مسألة مراجعة المناهج الدراسية في مصر مستمرة منذ عقود، ومن دواعي الأسف أنها لا ترتبط بمقتضيات تطوير التعليم، إنما تجري وفق هوى النظام. ولعل أبرز محطات التلاعب بالمناهج الدراسية هو ما جرى في أعقاب اتفاق كامب ديفيد "مارس 1979م" فقد كان من شروط هذا الاتفاق المشئوم تعديل المناهج لتصبح أكثر تجاوبا مع أجندة القوى الدولية، وتحت لافتة "السلام" تم الحذف ــ بشكل متدرج ــ لكل ما له علاقة بالعداء مع الكيان الصهيوني بهدف دمج إسرائيل في المنطقة والقبول بالتطبيع معها باعتبارها كيانا طبيعيا وليس احتلالا استيطانيا؛ وبناء عليه تمت مراجعة المناهج وصياغتها بما يتفق مع متطلبات السلطة وهواها. منذ ذلك الوقت والأمور تسير على نهج التخفف من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، والمواضيع المرتبطة بهما، وعمدت وزارة التعليم في مصر عام 2015 إلى حذف دروس كاملة عن صلاح الدين الأيوبي وعقبة بن نافع، بدعوى أنها تحرض على العنف. وكانت وزارة التربية والتعليم شكلت لجنة من الخبراء التربويين في مارس 2015 لمراجعة مناهج مراحل التعليم "لتنقيحها من كافة الأفكار التي تدعو إلى العنف والتطرف"، وكذلك الأفكار السياسية والدينية التي يمكن إساءة فهمها، بالإضافة إلى إزالة الحشو والتكرار، طبقا لبيان وزاري.
وكان تطوير المناهج الدراسية بدعوى تنقيحها من المواضيع والنصوص الخاطئة، ضمن توصيات منتدى الوسطية الذي عقد في مايو 2015 بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف تحت عنوان "تجديد آليات الخطاب الديني"، حيث طالبت الوثيقة "بتطوير المناهج الدراسية، وطريقة تكوين الدعاة، فضلا عن الدعوة لتعاون مؤسسات وقطاعات الدولة لإنتاج خطاب يتناسب مع ظروف العصر". وفي إبريل 2015، قامت وكيلة وزارة التربية والتعليم بمحافظة الجيزة بثينة كشك بحرق عشرات الكتب في فناء مدارس فضل بفيصل، في واقعة جاءت بعد دعوة السيسي إلى تجديد الخطاب الديني، وتفنيد كتب التراث مطلع عام 2015، بدعوى أنها تحرض على العنف والإرهاب. لكن منظمات حقوقية -من بينها المنظمة المصرية لحقوق الإنسان- أعربت عن قلقها البالغ إزاء الواقعة، واعتبرتها انتهاكا صارخا لحرية الإبداع الفني والأدبي المكفولة بموجب الدستور المصري والمواثيق والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.
السلطة العسكرية في مصر لم تدخر منذ الانقلاب العسكري يوم 3 يوليو 2013 جهدا في التلاعب بالمناهج الدراسية على مستوى كل المراحل التعليمية بما يتناسب مع مخططها لإعادة كتابة التاريخ وفق رؤيتها من جهة وعلمنة المجتمع المصري من جهة ثانية. واستهدفت السلطة ثورة 25 يناير وجماعة الإخوان المسلمين بشكل أساسي في التغييرات بمناهج التعليم، حيث اختزلت الثورة اختزالا في أسباب اندلاعها وأحداثها، كما مس الإخوان التشويه. و لم تتحمل السلطة في مصر بيت شعر يحمل كلمة "إخواني" ضمن نشيد يتعلمه تلاميذ المرحلة الابتدائية فعدلتها إلى "خلاني" ليصير بدلا من "هيا هيا يا إخواني.. نبني وطنا للإنسان" إلى "هيا هيا يا خلاني.. نبني وطنا للإنسان"، ثم أطاحت بالمناهج كلها وجاءت بالمناهج الجديدة التي تكرس العلمانية في عقول وسلوك النشء على نحو يحاول الحد من الهوية الإسلامية لمصر. وحذفت وزارة التربية والتعليم فصلا كامل من منهج التاريخ للصف الثالث الثانوي يتحدث عن فساد الرئيس المخلوع حسني مبارك خلال فترة حكمه، والذي أدى إلى اندلاع الثورة. كما أسقطت ذكر الحركات والحملات التي رفعت لواء المعارضة ضد نظامه مثل حركتي "6 أبريل" و"كفاية" وتعامل قوات الأمن بالقوة مع المتظاهرين وسقوط قتلى خلال المظاهرات.
وفي تقرير لها، قالت صحيفة واشنطن بوست إن السلطة في مصر تعمدت حذف كل ما له علاقة بثورة 25 يناير من المناهج الدراسية بحيث لا يكاد يُلحظ اليوم وجود لها في المناهج. وبنفس أسلوب إخفاء الأحداث، عمدت وزارة التربية والتعليم إلى قص شخصيات لها دورها السياسي خلال السنوات الماضية مثل حذف اسم د. محمد البرادعي -الحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 2005- من المناهج الدراسية للصف الخامس الابتدائي. وأمام ذلك، دفع النظام بشخصيات جديدة صورها على أنها أبطال مثل محمود بدر مؤسس حركة "تمرد" التي تولت جمع توقيعات لسحب الثقة من الرئيس مرسي، وزميله محمد عبد العزيز، وكذلك المستشارة تهاني الجبالي وهي من معارضي الرئيس مرسي. غير أن وزارة التربية تراجعت وحذفت ما يتعلق بشخصيات حركة "تمرد" من مناهج العام الدراسي الحالي. أما جماعة الإخوان، فنالت نصيبها من التشويه في المناهج الدراسية، إذ قُدمت باعتبارها جماعة استبدت بالحكم وكانت تحمي مصالحها فقط وتعاقب معارضيها ولم تجسد أيا من المطالب الشعبية في الحرية والكرامة والعدالة، وهي ذات الدعاية السوداء التي وردت بالدراما التي تنتجها السلطة ضد الجماعة ورموزها كما في أجزاء الاختيار الثلاثة. كما حذفت أسماء وصور قادتها مثل د. سعد الكتاتني -الذي كان رئيسا لبرلمان 2012 – والنائب د. محمد البلتاجي، من منهج التربية الوطنية للثانوية العامة. وذكر كتاب التاريخ للثانوية العامة الرئيس (مرسي) بأنه "انحرف عن مسار ثورة يناير فثار الشعب في 30 يونيو لتعديل مسار الثورة". في المقابل، لم يحدث أن أقدمت جماعة الإخوان على تغيير المناهج التعليمية خلال فترة حكمها، وفق تقرير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية (منظمة حقوقية).