لم يكن مدير المخابرات المصرية اللواء عمر سليمان، هو الوحيد من قيادات الجيش والأمن والمخابرات الذين لهم حسابات سرية في بنوك سويسرا ، ولا الوحيد ممن هربّوا ملايين الدولارات لسويسرا وغيرها من نهب لأموال المصريين الفقراء السائبة، فهناك غيره، لكن لم تتح الظروف للكشف عن حساباتهم ، ما تؤكد وثائق فضيحة بنك كريدي سويس.
فقد كشفت التسريبات أن عدد الحسابات الفاسدة التي تم فتحها لصالح مصريين 2000 حساب، ولم ينافس مصر سوى فنزويلا بنفس الرقم، بينما فتح فاسدون من تايلاند وأوكرانيا 1000 حساب لكل بلد.
ما ورد في تسريب بنك كريدي سويس حول القادة المستبدين المفسدين ومجرمين آخرين بشأن مصر كررت أسماء قرابة 8 شخصيات سبق أن ورد اسمها في تسريبات أخري مثل بنما.
من بين حسابات تعود إلى 37 ألف شخص بقيمة إجمالية تزيد على مئة مليار دولار، تم الكشف عن أن أكبر عدد من أصحاب الحسابات الفاسدين كانوا من مصر تليهم تايلاند وأوكرانيا.

ما لم تذكره تحقيقات الفساد باستفاضة، واهتمت بالإشارة إليه صحيفة "الجارديان" 21 فبراير 2022 هو أن العديد من هذه الحسابات الفاسدة المصرية ولدول أخرى تتعلق بـ "العديد من الشخصيات الاستخباراتية والعسكرية وأفراد عائلاتهم".
وإذا أخذنا في الحسبان أن أغلب هذه الحسابات كانت لمسئولين أمنيين وسياسيين واستخباريين من حقبة الرئيس الأسبق مبارك، ولم يتم بعد الكشف عن حسابات الفاسدين من نظام السيسي هو وأسرته وجنرالاته، تبدو الكارثة أوسع في ظل الحكم العسكري الحالي والابتزاز الحاصل بوضوح لرجال الأعمال ، ونهب الممتلكات والقروض الخارجية ووضعها في حسابات خاصة.
فهناك الكثير من المعلومات الموثقة أكثر مما نشر عن حسابات في الخارج لقيادات عسكرية واستخباراتية وأسرهم وبعض تابعيهم المدنيين، لا تتناسب مع مصادر دخلهم أو حجم أرباحهم التجارية، حسبما يقول الصحفي والناشر هشام قاسم.
"قاسم" الذي كان أحد المقربين من رجل الأعمال مالك صحيفة المصري اليوم الذي ابتزه السيسي واستولى على صحيفته وبعض مشاريعه، أكد عبر سلسلة تغريدات أن "المعلومات متاحة للأجهزة الاستخباراتية والرقابية المختلفة".
أوضح أن السيسي حرص على عمل جنازة عسكرية لمبارك ، رغم أن هناك حكما نهائيا بات ضده هو وأبناؤه بسرقة مخصصات مالية لرئاسة الجمهورية ، كي يبعث بـرسالة طمأنة متعمدة للصوص المال العام من أركان النظام وعائلاتهم .
اعتبر ما يجري بمثابة تحصين ضد تكرار الأمر ، حينما يحين موعد الحساب لنظام السيسي وأعوانه وتابعيه عما نهبوه ولا يزالون.
https://twitter.com/hishamkassem/status/1496136858841059346
أبرز الفضائح
للتعرف على أهم المعلومات حول اللصوص السياسيين والأمنيين العرب في تسريبات كريدي سويس وما كشفته وثائق سويسرا بعد تكشف وثائق جديدة فيما يخص مصر العالم العربي وتحليلها نورد ما يلي:
- غالبية الحسابات العربية السياسية يملكها شخصيات مرتبطة بالأنظمة السابقة وليس الأنظمة الحالية والقليل منها بعد 2011 ، والسبب كما يرى خبراء أنهم تعلموا بعد موجة تجميد سويسرا للحسابات ومن كشف تسريبات سابقة لوجود حسابات سرية.
- مصر هي الدولة العربية الأولى في امتلاك مواطنيها لحسابات ضمن هذه الوثائق المسربة بعدد 2000 حساب ، وهو ما يذكرنا أيضا بتسريب بنك اتش إس بي سي السويسري عام 2015 حيث احتلت مصر المرتبة الثالثة عربيا بعد السعودية ولبنان.
- لم ينافس مصر في عدد الحسابات (2000) سوى فنزويلا بنفس الرقم، بينما فتح فاسدون من تايلاند وأوكرانيا 1000 حسابا لكل بلد.
- الوثائق كشفت أن رجل الأعمال المصري الراحل حسين سالم ، ابنه يدير أعماله تزامنت تعاملاته البنكية بقضايا فساد في أمريكا تزوير فواتير نقل السلاح وفي ألمانيا، وحول أموالا من مصر إلى نفس البنك كريدي سويس إبان الثورة يومي 24 و26 يناير 2011.
- تُظهر البيانات امتلاك علاء وجمال مبارك حسابا نشطا بين 1993 إلى 2008 ووصل أعلى رصيد له عام 2003 إلى 277 مليون فرنك سويسري (301 مليون دولار) لكن هذا يعبر عن هذه الفترة الزمنية فقط، وليس إجمالي ما دخل وخرج من الحساب طيلة هذه السنوات، وهو بالطبع أكثر بكثير، فضلا عن امتلاكهما لخمسة حسابات أخرى، كانت أقصى أرصدتها 226، و231، و79، و23، و3 مليون فرنك.
- ردود محامي أبناء مبارك أن هذه الأموال كسبوها من استثماراتهم المهنية الناجحة ، ودون أي استغلال للنفوذ يمكن الرد عليها ببساطة بأن بعض الأموال وضعت في الحسابات السرية وكلا من علاء وجمال كانوا في سن 15 و18 سنة من عمرهما ولا يعقل أنهم كطلاب وضعوا ملايين الدولارات في حسابات كان أولها عام 1978، من مصروف أبيهم لهم.
- جمال مبارك مواليد 1963 وأول حساب باسمة كان 1978 أي وهو في عمر 15 عاما، وعلاء مبارك مواليد 1960، أي أول حساب له في سويسرا كان وهو 18 عاما.
- حسين سالم اتبع أسلوب جديد هو فتح حسابات بموجب خدمة الحسابات المرقمة التي تحمل أرقاما لا أسماء، ولولا كشف السرية بإطار تحقيقات قضائية ألمانية لما ظهر، ويقول البنك إنه يلغي هذه الخدمة الآن.
- من الشخصيات التي عُثر على حساباتها بالتسريب، من مصر علاء وجمال مبارك، أشرف مروان، عمر سليمان، أنس الفقي، هشام طلعت مصطفى، مجدي راسخ وغيرهم حيث بلغت 2000 حساب.
- منها حسابات لزوجات علاء وجمال ومحمد مجدي رشيد راسخ ومحمود يحيى الجمال، وبعض الحسابات يحتوي ملايين الفرنكات السويسرية، وتم الاحتفاظ بمزيد من الحسابات من قبل بعض الشركاء التجاريين الرئيسيين للعائلة، بما في ذلك الكثير من المتورطين في محاكمات الفساد قبل الربيع العربي وبعده.
- "راسخ" كان له الكثير من الممتلكات في مجال الغاز والاتصالات ، كما استثمر في العقارات، حيث شغل منصب الرئيس غير التنفيذي لشركة سوديك المصرية للتطوير العقاري الفاخر.
- صحيفة "الجارديان" 21 فبراير 2022 ذكرت أن العديد من هذه الحسابات الفاسدة المصرية ولدول أخري تتعلق بـ "العديد من الشخصيات الاستخباراتية والعسكرية وأفراد عائلاتهم".
- تم الكشف عن 15 من العملاء كانوا يحتلون مناصب كبيرة في أجهزة المخابرات العامة في دولهم منهم عمر سليمان، كما تضمنت البيانات أسماء لعدد آخر من كبار الشخصيات الاستخبارية لكنه تقرر عدم ذكر أسمائهم، لأن فريق الصحافيين الذين عملوا على الوثائق لم يستطيعوا تأكيد هويتهم بشكل يقطع الشك باليقين.
- أبرز رؤساء المخابرات الذين كان لهم حسابات وفق الوثائق: عمر سليمان من مصر، والمشير الأردني عمر خير، وغالب القمش من اليمن والجنرال أخطر عبد الرحمن من باكستان.
- هذه الشخصيات الأربعة و8 أعضاء من أسرهم، امتلكوا حسابات شخصية بمبالغ كبيرة من دون مصادر واضحة لتفسير الثراء.
- الأربعة عملوا مع جهاز الاستخبارات الأميركي سي أي إيه وارتبطت أسماؤهم بصراعات سياسية بدأت مع تدخل الاستخبارات الأميركية في أفغانستان بداية عام 1970، مرورا بحرب الخليج الأولى عام 1990، وحروب أفغانستان والعراق منذ 2001 وهناك شبهات حصولهم على رشاوى منها، لأنهم كانوا يديرون مؤسسات عرف عنها أنها انخرطت في التعذيب بالنيابة عن سي أي إيه.
- فبعد أحداث 11 سبتمبر، أنشأت وكالة الاستخبارات المركزية "مواقع سوداء" في البلدان الحليفة ومنها مصر حول العالم أو سجون سرية حيث يحتجز فيها المشتبهون على أنهم إرهابيون بمعزل عن العالم الخارجي.
- قالت السلطات السويسرية إنه "تم تجميد أكثر من مليار دولار من الأصول المتعلقة بدول الربيع العربي بعد الانتفاضة، لكنها نادرا ما تطرقت إلى تفاصيل، وحتى هذا ربما لم يشمل سوى جزء صغير من الثروة المسروقة".
- فقد قدر تقرير لمنظمة الشفافية الدولية لعام 2016 أن نظام مبارك وحده سرق ما يقرب من 50 مليار دولار، وقدرت جماعة الضغط أن الأنظمة في تونس واليمن وليبيا ربما سرقوا أكثر من 115 مليار دولار أخرى.
- بخلاف العرب، وجد OCCRP وشركاؤه في تحقيق أسرار سويسرية نحو 40 حسابا في بنك كريدي سويس مملوكة لأكثر من 12 شخصية استخباراتية من جميع أنحاء العالم.
تفكيك جمهورية الضباط
هذا النهب المنظم لثروات المصريين الذي يجري في ظل جمهورية الضباط دفع يزيد صايغ في دراسة عن "تفكيك جمهورية الضباط" لمعهد كارنيجي 21 فبراير 2022، للحديث عن أن حل مشكلة النهب هو تغيير نظم تعيين العسكريين المتقاعدين في مناصب مختلفة.
أشار لمناشدة بل وتوسل السيسي مرارا وتكرارا القطاع الخاص المصري بالدخول في شراكات مع هيئات الدولة من أجل تمويل برامجها الاستثمارية والإنمائية الطموحة وتنفيذها دون استجابة لمعرفة رجال الأعمال أن الضباط يركبون مشاريعهم ويفسدونها وينهبونها.
دفع هذا مجلة إيكونوميست 5 فبراير لتأكيد أن حماسة السيسي تجاه القطاع الخاص هي وليدة الضرورة، ولكن لأنه لم يستثنِ القوات المسلحة من كلامه حين اعترف "نحن بحاجة إلى القطاع الخاص، لقد ثبت أننا العسكريين قليلو الخبرة في الإدارة"، ما يعني استمرار المؤسسة العسكرية رأس الحربة في الإستراتيجية الاستثمارية.
ويؤكد "صايغ" في الدراسة السابقة أن "المتقاعدين العسكريين يؤثرون أينما كانوا على أداء الهيئات والمؤسسات الاقتصادية التابعة للدولة، وعلى الإطار السياسي والتنظيمي الذي يحكم عمل القطاع الخاص، وأنهم مسؤولون حصرا عن الأداء السيئ الذي انتقده السيسي".
قال إن "تعديل قانون جهاز المخابرات العامة في مصر لتمكينه من تأسيس الشركات بجميع أنواعها وتعيين ضباطه في مجالس إدارتها، يأتي على حساب كل المعايير المهنية والآدائية، ويؤكد على ضرورة تفكيك شبكات الضباط المتوغلين في الهيئات والشركات الحكومية.
https://twitter.com/SayighYezid/status/1496502731250540555
وكان تقرير "أولياء الجمهورية" لمعهد كارنيجي كشف أن متقاعدي القوات المسلحة كانوا يتولون في العام 2018 مناصب الرئاسة أو نيابة الرئاسة أو العضوية في مجالس إدارة 56 في المئة من أصل 72 هيئة اقتصادية عامة في مصر.
ومنها قناة السويس، والنفط، والتوريد والتجارة، والتأمين الاجتماعي والصحي، والمرافق العامة، واستحوذوا أيضا على نسبة مشابهة من المناصب فيما يُسمى بالهيئات الوطنية المكلفة بالإشراف على الاتصالات، وسكك الحديد، والتأمين، والمعاشات التقاعدية، والخدمات البريدية.
وأنهم تولوا أيضا مناصب في المجالس والمراكز الوطنية التي تُعنى بالتخطيط أو إعداد السياسات العامة في مجال استخدام الأراضي، وفي الطاقة (بما فيها الطاقة النووية) وفي الإشراف والتنظيم والتدقيق المحاسبي وفي الإحصاءات ، وتولّى متقاعدو القوات المسلحة أيضا رئاسة مجالس الإدارة أو شغلوا مقاعد العضوية فيها في 128 من أصل 374 شركة تابعة للقطاع العام (35 في المئة) خلال العام نفسه.
و يعمد هؤلاء العسكريون، نظرا إلى قبضتهم البيروقراطية واحتفاظهم بمصالح شخصية وجماعية، إلى استنساخ الممارسات الريعية التي تقوّض أداء الدولة المصرية عموما، عبر زيادة التكاليف وتقليل الفعالية.