"أنا عملت كل اللي قلتولي عليه، أنا راجلكم" كلمات المستشار سامي عبد الرحيم رئيس محكمة جنايات بورسعيد المتهم بتلقي رشاوى عند عرضه على النيابة، وقد تم القبض عليه متلبسا بعدد من المضبوطات، أهمها ماكينة عد أموال ومبالغ مالية طائلة، وحيازة مخدرات، وأسلحة غير مرخصة وقطع أثرية.
وسبق لـ"عبد الرحيم" الخدمة في بلاط العسكر وحكم على أبرياء بالإعدام، منهم عدد من قيادات جماعة الإخوان على رأسهم المرشد العام الدكتور محمد بديع، كما حكم بإعدام عادل حبارة الذي لفقت له قضية قتل 25 مجندا في "مذبحة رفح الثانية".
وشاركت هيئات قضائية مصرية في مساندة الانقلاب، بل إن رئيس المحكمة الدستورية بات الرئيس المؤقت للنظام الجديد، وعُوقب القضاة الذين يرفضون استخدام القضاء في مساندة عصابة الانقلاب، وشكلت العصابة دوائر قضائية خاصة، يرأسها قضاة بعينهم لمحاكمة مؤيدي الشرعية؛ فأصدرت إحدى المحاكم حكما جماعيا بالإعدام على المئات دون احترام للإجراءات القانونية.
كل هذه الوقائع تشير إلى أن مستويات عديدة من القضاء تخلت عن حيادها وباتت أداة في يد العسكر لتصفية كل من يعترض طريقها، ورغم تلك الخدمات الإجرامية التي قدمها القضاء للعسكر، إلا أنه فيما يبدو أن "آخر خدمة الغز علقة".
الطرطور..!
عمد قائد الانقلاب العسكـري السفاح السيسي إلى إشراك السلطة القضائية في انقلابه المدعوم غربيا وأمريكيا وصهيونيا وخليجيا، ظنا من قيادة الجيش أن هذا الأسلوب سوف يضفي شرعية على الانقلاب العسكري ؛ ففي يوم 3 يوليو 2013 أعلن قائد الانقلاب العسكري السفاح السيسي، تعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيسا للبلاد وكلفه بأداء اليمين قبل توليه المنصب أمام المحكمة الدستورية العليا.
وفي صباح يوم 4 يوليو 2013 اجتمعت المحكمة الدستورية العليا بكامل قضاتها في أجواء احتفالية؛ فأدى المستشار عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية العليا والشهير بـ"الطرطور" اليمين القانونية لتولي منصب رئيس الجمهورية؛ فجعل هذا الإجراء القضاء المصري طرفا أصيلا في جريمة الانقلاب؛ وهو ما أثر بشكل سلبي على أداء العمل في منظومة العدالة في مصر بصفة عامة.
ذلك أن القاضي الذي تعرض عليه قضية ضد ما قام به قادة الجيش في مصر من انقلاب على السلطة الحاكمة، كيف يستطيع أن يحكم في مطابقة تلك الإجراءات للدستور أو مخالفتها له إذا كانت هذه السلطة الجديدة أوصلت رئيس المحكمة الدستورية العليا إلى سدة الحكم، وبالتالي لن يقتصر دور القاضي على إصدار حكم في مجرد نزاع قانوني فقط، ولكنه ينظر قضية تخص رئيس أعلى المحاكم في مصر، وأعضاء جمعيتها العمومية الذين وافقوا على خرق الدستور وتولي رئيسهم رئاسة عصابة الانقلاب.
المستشار المجرم "سامي عبد الرحيم" كان من بين هؤلاء القضاة الفسدة الذين اشتراهم السفاح السيسي، واستهل جرائمه ضد الإنسانية والعدالة بمحاكمة 17 متهما من جماعة الإخوان المسلمين في أحداث ملفقة جرت محافظة بورسعيد أغسطس 2013، والمعروفة بـ "أحداث عنف قسم شرطة العرب" وتلقى عبد الرحيم عبر جهاز السامسونج الموصل إلى المخابرات قائمة بالاتهامات التي من المفترض أن يوجهها إلى المتهمين، كان منها التحريض على العنف، والانضمام لجماعة أسست على خلاف أحكام القانون وترويع المواطنين.
وسامي عبد الرحيم هو الذي حكم بالإعدام في قضية عادل حبارة، كما قضى بأحكام مشددة على الدكتور محمد بديع و46 آخرين من معارضي الانقلاب فى قضية ملفقة باسم “أحداث قسم شرطة العرب”.
أنا بتاعكم ..!
وقال القاضي لحظة القبض عليه "أنا الراجل بتاعكم" واعترف عدد من المتهمين على القاضي المرتشي، سامي عبد الرحيم بتقاضي رشوة منهم حتى يحكم لهم بأحكام مخففة، والبعض الآخر بالبراءة.
وتم إحالة القاضي الفاسد، إلي محكمة جنايات أمن الدولة العليا بالقاهرة، وقد تحدد جلسة 7 مايو 2022 لنظرها، فيما قررت المحكمة الاقتصادية مصادرة ممتلكاته.
وقد تضمن قرار الإحالة تهما بالرشوة، وحيازة المخدرات الأفيون في منزله، وحيازة عدد ثلاث طبنجات غير مرخصة، غير سلاحه الميري المصرح له به، وحيازة مقتنيات أثرية غير مصرح بها للعامة.
وقال الكاتب الصحفي سليم عزوز "فعلا لا يوجد موقع أو صحيفة مصرية نشرت خبر القبض على رئيس محكمة الجنايات في قضية رشوة، وهو الذي أصدر حكمه بإعدام عادل حبارة، وحكم في قضايا أخرى متهم فيها الإخوان ومرشدهم حذفت التغريدة، لكن أحد المحامين ذكر لي أنه شاهده في التحقيقات".
وأصدرت الدوائر القضائية بمصر أحكاما قضائية عديدة بالإعدام والحبس لمدد طويلة توازي أعمار أمم كاملة، حيث بدت تلك الأحكام كأنها أحكام انتقامية، وبدا هؤلاء القضاة كسوط في يد الجنرال السفاح السيسي يجلد به جميع خصومه، بل الشعب المصري كله.
حاول القضاة الفسدة جني ثمار تأييدهم الانقلاب وصناعته، فطالبوا أن يحصنهم الدستور الجديد من أي تدخل من سلطات العسكر في شؤون القضاة، ووصل الأمر أن يطالب القضاة بمزايا لأنفسهم لضمان استقلالهم عن سلطات العسكر وأي مساس بسلطاتهم المطلقة، لكن السفاح السيسي رفض كل تلك المطالب، واستخدم القضاء كعصا غليظة يضرب بها خصومه، ويكسر بعضها وقت ما يشاء.
وفي حين يمسك السفاح السيسي بعصا القضاء ليبضرب بها الغلابة، يُتوقع أن تعطيه مزيدا من السلطات التي يمتلكها بالفعل ويطيل مدة توليه الرئاسة التي لن يتركها من الأصل، فإن القانون والعدالة والقضاء والدستور والمؤسسات كلها مصطلحات جوفاء بلا معنى، تئن مع عشرات الآلاف من المعتقلين خلف قضبان السجون.