حذرت ورقة بحثية أعدها موقع "الشارع السياسي" من التداعيات المستقبلية لقرار فرض قيود على الاستيراد، مؤكدة أنه "يزيد من احتمالات اللجوء إلى خفض جديد لقيمة الجنيه المصري تجاه الدولار، واحتمال عودة السوق السوداء في ظل حاجة الشركات لتدبير العملة الأجنببة لفتح الاعتمادات المستندية، وهي الاحتياجات التي تصل ما بين 15 إلى 20 مليار دولار لفتح تلك الاعتمادات خاصة مع عدم تمويل البنوك لبعض الأنشطة، ويزيد من احتمالات تغيير محافظ البنك المركزي خلال شهور".
فوضى القرار
واعتبرت الورقة أن قرار البنك المركزي الأخير بشأن الاستيرد كشف "عن فوضى صناعة القرار في مصر، وأثبت عدم وجود جهة تنسيق عليا بين المؤسسات والأطراف المختلفة ومراعاة جميع الأبعاد والزوايا، فمصر تدار بنظام الجزر المنعزلة دون رأس ينسق بينها في القرارت المهمة والمصيرية".
وقالت الورقة التي جاءت بعنوان "قيود الاستيراد.. المزايا والمساوئ في سياق الدوافع والتوقعات" إن "القرار على هذا النحو سيربك عملية الاستيراد بالكامل، وقد يقلل عجز الميزان التجاري، لكن ذلك على حساب السوق والمستهلك والمنتج الذي يعاني أصلا من قيود شديدة وزيادة في تكلفة الإنتاج".
وأشارت إلى أن القرار كشف "وجود أزمة في العملات الأجنبية بلغت أصداءها العالم الخارجي من خلال الموردين"، رغم التوسع في الاقتراض الخارجي خلال السنوات الأخيرة، وتأجيل سداد ديون دول الخليج الثلاث؛ السعودية والإمارات والكويت".
ولفتت إلى أن ذلك برهانا عمليا على فشل ما يسمى بالبرنامج الاقتصادي الذي دشنه السيسي بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي منذ نوفمبر 2016م.
12 سلبية
وأشارت الورقة إلى حصر "شعبة المستوردين" ل12 سلبية للقرار، أبرزها انتشار التهريب لأن فرض قيود على الاستيراد يعزز فرص التهريب بسبب ندرة البضائع بالسوق وارتفاع سعرها، وكذلك ارتفاع أسعار السلع، وتعزيز الاحتكار وخروج آلاف المستوردين من السوق ما يهدد بتشريد مئات الآلاف من العاملين، كما يؤدي القرار إلى ارتفاع أسعار العملات الاجنبية من اليورو أو الدولار وغيرهم نتيجة كثيرة الطلب لكل المستوردين والمصانع في وقت واحد.
وأضافت أن ذلك قد يعيد السوق الموازية للدولار (السوداء) بسبب شدة الطلب عليه وكذلك المضاربة عليه ، بما يهدد بخفض قيمة الجنيه من جديد وبالتالي مزيد من رفع الأسعار.
أسباب الاستثناءات
ومن لمحات عدم صوابية القرار، استثناء البنك المركزي في قراره فروع الشركات الأجنبية والكيانات التابعة لها، وهو ما يفسره كثير من المحللين والمستوردين بخوف النظام من العقوبات الدولية لا سيما من جانب منظمة التجارة العالمية التي ستعتبر القرار بمثابة تقويض للاتفاقيات الموقعة بشأن التجارة الحرة.
وعن استثناء الشركات التابعة للجهات السيادية في إعلامها المسبق بالقرار وعدم تأثيره عليها قالت الورقة إن ذلك "لاعتبارات تتعلق بأن هذه الأجهزة هي التي تحكم البلاد فعلا وهي مصدر كل القرارات التي تصدرها الحكومة وجميع مؤسسات الدولة حتى الأحكام القضائية المتعلقة بالشأن السياسي والسيادي، رغم أن هذه الشركات التي تملتكها الأجهزة السيادية لن تتأثر مطلقا بالقرار لامتلاكها السيولة اللازمة للاعتمادات المستندية من جهة، فضلا عن التسهيلات والامتيازات التي تحظى بها من جهة ثانية".
واعتبرت أن التضييق على القطاع الخاص بينما تتمتع شركات الجيش والأجهزة السيادية والشركات الأجنبية بكل هذه الامتيازات والتسهيلات، إخلال بمبدأ تكافؤ الفرص و"حيادية الدولة".
ورأت الورقة أن القيود على الاستيراد قد تؤدي في الأغلب إلى خروج صغار المستوردين من السوق لعدم قدرتهم على الوفاء بقيمة تأمين كل صفقة وإيداعها بالبنوك عدة شهور لحين وصول البضاعة؛ وهذا سوف يعزز قدرة شركات الجيش والأجهزة السيادية وكذلك الشركات الأجنبية على احتكار السوق، وبالتالي التحكم في أسعار الكثير من السلع والأجهزة في ظل غيبة الحكومة عن المشهد وانحيازها لرأس المال على حساب الموطنين والعمال الفقراء.
وأضافت أن صغار المستوردين سيدخلون في شراكات مع شركات الجيش أو الشركات الأجنبية للاستفادة من الامتيازات والتسهيلات التي تحظى بها؛ وبالتالي فإن ذلك سوف يؤدي إلى تهميش القطاع الخاص الوطني ويعزز من هيمنة الأجانب على الاقتصاد المصري، وهو مآل كارثي لأي دولة قد يسهم في استباحة سيادة الدولة مستقبلا مع حدوث أي تحولات عالمية وتصادم الإرادة المصرية مع أصحاب هذه الشركات الأجنبية العابرة للحدود.
شروط قبل القرار
وطالبت الورقة "البنك المركزي" وهو يسعى "للحفاظ على الاحتياطي الأجنبي لضمان سداد أعباء الديون الخارجية والواردات ودعم استقرار سوق الصرف، وتخفيف الطلب على الدولار، في ظل الضغوط المتوقعة الناتجة عن الزيادة المحتملة في سعر الفائدة على الدولار في الأسواق العالمية، والهروب المتوقع للأموال الساخنة"، أن يراعي "الحفاظ على سوق مستقر للأسعار، بحيث لا يتحمل المستهلك وحده تبعات قرارات البنك المركزي الفجائية أو تبعات أي قرارات تقييدية أخرى متوقعة من الحكومة. فالمواطن يكفيه ما فيه من قفزات متواصلة في الأسعار وزيادة في الأعباء المعيشية والضرائب والرسوم والبنزين والسولار والغاز، وليست لديه القدرة على تحمل أعباء جديدة.
وأن يراعي أيضا "مصالح قطاع الصناعة ومجتمع الأعمال، لأن فرض قيود كتلك يمكن أن يؤثر سلبا على الصادرات والإنتاج المحلي، وبالتالي على الأسعار، ويؤدي إلى تعميق الركود الحالي في الأسواق المحلية، خاصة مع مقاطعة المستهلك كثيرا من السلع بسبب ارتفاع سعرها".
3 سيناريوهات
وقالت الورقة إن "ثلاثة سيناريوهات تدور حول تراجع حكومة السيسي كاملا عن القرار، وهو أمر مستبعد لأن ذلك من شأنه أن يزيد من ججم الأزمة التي تواجه النظام في توفير الدولار".
وأن الثاني، هو الإصرار والعناد والتمسك بالقرار مهما كان الرفض ومهما كانت العواقب.
والثالث، هو الإبقاء على القرار وتلك السياسات مع التوسع في حجم الاستثناءات، وهو ما شرع فيه البنك المركزي فعلا باستثناء 14 سلعة ثم اسثثناء مستلزمات الإنتاج والصناعة.