورد للأسلحة عالمياً بين عامَي 2015 و2019. وثالثا وأخيراً، أدّى المستوى المرتفع للاستثمارات الخارجية المباشرة في قطاع النفط والغاز المصري إلى ربط الاستثمارات الغربية طويلة الأمد باستقرار النظام. تُشكّل هذه العوامل أساساً للاعتماد الدولي على النظام بسبب المصالح المالية. وتُقدّم أيضاً محفّزات مباشرة للتواطؤ الدولي في القمع وتضع عوائق أمام الدمقرطة.
في نهاية المطاف، تتسبب هذه الاستراتيجية الاقتصادية بتفاقم التحديات في المدى الطويل مع ما يترتب عن ذلك من آثار مزعزعة للاستقرار على نحوٍ شديد. عندما تُستخدَم تدفقات الرساميل الدولية لتمويل سيطرة الجيش على الاقتصاد المصري، فهي تتيح للجهاز الأمني إحكام قبضته على الدولة. إضافة إلى ذلك فإن مؤسسات التمويل الدولية لن تستطيع استراداد ملياراتها إلا من خلال ضمان بقاء النظام وفقا للمحلل السياسي ماجد مندور في تحليله الذي نشره معهد كارنيجي للسلام في نوفمبر 2020م بعنوان (أموال للطغاة.. رعاة السيسي الدوليون)، لأن زواله قد يهدد بضياع هذه القروض على هذه المؤسسات التي تملك نفوذا دوليا واسعا لا يمكن التهوين من حجمه ومداه وتأثيره.