اعتقال أجهزة الديكتاتور عبدالفتاح السيسي لمحام بسبب انتقاده للممثل ياسر جلال الذي يؤدي دور "الجنرال السيسي" في مسلسل "الاختيار 3" هو بحد ذاته دليل إدانة للنظام وللمسلسل؛ ويبدو أن الممثل الذي يواجه موجات عاتية من السخرية من جانب ملايين المصريين لتقمصه دور السيسي وطريقة كلامه وأسلوبه "الطري" في الكلام، اكتسب شيئا من قداسة الجنرال الذي لا تتسامح أجهزته مطلقا مع أي شكل من أشكل النقد أو المعارضة لشخصة وأفكاره فضلا عن سياساته، وانسحبت حماية الأجهزة للسيسي إلى حمايتها للممثل والمسلسل؛ لأن الأجهزة الأمنية ترى في انتقاد الممثل انتقادا للسيسي نفسه؛ وأن هدف الساخرين والمتهكمين ليس ياسر جلال بطبيعة الحال، بل إن سخريتهم وتهكمهم تستهدف الجنرال والنظام بشكل مباشر.
وبحسب الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، فإن نيابة أمن الدولة، قررت في 12 إبريل 2022 الجاري، حبس المحامى نبيل أبو شيخة خمسة عشر يومًا احتياطيًا على ذمة القضية رقم 93 لسنة 2022 حصر أمن دولة عليا، بعد أن وجهت له النيابة اتهامات بالانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، وذلك على خلفية نشره على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" منشورات تسخر من دور الممثل ياسر جلال فى مسلسل الاختيار الذي يقوم بدور الجنرال السيسي. وطالبت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان مجلس نقابة المحامين بالتدخل الفوري لدى السلطات لإطلاق سراح زميلهم نبيل أبو شيخة، كما ناشدت جموع المحامين بالمطالبة بإخلاء سبيل زميلهم ووقف اعتقاله التعسفي على خلفية تعبيره الحر عن رأيه.
وإذا كان انتقاد الممثل ياسر جلال وانتقاد أدائه في المسلسل يمثل تهمة جديدة لا ينص عليها القانون مطلقا، فإنه وفقا لهذه التهمة فإنه يتعين على السيسي أن يعتقل ملايين المصريين؛ لأن ياسر جلال والمسلسل يتعرضان لوابل من التهكم والسخرية شارك فيه عشرات الملايين من المصريين سواء بالتدوين على مواقع التواصل أو حتى بالثرثرة في المنازل والشوارع والأسواق والشركات.
ويعتبر المسلسل بأجزائه الثلاث من عجائب هذا الزمان تحت حكم الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، ذلك أن النظام وأجهزته يروجون لنجاحات وهمية في العالم الافتراضي (الاختيار 3» للتغطية على الفشل الذريع في الواقع؛ والأكثر دهشة أن النظام تحت لافتة «الاختيار» يفرض عدم الاختيار ولا يسمح مطلقا بأي هامش لأصحاب الرواية الأخرى لمجرد حتى التنفيس وليس التعبير بحرية عن آرائهم ومواقفهم وسرد روايتهم بأي وسيلة.
والغريب حقا أن النظام العسكري الجبري يمجد ذاته تحت لافتة "الاختيار"، فعن أي اختيار يتحدثون. وهل يملك المصريون في هذا العهد الأسود أي شكل من أشكال الاختيار؟ إن النظام لا يضع اعتبارا للجماهير ولا يكترث لها مطلقا وهو الذي عصف باختيار الشعب وإرادته الحرة بعدما انقلب على المسار الديمقراطي وزج بالرئيس المدني المنتخب في غياهب السجون ثم اغتياله لاحقا بعد ست سنوات من الظلم والطغيان والافتراء.
بالطبع ليس الهدف من اعتقال المحامي هو البطش بكل من يسخر أو ينتقد المسلسل بل الهدف هو ترهيب المواطنين وتخويفهم وإرهابهم أملا أن تصل إليهم رسالة اعتقال المحامي بأنهم أيضا مهددون بالاعتقال إذا انتقدوا الممثل ياسر جلال مرة أخرى أو سخروا من رواية النظام في مسلسل الاختيار؛ فالمطلوب من الشعب أن يؤمن على سردية النظام، وألا يناقشها أو يحاول حتى التفكير في صدقها من كذبها، لأن الشعب أساسا ـ من وجهة نظر النظام ــ غير مؤهل للاختيار؛ فالنظام هو من يختار له الحاكم، والسياسات، والوزراء والمحافظين وحتى رؤساء الأحياء والمدن والقرى وعمداء الكليات ورؤساء الجامعات، فالشعب أساسا محروم من كل أشكال الاختيار، وبالتالي لا يحق له أن ينتقد سردية النظام وروايته حتى لو كانت بالغة الكذب والافتراء؛ عليه أن يقبلها كما هي دون رفض أو اعتراض أو تهكم، وإلا فإن مصير من يفعل ذلك كمصير المحامي الذي تم اعتقاله وتقديمه للمحاكمة على تهمة ملفقة وبالغة الكيدية والافتراء.
إن الإنفاق الباهظ على عمل درامي لتكريس رواية النظام العسكري حول ثورة يناير وانقلاب 3 يوليو يؤكد أن النظام لا يزال يعاني أزمة كبيرة في مجالين رئيسَين هما الشرعية والثقة. ولو كان النظام يؤمن أنه يمتلك شرعية حقيقية بين الناس لما اضطر لصرف الملايين على عمل درامي يسعى من خلاله لتثبيت شرعيته في الحكم، وتحويل الانقلاب في وعي الناس إلى ثورة. ولو لم يكن السيسي وأركان حكمه يعلمون أن أغلبية الشعب المصري لا تثق بهم لما اضطر لمثل هذا العمل لإعادة بناء الثقة. المسلسل في هذا التوقيت وفي وقت تتعرض فيه مصر لتهديدات وجودية متمثلة في إصرار أثيوبيا على حجز مياه النيل يمثل برهان على خلل الأولويات لدى النظام ويبرهن على أنه يتسم بقدر هائل من الغباء يستحق معه أن يكون مسئولو هذا النظام في مستشفى الأمراض العقلية وليس على كراسي الحكم في أكبر دولة عربية. فأي سلطة استبدادية لا تلجأ إلى تزوير التاريخ القريب وتزييف الواقع وفرض سرديتها بتوظيف أدوات الإعلام والدراما المكثفة إلا إذا كانت هذه السلطة تدرك يقينا أن روايتها ضعيفة ولا تحظى بالقبول في أوساط المجتمع؛ فلو كانت رواية السلطة محل قبول لما لجأت السلطة إلى إنتاج أعمال سينمائية أو درامية ضخمة وباهظة التكاليف وتستمر لسنوات من أجل تسويق روايتها وفرض سرديتها بقوة التضليل الإعلامي. معنى ذلك أن مسلسل «الاختيار» بأجزائه الثلاث بحد ذاته «دلالة على إصرار النظام على كتابة تاريخ على مقاسه لأحداث لا تزال قريبة العهد، شهدت معظم الأجيال التي على قيد الحياة تفاصيلها. لم يكن قائد الانقلاب بحاجة لتزوير التاريخ لو كان مقتنعا أن الشعب يؤمن بروايته لهذه الأحداث، ولذلك فإن كثرة الأعمال الدرامية التي تعرض أحداثا تاريخية قريبة هي دليل واضح على إدراك النظام لضعف روايته، ما يدفعه لمحاولة تقويتها وإقناع الناس بها» بأدوات التزييف والتجريف السينما والدراما والإعلام.