في وقت يتحدث السيسي وأذرعه الإعلامية عن حوار وطني وتهدئة الغضب الشعبي ، في سبيل الخروج من الأزمات المجتمعية المتصاعدة إثر الأزمة الاقتصادية والقمع الأمني، وفي وقت يغازل فيه السيسي الغرب الغاضب من انتهاكاته لحقوق الإنسان، والرفض الأمريكي لاستمرار المساعدات الأمريكية للنظام القامع للحريات، وفي ظل معاناة أكثر من 60 ألف معتقل في سجون الانقلاب التي باتت مقابر لنزلائها، جاءت خطوات السيسي الباطشة والمستهترة بمشاعر الضحايا وآلام الأسر التي فقدت أبناءها تحت تعذيب الجلادين في أقسام الشرطة، بالعفو عن الضباط وأمناء وأفراد الشرطة المحبوسين في قضايا تعذيب، فيما تم إهمال الكثير من الحالات المستحقة للإعفاء، إثر المعاناة الطبية والصحية أو انقضاء العقوبة أو المدورين في قضايا وهمية.
قتلة أحمد عجمي
فوفق تقارير موثوقة، صدر عفو من قائد الانقلاب عن ضباط وأفراد شرطة، محكوم عليهم بالسجن في 3 قضايا تعذيب مواطنين حتى الموت في أقسام شرطة مختلفة.
وأوردت وثيقة أمنية نشرتها "عربي 21" أن القضية الأولى، الصادر فيها قرار بالعفو، تحمل الرقم 8414 لسنة 2018 جنايات حدائق القبة، وضمت أسماء المعفو عنهم في القضية وهم "تامر صابر فراج رائد شرطة ورئيس مباحث قسم شرطة حدائق القبة، ومحمد جمعة الحارس أمين شرطة، وأسامة شوقي عبدالناصر أمين شرطة، وثابت محمد طلبة عريف شرطة، ومحمد عبدالحليم عبدالقادر أمين شرطة.
ووجهت النيابة العامة إلى المتهمين في القضية تهما بأنهم في يومي 21 و22 يونيو 2018، قاموا بصفتهم موظفين عموميين بتعذيب محتجز لديهم في القسم يدعى "أحمد السيد محمد عجمي" ألقوا القبض عليه دون إذن من النيابة ودون تقييد اسمه بدفاتر القسم، لحمله على الاعتراف بارتكاب جريمة سرقة، ما أدى إلى وفاته.
وتوفي المحتجز بعد أن طرحه المتهمون أرضا وشدوا وثاق يديه خلف جسده وانهالوا عليه ركلا بالأقدام وضربا بالعصا وصعقا بالكهرباء في مواضع مختلفة من جسده، قاصدين إجباره وحمله على الاعتراف بارتكاب واقعة السرقة والإرشاد عن المسروقات، وأحدثوا به إصابات أودت بحياته.
ووجهت النيابة إلى المتهمين الأول والثاني، تهمة قيامهما بتعذيب محتجز آخر يدعى "علي شريف يحيى" لحمله على الاعتراف باشتراكه في ارتكاب جريمة سرقة، حيث اقتاده المتهم الثاني إلى المتهم الأول، فانهال عليه الأخير صفعا بأحد نعليه ولكمه في صدره، قاصدين إجباره وحمله على الاعتراف بارتكاب جريمة السرقة.
ووجهت النيابة للمتهم الأول، تهمة احتجاز المواطن "علي شريف يحيى" بدون أمر النيابة العامة ، وذلك بعد أن أودعه لليلة كاملة في إحدى الغرف بوحدة البحث الجنائي بقسم شرطة حدائق القبة.
ووجهت للمتهم الثاني تهمة إلقاء القبض على المواطن ذاته دون أمر النيابة العامة أو أحد الحكام المختصين بذلك، وفي غير الأحوال التي تصرح فيها القوانين واللوائح بالقبض على ذوي الشبهة، وذلك بعد أن ضبطه واقتاده إلى مقر وحدة البحث الجنائي بقسم شرطة حدائق القبة قبل صدور إذن النيابة العامة بضبطه.
وجاءت اتهامات النيابة العامة للمتهمين، بعد أن حاولوا في البداية إخفاء جريمتهم وأنكروا وجود المجني عليهما "المتوفى والمصاب"، داخل ديوان القسم، إلا أنه ثبت من تفريغ محتوى كاميرات الـ (DVR) الخاص بقسم شرطة حدائق القبة أن المتهمين هم من قاموا بالقبض واقتياده والتحقيق مع المجني عليهما المتوفى والمصاب، ونقل المجني عليه المتوفى خارج القسم وهو جثة هامدة لمحاولة إخفاء جريمتهم.
وتولت النيابة العامة لاحقا التحقيق، وبحثت في البداية عن موقع القبض على المجني عليهما، وتوصلت إلى أنه كائن بتقاطع شارع الجندي مع شارع الخليج المصري أمام مقهى يسمى أم صابر بدائرة قسم شرطة حدائق القبة.
وثبت بالتقرير الطبي الصادر من مستشفى الزيتون التخصصي لحالة المجني عليه، وصول جثمان المجني عليه، وقيد مجهول الهوية وأنه حضر إلى المستشفى جثة هامدة مع وجود كدمات متفرقة في الجسم والبطن وزرقة حول المعصمين الأيمن والأيسر وزرقة بالشفة وتوسع بالقرنية، وتم عمل محاولة إنعاش قلبي ورئوي متقدم لمدة 14 دقيقة، إلا أن المجني عليه لم يستجب وتم إعلان وفاته.
وقضت محكمة جنايات القاهرة، المنعقدة بمجمع محاكم طرة، بالسجن 8 سنوات لـتامر صابر فراج رائد شرطة ورئيس مباحث قسم شرطة حدائق القبة، والسجن سنة لأحمد محمد عبدالحافظ نقيب شرطة ومعاون مباحث قسم شرطة حدائق القبة، وقضت المحكمة بالسجن المشدد 7 سنوات لكل من محمد جمعة الحارس ، وأسامة شوقي عبدالناصر ، وثابت محمد طلبة ، ومحمد عبدالحليم عبدالقادر .
قتلة مجدي مكين
وبحسب معلومات المصدر الأمني، فإن القضية الثانية الصادر فيها قرار بالعفو هي القضية التي حملت الرقم 4733 لسنة 2019 جنايات الأميرية.
وضمت أسماء المتهمين بالقضية، الصادر لهم قرار العفو "سامح السيد جابر قاسم، وياسر حسن محمود الحسانين، وسعد رواش أبو العزم خليل، ومحمد أحمد حسن علي، وأيمن محمد محروس الديب" وجميعهم أمناء شرطة، كانوا يعملون في قسم شرطة الأميرية وقت ارتكابهم جريمة تعذيب أحد المواطنين حتى الموت.
ووجهت النيابة العامة للمتهمين في القضية 3 اتهامات وهي "ضرْب أفضى إلى موت المواطن مجدي مكين داخل قسم شرطة الأميرية، وإحداث الإصابات الواردة بتقرير الطب الشرعي للضحية وزملائه والتي أكدت عمليات التعذيب، وتزوير محررات رسمية ومحضر الواقعة والإضرار العمدي بجهة عملهم وهي وزارة الداخلية".
وجاء تقرير مصلحة الطب الشرعي، ليؤكد وجود آثار تعرض زملاء "مجدي مكين" في الحجز للضرب بالأيدي في أماكن حساسة بأجسادهم، وعدم استخدام الآلات الحادة أو العصي، والاعتداء من قبل أمناء الشرطة والضابط المتهم.
وجاء تقرير الطب الشرعي الخاص بالضحية "مجدي مكين" ليؤكد تعرضه للتعذيب البشع، وأن سبب الوفاة ضربه والوقوف على ظهره وتعذيبه، ما أحدث له صدمة عصبية في الوصلات العصبية بالنخاع الشوكي، نتج عنه حدوث جلطات في الرئتين، وتسببت في وفاته.
وتمت إحالة المتهمين إلى المحاكمة الجنائية، وصدر حكم بمعاقبة الضابط "كريم مجدي" و8 آخرين من أمناء شرطة قسم المطرية بالسجن مع الشغل لمدة 3 سنوات وبراءة أمين شرطة أخر، وذلك في القضية التي عرفت إعلاميا باسم قتل "مجدي مكين" تعذيبا.
وضمت أسماء المحكوم عليهم بالسجن الضابط كريم مجدي عبدالعزيز محمد لطفي، وأمناء الشرطة سامح السيد جابر قاسم، ومحمد سعيد صلاح محمد، وعبدالغني منير عبدالغني محمد، ومحمود صابر أحمد صابر، وسعد الرواش أبو العزم خليل، وأيمن محمد محروس الديب، ومحمد أحمد حسن علي، وياسر حسن محمود حسانين.
قتلة محمد صالح
وأفاد المصدر الأمني بأن القضية الثالثة الصادر فيها قرار بالعفو الرئاسي هي القضية التي حملت الرقم 2725 لسنة 2016 جنايات مركز طهطا بمحافظة سوهاج.
وضمت قائمة المحكوم عليهم والصادر لهم قرار بالعفو في القضية 3 ضباط، وهم "الملازم نافع أحمد رائد شرطة ورئيس مباحث مركز طهطا وقت الواقعة، وعمر أحمد سعد نقيب شرطة ومعاون مباحث المركز وقت الواقعة، وعمر خطاب شحات عقيد شرطة ورئيس فرع بحث شمال سوهاج وقت الواقعة".
ووجهت لهم النيابة العامة تهم تعذيب المواطن "محمد صالح أحمد" لإجباره على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها، حتى توفي أثناء تعذيبه، وتزوير محرر رسمي عبارة عن تقرير الطب الشرعي الخاص بالضحية.
وبدأت القضية ببلاغ من "محمد أحمد عبدالوارث" بوفاة شقيقه "عبدالناصر" وهو عمدة قرية الشيخ زين الدين بمحافظة سوهاج، داخل مسكنه الذي يقيم فيه بذات الناحية ولم يتهم أحد بالتسبب في ذلك.
وانتقل إلى مكان الواقعة ضباط مباحث مركز شرطة طهطا وبمناظرة الجثة تبين وجودها على "دكة" بالمنزل وبها إصابات في الرأس، وقامت الشرطة بالقبض على عدد من الأشخاص المشتبه فيهم بالمنطقة ومن بينهم سائق "توك توك" يدعى "محمد صالح أحمد".
وتم الاشتباه في كون الضحية يقوم بقضاء متطلبات العمدة الشخصية ودائم التردد عليه وهناك اتصالات متكررة بين الطرفين، فتم القبض عليه واحتجازه بمركز الشرطة، وتم تعذيبه وإجباره على الاعتراف بقتل العمدة، حتى توفي على يد ضباط الشرطة خلال تعذيبه.
وتمت إحالة الضباط الثلاثة إلى المحاكمة الجنائية، حيث صدر حكم ضدهم بالسجن المشدد 3 سنوات مع الشغل والنفاذ.
لا عفو عن المعارضين
ويتسق قرار العفو عن الجلادين مع سياسات قائد الانقلاب العسسكري ، والذي ظهر في أخد التسجيلات مع قيادات عسكرية، متحدثا عن إطلاق يد القوى الأمنية في مواجهة المعارضين، مؤكدا أن أي ضابط يواجه المعارضين ويقتلهم أو يسبب إصابات بالغة بهم لن تجري لهم محاكمة، كما هو منصوص عليه دستوريا ، ومنذ الانقلاب العسكري، أطلقت السلطات يد القوى الأمنية الباطشة تنتهك حرمات وحياة المصريين.
كما أن العفو الرئاسي عن المتهمين بقتل المحبوسين بأقسام الشرطة ساعد على نشر ثقافة التعذيب والقتل خارج إطار القانون والتصفيات الجسدية، وسياسة الضرب بالمليان لرافضي الانقلاب والمعارضين السياسيين ، حيث تشهد مصر عصفا كبيرا بالحريات وانتهاكات قمعية للمعتقلين والمعارضين وأصحاب الرأي.
ومؤخرا نشرت صحيفة "الجارديان" البريطانية مقطعي فيديو قالت إنها حصلت عليهما، لقسوة المشاهد، نشر موقع "ميدل إيست آي" مقطع الفيديو المسرب، ويظهر معتقلين يستغيثون من تعذيبهم داخل مقر حجز قسم شرطة السلام بالقاهرة، حيث التقط أحدهم مقطع فيديو سرا عبر ثقب في نافذة الزنزانة المحتجزين بها يظهر تعليق معتقلين وأيديهم خلف ظهورهم بوضعية مؤلمة وهم عراة على أبواب الزنازين.
وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" قد وصفت في تقرير لها في العام 2017 اللجوء إلى الأوضاع القاسية والاستخدام المنهجي للتعذيب بأنها جرائم محتملة ضد الإنسانية.
واستشهد التقرير بـ19 حالة فردية تعرض فيها معتقلون للتعذيب في أقسام الشرطة ومكاتب الأمن الوطني في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك الأسكندرية وأسوان ومدن في دلتا النيل، لافتا إلى أن بعضهم تعرض للتعذيب في أماكن أكثر من مرة في أماكن احتجاز مختلفة.
وأشار التقرير إلى أن الأدوات الأساسية للتعذيب هي الصعق بالكهرباء والوضعيات المجهدة، المصحوبة بالضرب بقبضات اليد أو بالعصي الخشبية أو بالقضبان المعدنية.
ولفت إلى أن بعض عناصر الشرطة والأجهزة الأمنية كانوا يعمدون إلى تقييد أيدي المشتبه بهم وتعليقهم بواسطة الأصفاد على حافة علوية لأحد الأبواب مما يسبب آلاما مبرحة في الظهر والكتفين أو حدوث خلع للمفاصل في بعض الأحيان".
ضحايا السجون
كما وثقت المنظمات الحقوقية حالات وفاة متكررة بين المحتجزين، ففي العام 2015، قدمت منظمة العفو الدولية، ما تقول إنه أدلة على وفاة 9 أشخاص على الأقل في الحجز في قسم شرطة المطرية في القاهرة.
وفي العام الماضي، حكم على ضابط شرطة من قسم السلام ثان بالسجن 3 سنوات مع الأشغال الشاقة لإطلاق النار على مدني في صدره وإصابة آخر بجروح.
ومع ذلك، وبحسب منظمات حقوقية، فإن الإدانات في حالات الوفاة أثناء الاحتجاز نادرة، حتى بالنسبة للعناصر من ذوي الرتب المتدنية، ومن تلك الأمثلة القليلة سجن 4 أمناء شرطة عام 2020 لتعذيبهم رجلا حتى الموت بأحد أقسام الشرطة في محافظة الجيزة.
ورغم كل ذلك يشجع السيسي قتلة المصريين بالتعذيب ، يم يعود ليطلب حوارا سياسيا قبل مسرحية انتخابات 2024 ولمواجهة زيادات جديدة بالأسعار بعد التعويم الجديد المقبل للجنيه.