كان النظام العسكري في مصر يمني النفس بفوز المنتخب الوطني لكرة القدم على منافسه منتخب السنغال والتأهل لمونديال كأس العالم "قطر 2022"، لكن أحلامه ذهبت أدراج الرياح بعد هزيمة المنتخب بركلات الترجيج، نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي كان يتمنى صعود المنتخب إلى المونديال حتى يجد ورقة يمكن اللعب بها على وتر الانتماء وحب الوطن والتغطية على فشله في إدارة كافة قطاعات الدولة السياسية والاقتصادية. وتحت لافتة "حب الوطن" و"تحيا مصر" وهذه الشعارات الرنانة البراقة كم ترتكب من الجرائم والموبقات في حق الوطن ذاته! فإن أعلى الناس صياحا في حب مصر هم أكابر مجرميها ولصوصها الذين يأكلون أموال الوطن وناسه ظلما وزورا. يصيح أحدهم في العلن "تحيا مصر"، ثم تراه في الخفاء يغرف من مال الوطن ما يشاء دون حسيب أو رقيب. فيا له من وطن منكوب ببعض أبنائه!
صعود المنتخب للمونديال كان يعني تدشين احتفالات ضخمة وتنظيم أكبر حملة بروباجندا تحت لافتة لا صوت يعلو فوق صوت المنتخب والتمثيل المشرف في كأس العالم الذي ينطلق في 21 نوفمبر المقبل 2022 بالعاصمة القطرية الدوحة. كان ذلك سيسمح للنظام بتوظيف المزيد من أدوات الإلهاء وحشد المواطنين وراء منتخب الكرة، بما يسمح للحكومة بشيء من التغطية على الفشل المتواصل في كافة قطاعات الدولة وعدم قدرة النظام على لجم ارتفاع الأسعار، لا سيما في ظل التداعيات القاسية لتفشي كورونا من جهة والغزو الروسي لأوكرانيا من جهة أخرى. وبالتالي فإن إخفاق المنتخب في التأهل للمونديال ضيع على نظام السيسي فرصة التوظيف السياسي لحدث كبير مثل المشاركة في كأس العالم.
ما أثار الدهشة حقا هو بعض التصريحات التي صدرت من أصوات مصرية تابعة للنظام في سياق انتقادها أو تبريرها لفشل المنتخب، فالسيد ممدوح عباس، رئيس نادي الزمالك الأسبق، كتب عبر حسابه الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي "تويتر": "المانشتات التي يستخدمها المسؤول عن الرياضة في مصر ضحك على الذقون مثل (لا نبكي على اللبن المسكوب وننظر للمستقبل)، ما حدث بالأمس يجب أن نبكي على اللبن المسكوب لأننا لم يعد لدينا بدائل إلا البكاء، وخبطتين في الراس توجع". وتابع: "أما النظر إلى المستقبل بدون الاستفادة من أخطاء الماضي فهذا تصريح موكوس، لأنه بداية لا بد أن تترك هذا المنصب، كفاك مصائب وكفاك كذبًا وعسى أن يعرف المسؤولون الآن أن التعيين في هذه المناصب يجب أن يكون فيها مسؤولون بالدرجة الأولى ذو حس سياسي". وواصل: "هذه وزارة لها علاقة بالجماهير والشعب المصري، ولو كنت مكانك لاستقلت فورًا قبل ركوب الطائرة عائدًا لمصر ولكن اللي اختشوا ماتوا". وأتم: "فقد تركتم لكل من هب ودب أن يتدخل في شؤونكم، وإلا فما هي سطوة مسؤول رياضي حكومي على اتحادكم، البقاء لمن يعرف صناعة كرة القدم وهم قليلون في مصر لفظتوهم لحسابات حقيرة".
لكن التصريح الاكثر دهشة لعباس أنه انتقد مطالب بعض اللاعبين المادية والمفاصلة في 200 أو 500 دولار، قائلا: «هذا لا يليق بشرف ارتدائك لفانلة منتخب مصر، أرجو أن يتعلموا أن ثمن ارتداء فانلة منتخب مصر مثل شرف الزي العسكري المصري، علموهم هذا إذا كنتم تريدون كرة قدم، وإذا كنت من مجلس إدارة اتحاد الكرة لاستقلت بالأمس"!
ارتداء زي المنتخب ــ بحسب عباس ــ كشرف ارتداء الزي العسكري! لكن ألا يعلم السيد عباس أن من يرتدون الزي العسكري يحصلون على أكبر الامتيازات في مصر كلها، بل إنهم مقابل ارتدائهم لهذا الزي يسيطرون على مصر بكاملها ويهيمنون على جميع مفاصل السلطة السياسية والاقتصادية والحكومية، ويحصل السادة الجنرالات والضباط على امتيازات مالية واقتصادية ضخمة، ويكفي أن مرتباتهم هي الأعلى على الإطلاق بين المرتبات الحكومية، ومعاشاتهم هي الأعلى على الإطلاق بين معاشات المصريين؛ بل إن السادة الضباط يتقاضون مكافآت ضخمة تحت مسمى ذي دلالة فاضحة «بدل الولاء»، فهل الولاء للوطن يحتاج إلى مكافأة؟ أم أنه الولاء للنظام للسكوت على جرائمه في حق الوطن لضمان بقاء النظام واستمراره على حساب الوطن نفسه؟! معنى ذلك أن السادة الجنرالات والضباط لا يرتدون الزي العسكري تطوعا وخدمة للوطن؛ بل من أجل المكاسب والامتيازات الضخمة التي يحصلون عليها؛ فلماذا ينتقد عباس مطالب بعض اللاعبين المادية وهم يرون قادة النظام أكثر حصولا على المكاسب والامتيازات هم وأبناؤهم وأقاربهم؟!
مشهد آخر بالغ العجب والدهشة؛ فالفنان صلاح عبدالله، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج «يحدث في مصر» مع الإعلامي شريف عامر، كشف أنه بكى بعد هزيمة المنتخب وعدم صعوده إلى المونديال. لكن العجيب في الأمر أن الفنان الشهير لم يبك مثلا لأن مصر لا تحقق الاكتفاء الذاتي من الغذاء أو لا تقدر على بناء اقتصاد قوي وتضطر إلى الاستدانة بشكل مرعب من أجل ضمان إدارة دواليب الدولة والحكومة، ولم يبك بسبب التداعيات المحتملة لسد النهضة واحتمال تعرض مصر لمجاعة حقيقية بما يهدد ليس فقط أمنها القومي ممثلا في أمنها المائي بل يهدد وجودها من الأساس، كما لم يبك صلاح عبدالله عندما تنازل السيسي عن جزء عزيز من أرض مصر "تيران وصنافير" للجانب السعودي، ولم يبك على عشرات الآلاف من علماء مصر وأنبل وأشرف أبنائها في السجون والمعتقلات ظلما وعدونا، رغم أن هذه القضايا أهم مليون مرة من صعود المنتنخب إلى المونديال أو عدم تأهله. فهذه ليست قضية أمن قومي بقدر ما هي قضية نظام كان حريصا على الفوز من أجل توظيفه سياسيا لمزيد من الإلهاء للشعب المسحوق بفعل السياسيات العشوائية التي تدار بها الدولة.
https://www.youtube.com/watch?v=QvbAyGTHd6U&feature=emb_title
معنى ذلك أن الفنان الشهير تخلى عن دوره الأساسي وهو توعية المواطنين وحمايتهم من التلاعب والتزييف ليكون بيدقا من بيادق السلطة وأداة من أداتها لنشر الجهل والتخلف والسطحية؛ فنبكي على قضايا فرعية هامشة كالصعود إلى المونديال بينما نغض الطرف عن القضايا المصيرية والحساسة التي تمس الأمن القومي في الصميم.
هناك قصايا أهم ألف مرة لنبكي عليها من الصعود إلى المونديال؛ أليس غياب العدل مؤلما ويستحق النحيب ليل نهار والعمل على إنهائه بشتى الطرق والوسائل؟ أليس انعدام الحرية والديمقراطية طنعة غادرة لمصر وشعبها؟ أليس الإصرار على عدم تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء جريمة تستوجب محاكمة القائمين عليها بتهمة الخيانة العظمى؟ أليس التفريط في حصة مصر المائية وترابها الوطني في تيران وصنافير أهم ألف مرة من المشاركة في المونديال؟
ويعتقد الكثيرون أن نظام الانقلاب يصر على نشر الجهل والتخلف والسطحية ويمنح بيادقه وأدواته من الفنانين والإعلاميين امتيازات ضخمة من أجل هذا الدور المشبوه الذي يعد طعنة غادرة في قلب مصر وطنا وشعبا.