دلالات دخول داعش على خط المقاومة ضد الصهاينة.. لماذا في هذا التوقيت؟

- ‎فيتقارير

الهجوم الذي شنه المقاوم الفلسطيني ضياء حمارشة مساء الثلاثاء 29 مارس 2022، وفتح خلاله النار بشكل عشوائي على المارة من الصهاينة في منطقة بني براك القريبة من تل أبيب أسفر عن مقتل 5 وإصابة آخرين، يعتبر هو الخامس من نوعه خلال الأسبوعين الماضيين داخل المناطق المحتلة (15 إلى 30 مارس 2022).

هذه الهجمات النوعية من جانب المقاومة محل ترحيب كبير، لكن الخطير في الأمر هو أن تنظيم "داعش" أعلن عن تبنيه هجومين من الخمسة وفقا لمواقع وصفحات التنظيم على مواقع التواصل الاجتماعي وقد رصد ذلك موقع "مدى مصر"؛ رغم أن التنظيم لم يعرف مطلقا بمقاومة الصهاينة في يوم من الأيام؛ فمعظم حروبه كانت ضد المسلمين، حيث يمارس التكفير على نطاق واسع لكل مخالفيه حتى من الحركات الإسلامية ذاتها ما داموا لا يدينون بالولاء لخليفتهم المزعوم ولم يبايعوه؛ وما يحدث في سجون العسكر في مصر خير مثال على ذلك، حيث يحظى قادة داعش بحماية أجهزة الأمن ويسمح لهم بالتواصل مع المعتقلين السياسين والجنائيين بكل سهولة لنقل أفكار التنظيم ما يعني أن نظام السيسي حريص على بقاء التنظيم واستمراراه لأهداف سياسية وأمنية. وبالتالي فإن دخول داعش على خط المقاومة هو خلط للأوراق لا تستفيد منه سوى إسرائيل لتسويق انتهاكاتها واحتلالها لفلسطين بوصفه نضالا إنسانيا ضد الإرهاب.

النظم المستبدة وتنظيم داعش كلاهما وجهان لعملة واحدة؛ فالنظم تسحق كل معارضيها وتفرض وجودها بأدوات القمع والعنف والإرهاب ومصادرة كل أشكال الحرية والعصف بكل الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية للشعوب، بينما يرى داعش وأنصاره أن عدم مبايعة خليفتهم المجهول باب لتكفير مخالفيه. كلاهما النظم وداعش يكفر مخالفيه ولا يقبل التعايش مطلقا مع مخالفيه ومعارضيه. وللنظم في تأسيس داعش نصيب كبير؛ حتى يوهموا الجماهير المخدوعة أن هذه النظم رغم استبداداها وفشلها هي البديل لإرهاب داعش، مع تدليس متعمد بوضع جميع الحركات الإسلامية حتى التي تؤمن بالديمقراطية والمسار السلمي وحق الشعوب في الاختيار في سلة واحدة مع داعش والقاعدة وغيرها من الحركات المسلحة.

ويوم الأحد 27 مارس، قٌتل شرطيان وأُصيب ستة إسرائيليين، في هجوم نفذه شابان فلسطينيان في مدينة الخضيرة الواقعة بين حيفا وتل أبيب، وهو الهجوم الذي أعلن تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» مسؤوليته عنه لاحقًا، كما نشر مقطعًا مصورًا يظهر فيه الشابين أثناء ترديدهما البيعة لزعيم التنظيم الجديد قُبيل التنفيذ. وقالت شرطة الاحتلال إن منفذي الهجوم قُتلا بعد تدخل ضابطي شرطة سريين أثناء تناولهما وجبة العشاء بالصدفة في منطقة قريبة من الهجوم. ومنفذا الهجوم من مدينة أم الفحم المُحتلة في 1949 والتي يتواجد بها العديد من فلسطيني الداخل. والثلاثاء الذي قبله (22 مارس 2022) تبنى تنظيم داعش الهجوم الذي وقع في منطقة بئر السبع وأدى إلى مقتل ثلاثة صهاينة إثر عملية طعن ودهس وقتل منفذ العملية على الفور برصاص الاحتلال.

فلماذا يعلن تنظيم داعش عن تبنيه هجومين  من الخمسة في هذا التوقيت؟  

تفسير ذلك أن هذه الهجمات تزامنت مع زيارة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن حيث التقى في قمة "النقب" مع وزراء خارجية كل من مصر وإسرائيل والإمارات والمغرب والبحرين، وهي القمة التي أريد بها تطمين الصهاينة وحلفائهم العرب بشأن الاتفاق المرتقب مع إيران بشأن برنامجها النووي والذي يمثل صداعا في رأس الحكومة الإسرائيلية، كما اعتبرها البعض تدشينا لتحالف عربي إسرائيلي تتصدر فيه إسرائيل موقع الزعامة. وبالتالي فإن دخول داعش على خط المقاومة في هذا التوقيت هو بمثابة إضفاء مسحة مزيفة على الجرائم الإسرائيلية والدعم الأمريكي الغربي لها بوصفها احتلال استيطاني وهو أبشع صور الاحتلال على الإطلاق. فالرسالة المراد تعميمها على العالم أن إسرائيل تواجه الإرهاب والدليل هو تبني تنظيم داعش لهجمات ضد إسرائيليين. وبالتالي فإن الدعم الأمريكي والغربي لإسرائيل هو دفاع عن حقها في الوجود ضد إرهاب داعش ودمويته المفرطة. يا لها من رسالة خداعة ومضللة!

التفسير الثاني، أن هذا الإعلان من جانب داعش يتزامن مع الانتقادات الحادة التي يتعرض لها الصهاينة بوصفهم احتلالا، لا سيما في ظل الانتقادات الحادة والشحن الواسع الذي يقوم به الغرب لإدانة الاحتلال الروسي لأوكرانيا، وهو ما دفع المئات من كبار المفكرين في العالم إلى انتقاد ازدواجية المعايير الأمريكية والأوروبية بهذا الشأن؛ إذا كيف يدينون الاحتلال الروسي لأوكرانيا في الوقت الذي يدعمون فيه بكل السبل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين الذي ما كان له ان يتم من الأساس لولا الدعم الأمريكي الأوروبي قبل سبعين سنة؟ ولماذا يدينون الانتهاكات والجرائم الروسية في أوكرانيا بينما يؤيدون جرائم إسرائيل في فلسطين؟ ولماذا يدينون جرائم الروس في أوكرانيا وقد دمروا سوريا خلال السنوات الماضية في ظل صمت وتواطؤ أمريكي أوروبي واسع النطاق؟

في هذه الأثناء والوضع هكذا وجدت  إسرائيل نفسها في ورطة أمام العالم رغم ما تحظى به من دعم واسع من النظم والحكومات، لذلك احتاجت إلى دخول داعش على الخط حتى تتمكن من تنظيم حملة دعاية مكثفة تبرر فيه احتلالها وجرائمها بحق الفلسطينيين بوصفها تواجه تنظيم داعش الدموي، وليس احتلال فلسطين وتدمير شعبها وتراثها عبر سبعة عقود كاملة.

دخول داعش على خط المواجهة مع الاحتلال خطوة مشبوهة تستهدف خلط الأوراق لصالح الاحتلال؛ فهو تنظيم مخترق من أعلى قمته وللأمريكان والصهاينة وحتى المستبدين من حكام العرب دور في إنشائه وجروجه للعلن سنة 2014م،  حتى يكون مسوغا ومبررا لجرائمهم بحق المعارضين والخصوم.  كذلك  لا يمكن استبعاد أن يكون  دخول داعش على الخط  بتخطيط من الموساد من أجل در الاستعاطف الدولي للصهاينة وتبرير جرائمهم في ظل هذه الأوضاع المعقدة والمتشابكة، ومن أجل إيهام العالم أنها تقاتل تنظيم داعش وهو التنظيم الذي يحظى بسمعة سيئة على مستوى العالم بخلاف حركات المقاومة كحماس والجهاد والتي تقاوم منذ عقود وفق أسس وقواعد تحظى باحترام واسع حتى لو كان النظام الدولي والحكومات الغربية والعربية تتواطأ ضدهم. فالمقاومة باقية وستنتصر لا محالة فهذا وعد الله ولن يخلف الله وعده، لكن علينا الحذر من الفخاج المنصوبة على جانبي الطريق وأحد أخطر هذه الفخاخ  فخ داعش ودخوله على خط المقاومة ليدنس المسار ويشوه الطريق، وقد فعلها من قبل بعد الربيع العربي، فظهوره كان نعمة على الطغاة والمستبدين ونقمة على الشعوب وتطلعها نحو الحرية والاستقلال الحقيقي، حتى لو رأى بعض المحللين أن ظهوره كان ردة فعل على جرائم النظم التي أجهضت المسار الديمقراطي ومارست أعتى صور التعذيب والبطش، لكن ظهور داعش كان فرصة لهذه النظم تبرر به طغيانها وتعلق عليه فشلها وجرائمها تحت لافتة الحرب على الإرهاب.