في غضون أسبوع واحد في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا والذي بدأ الخميس 24 فبراير 2022م، شهدت البنوك المصرية خروج نحو ثلاثة مليارات دولار من الأموال الساخنة، في ظل اندفاع المستثمرين نحو الفرار من الأسواق الناشئة إلى استثمارات أكثر أمانا.
وتنقل وكالة رويترز للأنباء، عن مصرفي مطلع تقديره للأموال الهاربة بنحو ثلاثة مليارات دولار. وحتى قبل نشوب الحرب الروسية الأوكرانية حرص نظام الديكتاتور عبدالفتاح السيسي على الحفاظ على الإقبال على أذون الخزانة لسد عجز في حساب المعاملات الجارية والميزانية ودرء الضغوط التي تدفع الجنيه للهبوط قبل قرار مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) المحتمل برفع الفائدة ابتداء من الشهر الجاري.
ووفقا لرويترز، يشعر مستثمرون كثيرون بالقلق من أن تكون الأسواق الناشئة أكثر عرضة للتأثر بأي صدمات ناجمة عن اضطراب التجارة مع روسيا بما في ذلك الزيادة الناجمة في أسعار بعض السلع الأولية. ومن المحتمل أن تعمل كلفة أسعار الفائدة الأعلى التي تواجهها الحكومة على زيادة الضغط على العملة كما أنها تجازف أيضا بالضغط على العجز في الميزانية. ومما يفاقم مشاكل مصر الاقتصادية بالفعل ــ وفقا لرويترز ــ خطر تسبب الأزمة الأوكرانية في رفع أسعار القمح المستورد. وكانت روسيا وأوكرانيا تمثلان مصدر حوالي 80 في المئة من واردات مصر من القمح في 2021. وقد ألغت الهيئة العامة للسلع التموينية، التي تتولى شراء القمح للدولة، يوم الاثنين مناقصة دولية ثانية لشراء القمح بعد أن رفعت الأزمة الأسعار.
حجم الأموال الساخنة
ومنذ نوفمبر2020 أبقى البنك المركزي أسعار الفائدة لأجل ليلة دون تغيير كما استقرت العملة المصرية فعلياً على حوالي 15.70 جنيه مقابل الدولار مما ساعد في الحفاظ على صورتها القوية التي عززها استمرار نمو الاقتصاد خلال جائحة كوفيد-19.
ووفقاً لبيانات البنك المركزي كان المستثمرون الأجانب يملكون أذون خزانة لآجال تصل إلى عام قيمتها 321.8 مليار جنيه (20.55 مليار دولار) حتى نهاية ديسمبر2021، بالإضافة إلى مبلغ لم يتم الكشف عنه بآجال أطول.
ويقول مصرفيون ومحللون ــ وفقا لرويترز ــ إن انخفاضاً حاداً في صافي الأصول الأجنبية في النظام المصرفي المصري يظهر مدى تزايد الضغط على سعر الصرف. وتوضح بيانات البنك المركزي أن صافي الأصول الأجنبية انخفض إلى 11.8 مليار جنيه في يناير2022 من 186.3 مليار في نهاية سبتمبرليسجل أدنى مستوى له منذ أبريل 2017. وتنبأت مانجو، الاقتصادية في "رينيسانس كابيتال"، بأن العملة المحلية (الجنيه) ستنخفض إلى 16.2 جنيهاً مقابل الدولار بنهاية يونيو 2022.
أزمة سيولة
وفي منتصف يناير 2022، نشر موقع "أوريان21" الفرنسي تحليلا يحذر فيه من أزمة مالية غير مسبوقة قد تشهدها مصر حال قرر البنك المركزي الأمريكي رفع أسعار الفائدة لاحتواء تسارع ارتفاع معدلات التضخم. وقال الموقع الفرنسي، إن استثمارات الأجانب في المديونية المصرية (الأموال الساخنة) ساعدت مصر في مقاومة الآثار الاقتصادية السلبية الناجمة عن تفشي جائحة كورونا، ودفعها لتحقيق نمو إيجابي في عام 2020 بين 2 و3 بالمئة في حين شهدت نصف الدول العربية انخفاضًا في تصنيفها. وأضاف: "لكن الجانب السلبي لهذه العملية هو تداعياتها على تكلفة الميزانية، حيث تمثل الفائدة التي تدفعها الخزانة المصرية 45 بالمئة من الإيرادات العامة، أي ما يقرب من 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي".
ووفقا للموقع الفرنسي، فإن ارتفاع أسعار الفائدة في مصر مقارنة بعائدات السندات الأمريكية التي تقترب من الصفر بالمئة هو مصدر جاذبية الأجانب للأوراق المالية المصرية (سندات وأذون الخزانة). لكن إذا ارتفع الدولار كما هو متوقع ــ بحسب الموقع الفرنسي ــ فسيتعين على القاهرة أن تحذو حذوه، وسيكون ذلك مستحيلا مع المستويات التي وصلت إليها بالفعل. فيما إذا قام الاحتياطي الفيدرالي، أي البنك المركزي الأمريكي، الذي يواجه ارتفاعا في التضخم، برفع معدلاته بمقدار نقطتين، فسيكون على البنك المركزي المصري على الأقل أن يتبعه ويفرض على المالية العامة عبئا لا يطاق". وتساءل التقرير الفرنسي: ما الذي سيتبقى بعد ذلك لدعم أعباء الدولة الأخرى، بما في ذلك الإنفاق العسكري والأمني؟ وبالتالي، فستنتهي استراتيجية الأموال باهظة الثمن، وسيتعين على المسؤولين المصريين حينها مواجهة أزمة مالية غير مسبوقة"، في إشارة إلى هروب متوقع في هذه الحالة للأموال الساخنة.
وفي 09 يناير 2022، قرر البنك المركزي تقديم سيولة طارئة للبنوك المحلية؛ وهو القرار الذي أثار جدلا واسعا في الأوساط المالية والاقتصادية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي؛ وسط مخاوف أثارها بعض الاقتصاديين من احتمالات دخول مصر على مشارف أزمة مالية جديدة، قد يترتب عليها إفلاس بعض البنوك. وقال البنك في بيان إنه سيمنح السيولة للبنوك في حالة عدم قدرتها على توفيرها من سوق الإنتربنك أو من الأسواق المالية الأخرى، مؤكدا أن السيولة ستُتاح للبنوك ذات الملاءة المالية فقط ولفترة حدها الأقصى 180 يوما، ويمكن مد التمويل أو جزء منه لفترات أخرى. وبحسب البيان، فإن سعر العائد للسيولة الطارئة سيتحدد عند سعر البنك المركزي للإقراض لليلة واحدة زائد هامش يحدده البنك بحد أدنى 5 بالمئة.
وبحسب مراقبين وخبراء اقتصاد، فإن قرار البنك المركزي يمثل اعترافا ضمنيا بوجود أزمة سيولة في مصر، لافتين إلى أن اقتصار دور البنك المركزي على توفير السيولة الطارئة للبنوك ذات الملاءة المالية فقط يعني أن هناك بنوكا بلا ملاءة مالية. وكان الخبير الاقتصادي محمود وهبة قد نشر تدوينة عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، قال فيها إن وجود بنوك بلا ملاءة مالية في مصر يعني أن هذه البنوك تواجه خطر الإفلاس، أي "موتها ماليا أو إكلينيكيا؛ لأن أصولها لا تسمح بسداد التزاماتها". وتساءل وهبة: "إذا كانت هناك بنوك في مصر بلا ملاءة مالية، فلماذا يسمح لها بالاستمرار في تلقي أموال المودعين؟"، داعيا البنك المركزي إلى ضرورة الإفصاح عن أسماء هذه البنوك حتى يتسنى للمودعين توجيه ودائعهم إلى البنوك ذات الملاءة المالية التي سيتدخل البنك المركزي لإنقاذها. وأضاف: "وجود بنوك في مصر بلا ملاءة مالية قد يأخذ النظام المصرفي كله إلي الهاوية، فلو ذهب عدد كبير من المودعين ليستردوا أموالهم لدي هذه البنوك فلن يجدوها".