بسبب ضغوط واحتجاجات رجال الأعمال والمستوردون ، اضطر البنك المركزي المصري لإطلاق مبادرة جديدة لضمان عمليات الاستيراد من خلال تغطية المخاطر المصاحبة لإصدار الاعتمادات المستندية عبر البنوك .
وقال البنك المركزي إن "المبادرة تستهدف العملاء الذين لهم سابقة تعامل ، للاستيراد من خلال مستندات التحصيل فقط ومن ذات البنك".
وأوضح أن شركة ضمان مخاطر الائتمان ، ستقوم بضمان محفظة البنك تحت هذه المبادرة بنسبة 100% للجزء غير المغطى من هذه الاعتمادات، ويتم إعفاء البنوك من عمولة الضمان لمدة 6 أشهر من تاريخ تفعيل المبادرة، على أن تقوم شركة ضمان مخاطر الائتمان بموافاة البنوك بمحددات وإطار العمل بهذه المبادرة.
واعتبر البنك المركزي أن تلك المبادرة تأتي استكمالا لضوابط حوكمة عملية الاستيراد ، عقب وقف التعامل بمستندات التحصيل في تنفيذ كافة العمليات الاستيرادية والعمل بالاعتمادات المستندية فقط.
قرارات عشوائية
كان البنك المركزي قد أعلن الأسبوع الماضي وقف التعامل بمستندات التحصيل في تنفيذ جميع عمليات الاستيراد والعمل بالاعتمادات المستندية فقط ، مع استثناء فروع الشركات الأجنبية والشركات التابعة لها.
واستثنى قرار البنك المركزي كلا من الشحنات الواردة بالبريد السريع والشحنات حتى 5 آلاف دولار أو ما يعادلها بالعملات الأجنبية من ضوابط الاستيراد الجديدة، بالإضافة إلى كل من الأدوية والأمصال والكيماويات الخاصة بها والسلع الغذائية (الشاي، اللحوم، الدواجن، الأسماك، القمح، الزيت، لبن البودرة، لبن الأطفال، الفول، العدس، الزبدة، الذرة).
في المقابل رفص رجال الأعمال والمستوردون قرارات البنك المركزي ، ووصفوها بأنها قرارات عشوائية وتتسم بالتناقض والتخبط وليست في صالح الاقتصاد المصري .
وأكدوا أن هذه القرارات سوف تدعم الاحتكار وترفع أسعار جميع السلع والمنتجات ، وهو ما لا يتحمله المواطن المصري في ظل موجات ارتفاع الأسعار المتتالية والتي لم تتوقف منذ الانقلاب الدموي عام 2013 .
حوار مجتمعي
تعليقا على تخبط البنك المركزي أكد محمد عبد الوهاب محلل اقتصادي ، أن قرار البنك المركزي الخاص بتنظيم العمليات الاستيرادية جاء مفاجئا للسوق المصري ، موضحا أنه كان على المركزي أن يمهد للقرار من خلال حوار مجتمعي مع منظمات الأعمال المختلفة وتجميع المقترحات للوصول لأفضل صيغة ممكنة ، وتنفيذ القرار على مراحل للحفاظ على استقرار السوق.
وانتقد عبد الوهاب في تصريحات صحفية سياسة فرص الأمر الواقع التي يتبعها المركزي ، موضحا أن هذه السياسة ليست ضرورية في كل القرارات ، حيث إن قرارا مفاجئا مثل هذا قد يربك السوق بشكل كبير ، ويعطي فرصة لبعض المحتكرين لرفع أسعار السلع على المواطن في عام أزمة حقيقية ، ارتفعت فيه الأسعار بالفعل بشكل كبير ، ونلمس جميعا الارتفاع الواضح في أسعار مجموعة منتجات الألبان والبيض، وهو ما سيؤدي لرفع معدلات التضخم ، وكل ذلك ينعكس بالسلب على ميزانية المواطن محدود الدخل.
وأشار إلى أن ذلك يعد مؤشرا قويا على توجه البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس المقبل لاحتواء الموجة التضخمية التي تعصف بالعالم حاليا ، وستنعكس بالطبع على الاقتصاد المصري واتجاه الفيدرالي الأمريكي لرفع أسعار الفائدة ، وبالتالي كان الوقت ضيقا أمام المركزي فاختار اتخاذ القرار وتنفيذه بهذه السرعة لاحتواء آثاره ضمن الموجة التضخمية القادمة.
وأعرب عبد الوهاب عن تخوفه من تسبب القرار في خروج الشركات الصغيرة من السوق ، مؤكدا أن المؤشرات المبدئية ترجح خروج 40٪ من تلك الشركات، مؤكدا أن القرار وتوقيته وعدم إعطاء وقت كافٍ للتكييف معه ، خلق حالة من الاضطراب في السوق بالفعل بين التجار والصناع والمستوردين الذين لم يسمعوا عن القرار من قبل ولم يستعدوا له .
وشدد على ضرورة مراجعة القرار ، لإعطاء فرصة أكبر للسوق ومجتمع الأعمال لاستيعابه وتحديد طريقة التعامل معه.
مستلزمات الإنتاج
وقال الدكتور وليد جمال الدين رئيس المجلس التصديري لمواد البناء والصناعات المعدينة، إن "القرار استثنى عددا من السلع الإستراتيجية، حتى لا يحدث نقص في السلع الأساسية بالسوق المصري، لكن المصدرين كانوا ينتظرون أيضا استثناء مستلزمات الإنتاج من القرار".
وأضاف جمال الدين في تصريحات صحفية أن مستلزمات إنتاج المصانع أيضا تصب في مصلحة المستهلك، حيث يتم تصنيع المنتجات وطرحها بالسوق المحلي أيضا، وبالتالي فكان من الضروري أيضا استثناؤها، إلى جانب عدد من السلع الصناعية الأساسية مثل مواد البناء، والصناعات الكيماوية.
وأوصح أن المصنع المحلي يدفع جزءا من ثمن المواد الخام للموردين بالخارج ، ثم بعد مرحلة الإنتاج والتعاقد على التصدير يتم دفع الباقي ، وهو ما سيصعب فعله في الوضع الحالي بعد القرار الجديد.
وأشار جمال الدين إلى أن القرار يطيل مدة شحن مستلزمات الإنتاج ، وبالتالي تتأخر عمليات التصنيع والتصدير للخارج ، مما يفقد المصدر عملاءه بالخارج.
وأوضح أن المصانع كانت لا تحمل البنوك المصرية عبء توفير العملة الأجنبية بشكل عاجل لإتمام الصفقة في حالة مستندات التحصيل ، حيث يتم دفع جزء كبير من المبلغ للمورد بعد مرحلة الإنتاج، ولكن بعد القرار سيتطلب ذلك الاتجاه إلى البنوك لتدبير العملة الأجنبية بشكل كامل عند إتمام صفقات استيراد المواد الخام.
وأكد جمال الدين أن مصر تستورد 80% من مستلزمات الإنتاج، ثم يتم استخدام هذه المستلزمات في تصنيع المنتجات وطرحها بالسوق المحلي أو تصديرها للخارج.
احتكار
وحذر عبود العطار نائب رئيس شعبة الحاصلات الزراعية ، من أن قرار المركزي بوقف التعامل مع مستندات التحصيل على كافة العمليات الاستيرادية ، سيخرج نصف المجتمع التجاري من مستوردي الحاصلات الزراعية، حتى بعد استثناء بعض السلع الأساسية من التطبيق.
وقال العطار في تصريحات صحفية إن "الشعبة تضم العديد من السلع ليست فقط مقتصرة على الفول والعدس والذرة ، موضحا أن الحاصلات الزراعية تضم ما بين 22 و25 سلعة من بينها هذه المحاصيل".
وأشار إلى أن الفول والعدس سلع إستراتيجية مهمة وحجم الطلب عليها كبير، ولكن هناك سلعا أخرى ضرورية يتم استيرادها ويحتاجها المستهلك أيضا.
وأكد العطار أن العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة المستوردة كانت تتعامل بشكل مباشر مع الموردين بالخارج قبل إصدار قرار وقف التعامل بمستندات التحصيل، لكن قرار المركزي الأخير سيدفع الكثير من هذه الشركات إلى الخروج من السوق ، وبالتالي تراجع عدد المستوردين وخلق نوع من أنواع الاحتكار.
وأوضح أن استمرار تطبيق هذا القرار في شكله الحالي سيرفع سعر المنتجات خلال الفترة المقبلة في الأسواق، ومن الوارد أن يتسبب في زيادة أسعار السلع الرمضانية.
وشدد العطار على أنه كان يجب إصدار القرار بعد حوار مجتمعي مع اتحاد الصناعات والغرف التجارية والمصدرين والمستوردين، محذرا من أن القرار سيخلق مشكلات في كل قطاع من هذه القطاعات على حدة.