حذر خبراء اقتصاديون من إقدام البنك المركزي المصري على رفع أسعار الفائدة عقب إعلان مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع سعر الفائدة على الدولار بنسبة 0.5% وهي النسبة الأعلى منذ عام 2000 ، مؤكدين أن هذه الخطوة لها تداعيات سلبية خطيرة ، منها تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار وارتفاع الأسعار وتصاعد حالة الركود في الأسواق وتراجع القدرة الشرائية للمصريين .
وقال الخبراء إن "رفع أسعار الفائدة يزيد من الضغوط على اقتصاديات الدول النامية، ويزيد تكلفة الاقتراض وخدمة الديون، خاصة للدول التي لديها حجم دين خارجي كبير مثل مصر والتي سجلت أكثر من 145.5 مليار دولار، بنهاية الربع الثاني من 2021/2022 ، وفق إعلان البنك المركزي في 19 أبريل الماضي".
وأوضحوا أن من توابع قرار الفيدرالي الأمريكي تعرض العملات الأخرى لمزيد من الضغط ، مما يضطر البنوك المركزية لرفع سعر الفائدة على عملاتها وتخفيض قيمة الجنيه.
وتوقع الخبراء تخفيض قيمة العملة المصرية لتصل ما بين 22 و25 جنيها مقابل الدولار ، مؤكدين أن نظام الانقلاب يتخذ هذه القرارات خضوعا لإملاءات صندوق النقد الدولي الذي يتفاوض معه من أجل الحصول على قرض جديد منذ 21 مارس الماضي.
كما توقعوا اتخاذ البنك المركزي المصري قرارا برفع سعر الفائدة على الإيداع والإقراض بنسبة تتراوح بين 1- 1.5% بزعم امتصاص الصدمات الخارجية والقضاء على أي اختلالات محتملة، مع تسارع التضخم العام لأعلى مستوياته خلال ثلاث سنوات.
يشار إلى أن لجنة السياسات النقدية التابعة للبنك المركزي تستعد لعقد اجتماعها القادم في 19 مايو الجاري، لبحث أسعار الفائدة على الإيداع والاقراض، بعد مرور شهرين على اجتماعها الاستثنائي في مارس الماضي والذي قررت خلاله رفع الفائدة بنسبة 1%.
إعلان إفلاس
من جانبه قال الخبير الاقتصادي علاء السيد إن "نظام الانقلاب على أعتاب رفع جديد للفائدة ، وقد يتخذ هذا القرار غدا الأحد مع أول أيام عمل له بعد عيد الفطر".
وتوقع السيد في تصريحات صحفية حدوث تخفيض ثالث لقيمة الجنيه، وأن قيمته أمام الدولار ربما تصل من 22 إلى 25 جنيها، وربما لا تستطيع دولة العسكر ضبط حركة الجنيه أمام الدولار فينخفض أكثر مقتربا من 30 جنيها.
وأكد أن هذه تعليمات صندوق النقد الدولي، وهي سبب تعثر مفاوضات الحصول على قرض جديد، لأنه بحسب شروط الصندوق فإن ترك الجنيه وفقا لآليات السوق ، ربما تذهب به مقابل الدولار لنحو 25 جنيها وربما 30 جنيها، إذا تُرك التقييم بدون إدارة المركزي وآليات السوق.
وأشار السيد إلى أن الجنيه ضعيف، والناتج المحلي ضعيف، وحركة الاقتصاد متباطئة؛ وهذا يؤثر على القيمة الحقيقية للجنيه، مؤكدا أنه لولا إدارة البنك المركزي لسعر الجنيه لانخفض لنحو 25 جنيها منذ سنوات.
ولفت إلى أن الخطوات المحتملة من المركزي المصري سوف تؤثر في زيادة التضخم، والأسعار، والفاتورة كالمعتاد يدفعها الشعب، في ظل تضخم ركودي أو ركود تضخمي ، بمعنى وجود البضائع وتوفرها بالسوق لكن المستهلك لا يستطيع شراءها لارتفاع أسعارها وضعف قدرته الشرائية.
وشدد السيد على أنه برغم أن التضخم عكس الركود ، إلا أن أسوأ الأوضاع الاقتصادية هي الركود التضخمي بمعنى وجود تضخم وركود معا وهذا الحاصل الآن بمصر، ما يزيد من معاناة الشعب والضغط على ميزانيته ، مؤكدا أن جميع ذلك بفعل الخطايا الاقتصادية لحكومات الانقلاب منذ عام 2013.
وكشف أن نظام الانقلاب سيفعل كل ما في وسعه لإعادة اجتذاب المال الساخن مرة أخرى لجسد الاقتصاد لكن دون جدوى، لأنها وفقا لآخر الدراسات الاقتصادية المنشورة هي الخيار الأخير لصناديق الاستثمار التي تتعامل في المال الساخن وتأتي روسيا قبلها بالمرتبة قبل الأخيرة.
وأوضح السيد أنه رغم الظروف الاقتصادية بالغة السوء سيرفع نظام الانقلاب سعر الفائدة ويخفض قيمة الجنيه، وربما يضيف المزيد من الأصول لصندوق مصر السيادي، ويلوح بالتنازل عن أصول وبيع المزيد من الشركات، ولكنه لن يستطيع استقطاب أموال جديدة ساخنة للعمل في شراء سندات وأذون الخزانة.
وحذر من أن هذا سيؤدي لإعلان مصر قريبا عدم قدرتها على سداد القروض الأجنبية، وهذا معناه إعلان رسمي بالإفلاس كما يتحدث العامة، ولكن لأن الدول لا تفلس، إلا أن عدم القدرة على سداد الديون الخارجية يسمى مجازا إفلاسا للدولة.
فاتورة الاستيراد
وتوقع الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع أن يلقي رفع الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة مزيدا من الضغوط على الدول المدينة التي ستكون مضطرة إلى سداد أصل وفوائد الديون بدولار أغلى نسبيا ، كما تضطر إلى الاستدانة مجددا لسداد القروض القائمة بفوائد أعلى .
وقال نافع في منشور على صفحته على فيس بوك إن "ارتفاع تكلفة الحصول على الدولار تعني تأثر الواردات وزيادة عجز موازين التجارة مع ارتفاع فاتورة الاستيراد، خاصة إذا كانت مرونة الطلب على الواردات منخفضة يعني في حالة اعتماد الدولة على استيراد الضروريات من الخارج ، و مزيد من عجز موازين التجارة يعني عملات وطنية أضعف أمام الدولار لتكتمل الدائرة الخانقة.
وأكد أن الخوف من تكرار أزمة ٢٠١٣ بالاقتصادات الناشئة مازال مسيطرا على المشهد العام وعلى تصريحات مديرة صندوق النقد ورئيس مجموعة البنك الدولي ، لافتا إلى أن نظام الانقلاب استخدم شهادات الـ ١٨٪ كأداة بديلة عن الرفع الفوري الكبير في أسعار الفائدة بغرض امتصاص السيولة ، صحيح الأمر لا يخلو من تشوهات في أسعار الفائدة ، لكننا اعتدنا ذلك منذ أن بلغت أسعار الفائدة على أذون الخزانة أعلى معدل بين المنتجات المالية رغم كون تلك الأذون تمثل ما يعرف بالأدوات خالية المخاطر ومن ثم يجب أن يحصل مشتريها على أقل سعر فائدة risk free rate لذلك يصعب التكهن بقرار المركزي القادم ، وإن كان المرجح مزيدا من الرفع لتفادي تناقص الفائدة الحقيقية مع ارتفاع معدلات التضخم بشكل كبير.
الاستثمارات الأجنبية
وقال الخبير الاقتصادي أشرف غراب إنه "بعد قرار البنك الفيدرالي الأمريكي رفع أسعار الفائدة بنسبة 0.5 % لتصل لـ 1 % وهي أكبر زيادة منذ عام 2000 وذلك بهدف كبح التضخم الذي بلغ 8.5 % وهو أعلى مستوى منذ 40 عاما، من المتوقع أن ترفع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري في اجتماعها القادم خلال مايو الجاري أسعار الفائدة بنسبة تتراوح بين 0.5 % إلى 1%".
وأضاف غراب في تصريحات صحفية، أن المركزي المصري مضطر لرفع سعر الفائدة بنسبة من 0.5% إلى 1% وذلك لمعادلة التضخم المستورد من الخارج بعد قرار الفيدرالي الأمريكي، ليحد من خروج الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين، وكذلك امتصاص السيولة والحفاظ على جاذبية الأصول المحلية، إضافة إلى تخفيف الضغط على العملة الأجنبية واستقرار سعر الصرف ومواجهة معدل التضخم، موضحا أن السبب في رفع الفائدة من قبل الفيدرالي الأمريكي هو تحسين قيمة الدولار وزيادة الإقبال عليه وتجنيبه الخسائر التي قد تحدث في حالة عدم رفع الفائدة، خاصة مع زيادة معدلات التضخم في أمريكا وتأثرها بالحرب الروسية الأوكرانية ونقص الإمدادات ، بسبب الإغلاقات الصينية نتيجة جائحة كورونا .
وأوضح أن هناك اقتصادات اعتمدت بشكل كبير خلال عقود على نظام الاقتصاد الريعي وهذه أكثر الاقتصادات تأثرا بالأزمات العالمية.
ولفت غراب، إلى أن البنك المركزي سيحدد نسبة الفائدة المتوقع رفعها بالضبط بعد إعلان معدلات التضخم لشهر أبريل خلال أيام، موضحا أن رفع أسعار الفائدة غرضه الحفاظ على استمرار تدفق الأموال الساخنة وهي الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المصرية ، والتي شهدت تراجعا خلال الفترة الماضية متجهة ناحية أمريكا بعد رفع الفائدة في بنوكها، وشدد على أن استثمارات الأجانب في أذون الخزانة ضرورية جدا للاقتصاد المصري في الحفاظ على توافر العملة الصعبة ودعم الجنيه.