قالت ورقة بحثية بعنوان "الأبعاد السياسية في تعيين بولس فهمي رئيسا للمحكمة الدستورية" إن "قرار السيسي الثلاثاء 8 فبراير 2022م بتعيين المستشار بولس فهمي إسكندر، رئيسا للمحكمة الدستورية العليا بدرجة وزير خلفا للمستشار سعيد مرعي والذي توفي بعد مرضه الأربعاء 16 فبراير 2022م، يحمل كثيرا من الدلالات والأبعاد السياسية، أكثر من المضامين والأبعاد القضائية والقانونية".
وأكدت الورقة أن خلفيات القرار ، توطيد لسياسات النظام الرامية إلى تكريس الهيمنة على مؤسسات الدولة من جهة، مضيفة أن الغاية الثانية، هي تعزيز التحالف مع الكنيسة الأرثوذوكسية من خلال تعزيز الوجود القبطي في مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية ، وأن الهدف الثالث هو مغازلة الولايات المتحدة الأمريكية والغرب.
مغازلة الغرب
واعتبرت أن تبييض صورة السيسي أمام الغرب ، يمكن أن يكون هدفا للحد من حملة الانتقادات التي تلاحقه في ملف حقوق الإنسان ، لكن التصريحات التي أدلت بها وزير الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، في زيارتها للقاهرة يوم السبت 12 فبراير 2022م ، بعد قرار تعيين بولس فهمي بعدة أيام فقط يبرهن على أن بعض العواصم الغربية ، باتت لا تنطلي عليها محاولات نظام السيسي للإفلات من الالتزام الواجب بحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير؛ حيث انتقدت نظام السيسي وانتهاكاته في حقوق الإنسان ، وأعلنت عن تبني بلادها سياسة تقييدية لصادرات السلاح للبلدان المتهمة بانتهاك حقوق الإنسان.
أبعاد قانونية
ورأت الورقة أن إطاحة السيسي برئيس المحكمة الدستورية “سعيد مرعي” بالمخالفة للدستور والقانون هو الأكثر خطورة.
وأضافت أن تعيين قبطي في أعلى منصب قضائي بالبلاد، فيه إرضاء للغرب الذي يعطي أولوية لحقوق الأقليات، لاسيما المسيحيين بالشرق الأوسط ، وفي الوقت ذاته فهو مطلب ليست له مخاطر من وجهة نظر النظام مثل المطالب الأخرى المتعلقة بالحريات السياسية. وفي هذا الإطار، أفادت تقارير بأن الحكومة المصرية كانت قد تعاقدت مع شركات أمريكية متخصصة في مجال مساعدة اللوبيات الأجنبية بواشنطن ، وأن إحدى هذه الشركات تواصلت مع أعضاء من الكونجرس باهتمامات مختلفة، بعضهم قلق من الحرب ضد داعش وأمن إسرائيل، وآخرون متابعون باهتمام لأوضاع الأقباط في مصر. واستطاعت الشركة التأثير في مواقف أعضاء بالكونجرس ليؤيدوا السيسي، حيث ركزت في تواصلها على ملف الأقباط وهجمات داعش ضدهم ، ودور السيسي في حمايتهم".
تأثيرات متوقعة
وقالت الورقة إن "للقرار تأثيرات متوقعة على مستقبل البلاد؛ فإلى جانب الأهمية الدستورية لمنصب رئيس المحكمة الدستورية العليا، يمتلك المنصب أهمية خاصة على المستوى السياسي كون شاغله يحتل المرتبة الثالثة في تسلسل شغل منصب رئيس البلاد عند عدم قدرته على مباشرة مهامه ، يسبقه في ذلك فقط رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب على الترتيب، بحسب الدستور".
وأشارت إلى حالة رئيس المحكمة الدستورية، عدلي منصور، الذي تولى رئاسة البلاد بشكل مؤقت بعد انقلاب الجيش في يوليو 2013م على الرئيس الشهيد محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب بإرادة الشعب الحرة.
وعن تأثير بقاء بولس لخمس سنوات في منصبه الذي عينه فيه السيسي ، فسن بولس فهمي 65 سنة؛ حتى بلوغه سن المعاش في 2027م- وأنه خلال السنوات المرصودة، يرجح تنبؤات كثيرة بأنها قد تشهد تطورات كبرى في ظل سياسات النظام الرامية إلى إلغاء الدعم والتوسع في الاستدانة الخارجية مع تزايد معدلات الفقر والبطالة والجريمة في المجتمع على نحو يهدد سلامته وتماسكه على نحو واسع.
ومعنى أن يكون قبطي رئيسا للمحكمة الدستورية ،فإنه قد يصبح رئيسا للبلاد في دولة مسلمة.
وعن ضعف احتمالية أن يكون رئيسا قالت إنه "يبلغ المسلمون نحو 94% من جملة سكان البلاد؛ حيث تنص المادة 160 من دستور 2014م ، على أنه التسلسل يكون أولا نائب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء وعند عدم توفرهما فرئيس مجلس النواب ، وإلا فرئيس المحكمة الدستورية، والجمعية العامة تحل محل مجلس النواب ورئيسه.
وأشارت إلى أن تولية بولس فهمي "قد تتسبب في مشاكل تهدد تماسك المجتمع وأمنه القومي إذا حدث؛ لأن هناك قطاعات واسعة في الشعب المصري ترفض ذلك سواء اتفقنا أو اختلفنا معهم ، إضافة إلى أن مثل هذه الخطوة تأتي في سياق فوضوي شديد القمع، واضطهاد واسع لقطاعات واسعة من المسلمين ، حيث يتواجد عشرات الآلاف في السجون والمعتقلات بتهم سياسية ملفقة".
واستدركت الورقة أنه "لو كانت هذه الخطوة في سياق ديمقراطي طبيعي لهان الأمر ولم يكن لهذه المخاوف معنى ، كما هي عليه الآن في ظل تمزق النسيج الاجتماعي والتربص والبطش الأمني غير المسبوق بحق الإسلاميين الذين انتخبهم الشعب بإرادته الحرة قبل سنوات".
دور سياسي
وأشارت الورقة إلى أنه في أعقاب ثورة يناير 2011م، ظهر دور سياسي للمحكمة، حيث دمر بها المجلس العسكري المسار الديمقراطي فنسفت المؤسسات التي انتخبها الشعب بنزاهة لأول مرة في تاريخ البلاد، وقضت بحل مجلس الشعب الذي جاء بعد الثورة، وكان يمثل الهيئة السياسية الوحيدة التي لها شرعية الانتخابات في البلاد.
وجرى اختيار رئيسها عدلي منصور رئيسا مؤقتا في أعقاب الانقلاب العسكري في يوليو 2013م، فالمحكمة التي يفترض أنها حامية للدستور ومدافعة عنه ، هي التي شاركت في الانقلاب على الدستور والعصف بالشرعية الدستورية.
واعتبرت أن ذلك برهانان على وظيفة المحكمة الخادمة للعسكر وليست حماية الشرعية الدستورية.
واستعرضت برهانا ثالثا بدور المحكمة الدستورية في قضية تفريط السيسي في جزيرتي «تيران وصنافير» للسعودية خير برهان على الدور السياسي للمحكمة؛ فقد بادر رئيس المحكمة المستشار عبد الوهاب عبد الرازق -رئيس مجلس الشيوخ العسكري- بالخطوة الأولى ، حيث أصدر حكما وقتيا بوقف تنفيذ كافة أحكام القضاء الإداري والقضاء المستعجل الخاصة باتفاقية تيران وصنافير ، وهذا الإجراء الوقتي الصادر في 20 يونيو 2017 فتح الطريق لتنفيذ الاتفاقية بعد تعليق القضايا المنظورة بالدستورية وسمح بنشر الاتفاقية في الجريدة الرسمية والبدء في إجراءات تسليمها.
وشاركه مستشار حنفي الجبالي ــ رئيس مجلس النواب في برلمان 2020م ــ بإهدار أحكام القضاء الإداري التي حكمت ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، حيث أصدر في 3 مارس 2018 حكما بعدم الاعتداد بأحكام محكمة القضاء الإداري والإدارية العليا ومحكمة الأمور المستعجلة في دعوي تنازع الأحكام.
محكمة مشبوهة
وقالت الورقة إنه "رغم التسويق الحكومي الواسع للمحكمة الدستورية بوصفها الهيئة القضائية الأعلى في البلاد، إلا أن الواقع غير ذلك؛ فالقضاء المصري ينظر إلى المحكمة الدستورية منذ نشأتها في عهد الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر سنة 1969م أثناء مذبحة القضاء، بوصفها ليست جزءا طبيعيا من القضاء المصري.
وأضافت أن الرئيس الأسبق محمد أنور السادات شرعن المحكمة الدستورية ونص عليها في دستور 1971م، إلا أن الهيئات القضائية المختلفة ظلت على موقفها الرافض لهذه المحكمة التي شكلتها السلطة؛ وقد أكدت ذلك محكمة النقض عام 1974 والجمعية العمومية الطارئة لنادي القضاة والجمعية العمومية لمجلس الدولة والجمعيتان العموميتان لمحكمتي شمال وجنوب القاهرة عام 1978، ثم مؤتمر نادي القضاة عام 1979، ثم مؤتمر العدالة الأول 1986.
وتدور رؤية القضاة في مصر للدستورية ، على أن رئيس المحكمة الدستورية التي هي من أحدث محاكم مصر في التأسيس، لا يترأس مجلس القضاء الأعلى الذي يعد الهيئة العليا الناظمة لعمل القضاء والقضاة في البلاد، بل يترأس هذا المجلس رئيس محكمة النقض التي ينظر إليها تقليديا على أنها أعلى سلطة قضائية طبيعية في مصر".