توقيع حكومة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي (السبت 28 مايو 2022م) اتفاق التعاقد مع شركة "سيمنز" الألمانية؛ لإنشاء منظومة متكاملة للقطار الكهربائي السريع في مصر بإجمالي 3 خطوط، يبلغ طولها حوالي 2000 كيلومتر على مستوى الجمهورية، وذلك بتكلفة تقريبية تبلغ 31 مليار دولار (نحو 577 مليار جنيه)، يثير كثيرا من التساؤلات والألغاز حول جدوى المشروع ومصادر تمويله وتأثيره على حجم الديون وأسباب ارتفاع التكلفة الضخمة للمشروع من 9 مليارات دولار كما أعلنت الحكومة في سبتمبر 2020 إلى 31 مليار دولار حاليا في مايو 2022م!
الملاحظة الأولى، أن المشروع بهذه الكلفة الباهظة تم إنشاؤه خصيصا بهدف تسهيل تنقل الأثرياء بين منتجعات العلمين الجديدة والعاصمة الإدارية والعين السخنة. فالمشروع ينقد على مرحلتين: الأولى بتكلفة تبلغ نحو 22.7 مليار دولار، بداية من مدينة العين السخنة المطلة على البحر الأحمر، وصولاً إلى مدينة العلمين الجديدة على البحر المتوسط، والثانية بتكلفة تبلغ 8.2 مليارات دولار (مستقبلية)، وتستهدف مد مسار القطار من مدينة العلمين إلى محافظة مرسى مطروح (غرب البلاد). ويضم المشروع 8 محطات للقطار الكهربائي السريع بسرعة تصميمية 250 كيلومتراً في الساعة، وسرعة تشغيلية 230 كيلومتراً في الساعة؛ إذ يمتد القطار من منتجع العين السخنة شرقاً، مروراً بالعاصمة الإدارية الجديدة، ومدن السادس من أكتوبر، وبرج العرب في محافظة الإسكندرية، والعلمين الجديدة، وصولاً إلى مرسى مطروح غرباً. معنى ذلك أن المشروع إنشئ خصيصا لخدمة الحكومة وسرعة انتقال الوزراء والمسئولين ورجال الأعمال والجنرالات واللواءات من العاصمة الإدارية في الشرق والتي تعتبر مقر الحكومة الشتوي، إلى العلمين في الغرب والتي تعتبر مقر الحكومة الصيفي بالقرب من القصور والشاليهات الفخمة على الساحل الشمالي الذي يستحوذ عليه الأثرياء وأصحاب النفوذ.
الملاحظة الثانية، هي غياب الشفافية عن المشروع، ولا سيما ما يتعلق بالتكلفة الإجمالية؛ ففي 4 سبتمبر 2020، أعلنت وزارة النقل فوز التحالف المصري الصيني (سامكريت– الهيئة العربية للتصنيع – CCECC – CRCC) بمناقصة تنفيذ المشروع بكلفة إجمالية 9 مليارات دولار، على حساب تحالف (إيفك Chinastate – CREC من الصين – سيمنز الألمانية – سكك حديد فرنسا – أوراسكوم من مصر- المقاولون العرب). إلا أن الحكومة أعلنت لاحقا عن توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة النقل، ممثلة في الهيئة القومية للأنفاق، وشركة "سيمنز" الألمانية، في حضور رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، لتنفيذ المشروع بقيمة إجمالية 23 مليار دولار للمرحلة الأولى فقط؛ أي بزيادة كبيرة تقدر بنحو 14 مليار دولار، من دون تبيان الأسباب الحقيقية وراء الزيادة. وفي 23 يناير2021، اعترف السيسي بمضاعفة تكلفة مشروع القطار السريع، بقوله: "كان هناك عرض من تحالفين لإنجاز المشروع بقيمة 10 مليارات دولار تقريباً، ولكنني قلت لا يمكن أن ننفذ المشروع بهذا الثمن. وقررت أن ندفع الرقم الأعلى، وهو 19.5 مليار دولار، لتنفيذ مساحة 450 كيلومتراً فقط من المشروع"، مضيفاً "لدينا برلمان يراقب أداء الحكومة، ويوافق على قرارات القروض التي نتخذها. ومحتاجين الناس تثق فينا بشكل أكبر حتى ننفذ مخططاتنا".
الملاحظة الثالثة، أن المشروع سيتم بقروض خارجية تسدد على 15 سنة، الأمر الذي يعني ارتفاع معدلات الديون الخارجية التي تبلغ حاليا نحو 145 مليار دولار حتى ديسمبر 2021م، بحسب آخر بيانات البنك المركزي. وبالتالي فإن المشروع سوف يرفع حجم الديون الخارجية إلى مستويات غير مسبوقة على الإطلاق؛ وبالتالي سوف ترتفع مخصصات بند خدمة الديون في الموازنة على نحو لافت وهو البند الذي تضخم بشدة خلال السنوات الماضية؛ ويشمل سداد فوائد الديون (الربا) وسداد الأقساط المستحقة من الديون، ويصل في مشروع الموازنة (2022/2023) إلى نحو (1,655 تريليون جنيه ). وهو رقم مهول يفوق حتى بند الإيرادات الذي يصل إلى نحو (1.517) تريليون جنيه) 80% منها ضرائب! معنى ذلك أن المشروع الذي يستفيد منه طبقة الأثرياء فقط، يتزامن مع أزمتين: أزمة مالية بسبب نقص السيولة وتضخم الديون، وقلة موارد الدولة؛ وهو ما تتجه الحكومة إلى معالجته بالمزيد من القروض وبيع أصول الدولة للشركات الأجنبية وحيتان القطاع الخاص. والأزمة الثانية، هي أزمة الغذاء العالمية التي تتفاقم بسبب تفشي جائحة كورونا أولا ثم بسبب تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا وتوقف خطوط شحن وإمدادات الغذاء وارتفاع أسعار النفط والغذاء إلى مستويات غير مسبوقة. وتعتبر مصر من أكثر الدول تعرضا لمخاطر هذه الأزمة بسبب عدم الاهتمام بتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء على مدار السنوات الماضية؛ حيث تستورد مصر أكثر من 65% من غذائها، وهو ما يرفع فاتورة تكلفة استيراد الغذاء وارتفاع أسعاره على نحو يرهن ملايين الأسر المصرية التي سقطت في براثن الفقر والجوع؛ في ظل هذه الأجواء أليس من الأولى أن يمنح توفير الغذاء بأسعار مناسبة الأولوية على مشروعات القطار الكهربي والعاصمة الإدارية وغيرها من المشروعات التي لم تسهم مطلقا في تحسين مستويات المعيشة؟! فلماذا يصر السيسي على مثل هذه المشروعات التي يستفيد منها نحو 05% فقط من الشعب بينما يبقى 95% من الناس أسرى للفقر والجوع والحرمان؟!
الملاحظة الرابعة، أن المشروع يمثل صورة من صور تعزيز نفوذ الشركات الأجنبية في مصر؛ فالسيسي هو من رعى وأشرف على الاتفاق مع شركة "سيمنز" الألمانية؛ بهدف تعزيز العلاقات مع الحكومة الألمانية، من أجل شراء دعم ومساندة كبرى العواصم الغربية للنظام في مصر لا سيما وأنه اغتصب الحكم بانقلاب عسكري. بيان المتحدث باسم الرئاسة المغصوبة يقول إن السيسي أكد أنّ شبكة خطوط القطارات الكهربائية الجديدة تأتي ترسيخاً للتعاون المثمر بين مصر وألمانيا في مجال البنية الأساسية، وستمثل إضافة كبيرة لمنظومة النقل؛ إيذاناً ببداية عصر جديد للسكك الحديدية في مصر وأفريقيا والشرق الأوسط". وأعرب رئيس مجلس إدارة شركة "سيمنز" العالمية، رونلاد بوش، عن "اعتزازه بالتعاون المثمر مع مصر في المشروعات التنموية، التي صنعت تاريخاً مشرفاً للشركة في المنطقة والعالم"، وفق ما أورده البيان، مستطرداً أنّ "مشروع القطار الكهربائي السريع في مصر هو الأضخم في تاريخ شركة سيمنز، منذ تأسيسها قبل نحو 175 عاماً". وكان نظام السسي قد تمكن من إغواء حكومة المستشارة الألمانية السابقة إنجيلا ميركل بصفقات مليارية من السلاح والمشروعات، وكانت البداية في 2015م؛ حيث تم التعاقد مع شركة "سيمنز" الألمانية لإنشاء 3 محطات ضخمة لإنتاج الكهرباء بقيمة وصلت إلى 8 مليارات يورو، وهو رقم مهول في عالم صفقات البيزنس الدولية. فى حين توصلت وزارة التعاون الدولى فى نوفمبر 2019 إلى اتفاقية تعاون مع الجانب الألمانى لتمويل عدة مشروعات فى مجالات كفاءة الطاقة وتأهيل المدارس المهنية والتعليم وتطوير البنية الأساسية فى المناطق الحضرية.
الملاحظة الخامسة، أن هذا البذخ الشديد في الإنفاق على مثل هذه المشروعات التي لا يستفيد منها سوى الأثرياء يقابله شح وبخل فيما يتعلق بمخصصات الدعم وكفالة الفقراء والمساكين، بخلاف الإهمال المتعمد لقطاعات هامة تمس معظم الشعب كالتعليم والصحة والبحث العلمي، وعدم الالتزام بمواد الدستور التي تقضي بتخصيص نسبة 10% سنوياً من الناتج المحلي الإجمالي لصالحها. فالسيسي أعلن بنفسه أنه أنفق على مشروعاته أكثر من 6 تريليونات جنيه رغم أنها مشروعات تجميلية بلا جدوى حقيقية على الاقتصاد ولا تعود بالنفع على المواطنين ولا تسهم مطلقا في تحسين مستويات معيشتهم. فلماذا يصر على "القطاع الكهربي" رغم أنه يتجه لبيع مشروعاته التي نفذها بالقروض كمحطات سيمنز لإنتاج الكهرباء وغيرها بأسعار أقل حتى من تكلفتها الحقيقية رغم أنها مربحة بعد رفع أسعار الكهرباء؟!