رغم حملات التبرع التي تمتلىء بها وسائل الإعلام خلال الفترة الأخيرة، واقتطاع نظام الانقلاب مليارات الجنيهات من رواتب الموظفين وحسابات العملاء بالبنوك لصالح مبادرات السيسي التي يسميها الرئاسية، لتحسين الصحة أو لتخفيف قوائم الانتظار بالمستشفيات، إلا أن الأرقام الرسمية التي تتدارسها مؤسسات السيسي تشير إلى عجز غير مسبوق على صعيد الصحة وأوضاع المستشفيات، ما ينذر بكوارث اجتماعية وصحية غير مسبوقة بالأوساط المصرية في ظل انهيار كبير في مستويات المعيشة بين المصريين إثر تردي الأوضاع الاقتصادية في الفترة الأخيرة.
ووفق أرقام التقرير الذي أعدته المبادرة التي يشرف عليها السيسي بنفسه، والمتعلقة بتقليل قوائم الانتظار بالمستشفيات لإجراء العمليات الجراحية، فإن العديد من الكوارث والفضائح تتسم بها الأوضاع الصحية، تلك الأرقام والإحصاءات هي من تسببت في إقالة معد التقرير مدير الغرفة المركزية للمبادرة الدكتور كريم سلام، بعد أن أظهر قصورا في تطبيق المبادرة.
وكان الدكتور خالد عبد الغفار، وزير التعليم العالي والبحث العلمي بحكومة الانقلاب ، والقائم بعمل وزير الصحة والسكان، أصدر الأربعاء الماضي قرارا بإقالة سلام من منصبه بالإشراف على تطبيق المبادرة الرئاسية، وكذلك من منصب وكيل وزارة الصحة بالقاهرة والإطاحة به خارج الوزارة، دون توضيح أسباب القرار.
عجز كبير
ورجح مصدر مسؤول بوزارة الصحة بحكومة الانقلاب ، أن إقالة سلام جاءت على خلفية تقارير أعدها قبل رحيله، متعلقة بنتائج مشروع إنهاء قوائم الانتظار، مشيرا إلى أن سلام سبق واعترض على أوجه التقصير من قبل المستشفيات الجامعية التابعة لوزارة التعليم العالي في إنجاز إجراء العمليات الجراحية لحالات قوائم الانتظار، وكذلك إلى تقديم سلام خلال الشهرين الماضيين العديد من الشكاوى على بعض السياسات في إدارة مشروع إنهاء قوائم الانتظار.
وحسب المصدر، كانت الأمانة العامة بمجلس الوزراء الانقلابي أرسلت في 12 ديسمبر الماضي خطابا إلى الدكتور خالد عبد الغفار، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، والقائم بعمل وزير الصحة بحكومة الانقلاب، تطالبه بالإفادة بالموقف التنفيذي للقضاء على قوائم الانتظار، وشدد الخطاب بعرض النتائج على رئيس الوزراء شخصيا، وهو ما تبعه توجه عبد الغفار لسلام بإعداد تقرير بنتائج المبادرة.
وجاء تقرير سلام متضمنا كافة التحديات التي تعوق استكمال مبادرة السيسي لإنهاء قوائم الانتظار، لافتا إلى وجود 28 ألفا و614 حالة بقوائم الانتظار.
وذكر التقرير الذي أعده سلام ، أن القطاع الطبي يعاني من نقص كبير في القوة العاملة، ونقص إمدادات المستلزمات الطبية للمستشفيات الحكومية، مشيرا إلى أنه يبلغ متوسط الاحتياج الشهري من القرنيات 335 قرنية في مقابل توريد 75 قرنية فقط خلال شهر أكتوبر الماضي، في حين أن حالات الانتظار بلغت حوالي 726 حالة انتظار، بالإضافة إلى نقص إمدادات مستلزمات القساطر القلبية وجراحات القلب المفتوح وجراحات العظام.
وأوضح التقرير أن نقص الإمدادات انعكس على التشغيل اللازم لإجراء العمليات، وكذلك على نسب مشاركة مستشفيات قطاع الطب العلاجي في تخصصات هامة مثل جراحة القلب المفتوح وجراحة الأورام والقسطرة المخية والحرفية وزراعة الكبد والكلى، حيث لم تتخطَ عدد عمليات القسطرة المخية أكثر من 19 حالة منذ إضافتها للمشروع وحتى تاريخه، وعدد 42 حالة قسطرة طرفية فقط، وعدد 283 حالة قلب مفتوح خلال ثلاث سنوات تقريبا، حسب التقرير.
وكشف التقرير أيضا عن تحديات في نسبة مشاركة مستشفيات هيئة التأمين الصحي في تخصصات قساطر القلب وجراحات القلب المفتوح، وجراحات المخ والأعصاب للأطفال، والأورام الدقيقة (جراحة مخ وأعصاب في أطفال مصر بمتوسط 9 حالات فقط شهريا).
وأشار التقرير إلى تحدٍ آخر متعلق بنسبة إنجاز المستشفيات الجامعية في تخصصات القلب المفتوح ، وجراحات المخ والأعصاب وخاصة الأطفال، والأوعية الدموية والقساطر الطرفية رغم الإمكانيات والكوادر البشرية المتاحة في مستشفيات التعليم العالي، وكذلك مقارنة بالسعات الاستيعابية المرسلة.
ولفت التقرير إلى أن «أعلى معدل انتظار في المستشفيات الجامعية بنسبة حوالي 37%، يليها التأمين الصحي 18%، وأمانة المراكز الطبية المتخصصة بنسبة 16% تقريبا للحالات التي مر عليها أكثر من 14 يوما».
وأوضح التقرير أن مستشفى الدمرداش الجراحي أجرت في مجال القسطرة الطرفية خمس عمليات شهريا فقط، ومستشفى الأزهر في دمياط أجرت في تخصص المخ والأعصاب 15 عملية شهريا، فيما أجرت مستشفى أطفال أبو الريش في تخصص جراحات القلب 26 عملية شهريا.
وطالب سلام في نهاية التقرير بعدة توصيات منها، قيام مستشفيات التعليم العالي بزيادة معدلات الإنجاز بما يتلاءم مع الإمكانيات المتاحة والكوادر البشرية، فيما اختتمت التوصيات بطلب موجه لقطاع الشؤون المالية والإدارية بوضع منظومة موحدة لحوافز العاملين في منظومة المشروع القومي لإنهاء قوائم الانتظار بالمستشفيات التابعة لوزارة الصحة والسكان تحفيزا لهم.
وأوضح مصدر آخر بوزارة الصحة أن سلام استمر في إعداد تقارير أسبوعية منذ ديسمبر الماضي تمهيدا لعرضها على مجلس الوزراء، وكان آخرها تقرير بنتائج المشروع خلال الفترة من 26 يناير الماضي حتى 2 فبراير من الشهر الجاري، متضمنا الحالات التي ما زالت على قوائم الانتظار، والحالات التي قدم العلاج الدوائي لها وغير مغطاة بخدمات التأمين الصحي.
وفي يوم 11 فبراير، جاء الرد من قبل مجلس الوزراء على التقارير الخاصة بنتائج مشروع قوائم الانتظار، بموافقة رئيس الجمهورية على التوصيات التي رفعها سلام للجهات المعنية المنوطة بمتابعة مشروع إنهاء قوائم الانتظار.
وقال المصدر بعد مرور أربعة أيام من ذلك التاريخ، فوجئنا بقرار الإطاحة بسلام، وهو ما يثبت الإدعاء الذي يتم تداوله داخل أروقة وزارة الصحة بصلة التقرير بقرار الإقالة.
عجز القطاع الصحي
ويفضح التقرير العجز الكبير الذي يعانيه القطاع الصحي بمصر، إثر تخفيض لا دستوري لمخصصات الصحة، وتطبيق قانون الحدمة المدنية الذي أوقف التعيينات الحكومية منذ العام 216، إلى جانب السرقة والفساد الطافح بأموال التبرعات التي يحصل عليها السيسي من جيوب المصريين سواء عبر صندوق تحيا مصر الذي يشرف عليه السيسي بنفسه، وكذا أموال التبرعات المباشرة لمبادرات السيسي والتي يبدو أنها لا تسير في طريقها أو الغرض المحدد لها، وتستمر معاناة المصريين في القطاع الصحي، بينما ما يهم السيسي ونظامه عدم الفضيحة أو النشر ، بل وعدم التعرض للحقائق على الأرض، وهو ما يحاربه السيسي بإقالته لمعد التقرير الذي ظل يطالب بتوفير المخصصات ودعم القطاع الصحي ، وأُقيل سلام في ظروف غامضة رغم جودة تقاريره وواقعيتها ووضعه يد الدولة على أوجه القصور في المجال الصحي.