في ظل سياسات تقشف تستهدفها حكومة المنقلب السفيه السيسي على المواطنين المصريين وتقليص دور الدولة في الخدمات المقدمة للمواطنين، خاصة في القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم، وامتناع وزارة المالية عن توفير مخصصات مالية للعملية التعليمية، وفق طارق شوقي الذي سبق وأن طالب وزير المالية بتوفير 11 مليار جنيه للتعليم في العام 2020، فرد عليه معيط بتخصيص مليار واحد فقط ، وهو ما يؤثر سلبا على احتياجات العملية التعليمية بالأساس.
ورغم رفع أسعار المصاريف الدراسية التي تجاوزت 500 جنيه في مراحل التعليم الأساسية من الابتدائي إلى الثانوي، إلا أن وزارة التعليم استحدثت بندا جديدا بالمدارس، وهو ما أطلقت عليه "المشاركة المجتمعية" لتمويل أنشطة واحتياجات المدارس، في ظل امتناع المديريات والوزارة عن الاستجابة لطلبات المدارس بطلب مخصصات مالية، فيأتي الرد للمديرين "اصرف ولما تتوفر أموال سأعطيك" وفق شهادات مديريين.
ولكن الأسوأ من فرض تلك الرسوم غير المقننة، أنها باتت إجبارية في كثير من المدارس، لتوفير أجور للعاملين والعاملات غير المثبتين، وأدوات نظافة وطباعة أوراق الامتحانات وشراء اللوحات وأوراق التزيين بالفصول وغرف المدرسين وأدوات المعامل وغيرها من أعمال الدهانات والصيانة ، وبات من يدفع تلك المشاركة المجتمعية التي باتت إجبارية لضمان نجاح ابنه في المرحلة الدراسية التي يدرس فيها، والعكس صحيح.
ووفق قانونيين فإن مبدأ المشاركة المجتمعية يتصادم تماما مع المبادئ الدستورية لمجانية التعليم واضطلاع الدولة بمسئولياتها.
ووفق شهادات أولياء أمور ، قد تصل الإتاوات المحصلة من أولياء الأمور نحو 400 جنيه شهريا، وهو ما يمثل عبئا كبيرا على أولياء الأمور والأسر التي تكافح من أجل سد رمق أبنائها.
حيث لا يدخل المدارس الحكومية إلا أبناء محدودي الدخل والفقراء من المصريين، ثم يصدمهم نظام السيسي بإتاوات جديدة فوق ما يعانيه الآباء من مصاريف الدروس الخصوصية، التي باتت مفروضة على الجميع، بحكم تكدس الفصول الدراسية ونقص الإمكانات والعجز الكبير في أعداد المعلمين، حيث سبق وأن أكد وزير التعليم طارق شوقي أن عجزا في أعداد المعلمين يصل لنحو 320 ألف معلم تحتاجهم المدارس، علاوة على عجز يصل إلى 250 ألف فصل دراسي سنويا، بلا توفير مخصصات مالية لهم.
وهو ما ألجأ المدارس والإدارات التعليمية للتوسع خلال السنوات الأخيرة في تطبيق «المشاركة المجتمعية» على نطاق أكبر لتتحول من مبالغ رمزية إلى آلاف الجنيهات، تدفعها الأسر كل سنة، ما شكّل ضغطا عليهم في غياب الرقابة الحكومية، وانخفاض ميزانية التعليم.
ولعل ما تسبب في تلك الأزمة انخفاض ميزانية وزارة التربية والتعليم، مقابل احتياجاتها، على الرغم من إلزام الدستور للحكومة بالمادة (19) بإنفاق نسبة لا تقل عن 4% من الناتج القومي على التعليم، ورغم زعم الحكومة استيفاء تلك النسبة، ولكنها بالحقيقة لا تلتزم بالنص الدستوري، حسبما يكشف تقرير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية والاجتماعية، والذي يوضح أن ميزانية وزارة التربية والتعليم بلغت في السنة المالية الحالية نحو 117مليار جنيه، يذهب معظمها للأجور، وهو ما يخلق كل عام فجوة في الإنفاق الذي كان ينبغي أن يُخصص للتعليم بنوعيه الجامعي وما قبله، وبلغت هذه الفجوة في السنة المالية الماضية أكثر من 255 مليار جنيه، وفقا للتقرير.
وبينما تُنفق أغلب ميزانية التعليم على الأجور، تعتمد المدارس على المصروفات التي تجمعها من الطلاب لتغطية نفقاتها السنوية من أنشطة وغيرها.
ومع طلب المدارس للدعم من الإدارات التعليمية، والتي غالبا لا توفرها، تلجأ معظم إدارات المدارس إلى جمع التبرعات والاعتماد على «المشاركة المجتمعية» سواء من أهالي الطلاب أو حتى من العاملين بالمدارس أنفسهم لتوفير مرتب دادة أو عامل بالمدرسة أو حارس أمن أو أي مصروفات تحتاجها المدرسة.
ومع استمرار الأوضاع المالية المزرية بالمدارس على ما هي عليه، تحولت التبرعات إلى القاعدة، كما اتسع نطاقها لتصبح وسيلة أساسية لتجهيز المدارس الجديدة التي تشيدها الوزارة لسد العجز في عدد الفصول، إذ ارتفع عدد المدارس الحكومية، ليصبح 49 ألفا و67 مدرسة بالسنة الدراسية الحالية، بزيادة قدرها 486 مدرسة مقارنة بالعام الذي سبقه، هذه الزيادة، وفي ظل ضعف الإنفاق على التجهيز، تضع العبء الأكبر على الأهالي لتجهيز الفصول لاستقبال أبنائهم.
وكانت "مدى مصر" نقلت عن والدة إحدى التلميذات بمدرسة الشهيد أحمد المنسي المتميزة لغات، التي افتُتحت مع بدء السنة الدراسية الماضية، لكن فصلها الذي يضم 40 طفلا لم يكن مجهزا تماما حتى بالأساسيات، فطلب أولياء أمور من عضو مجلس النواب بالمنطقة، للمساعدة في تكلفة تجهيز الفصل التي تجاوزت قدراتهم ، ووفر أثاث الفصل بالفعل، استمرت احتياجات مدرسة «المنسي» بعد تأثيث الفصل.
قدمت إدارة المدرسة قائمة طويلة ومتنوعة بطلبات المدرسة إلى أسر الأطفال، بعد أقل من شهر على افتتاحها، تضمنت: كاميرات، وتبليط المدخل، وشراء نجيلة للحديقة، ومراوح، ومبردات مياه، ودواليب خشبية للفصول، وكمساهمة من المدرسة، أوصلت الأهالي بالحاج عصام، مدير مدرسة سابق، ومورد دواليب خشبية ونجيلة صناعية حاليا، لكي يشتروا منه هذه الاحتياجات، بحسب الأهالي.
تبرعات إجبارية
لكن التبرعات لا تتوقف عند المدارس الجديدة، وإنما تمتد لمحاولات المدارس القديمة تحديث إمكانياتها. وفي خضم الأزمة الاقتصادية، وارتفاع نسب التحويل من المدارس الخاصة إلى نظيرتها الحكومية، وجدت إدارات تلك المدارس هدفا سهلا لجمع المزيد من التبرعات، فأصبح المتحكم في الأمر هو «ضمير المدير» فقط.
وفي بعض الأحيان يطلب بعض المديرين وبشكل غير رسمي مبلغا ماليا لقبول الطالب، وهذا فوق مجهود ولي الأمر.
وغالبا ما تشترط المدارس المتميزة التجريبية الحكومية لتحويل ملف الطلاب المحولين من المدارس الخاصة بدفع مبالغ كبيرة كتبرعات.
ومن باب «المشاركة المجتمعية» من أجل قبول الأبناء ، وقد تصل في بعض المناطق بالتجمع الخامس والشيخ زايد إلى 12 ألف جنيه من أجل توفير مكان للابن.
حيث تعرض إدارة المدرسة على أولياء الأمور قائمة مطالب لتمويلها، منها «بروجكتور» وماكينة تصوير وغيرها.
وذلك بالإضافة إلى المصروفات السنوية البالغة 2300 جنيه، فضلا عن 300 جنيه تبرع إجباري لصندوق «تحيا مصر»،
تُدفع كل عام مع المصروفات المدرسية عن طريق شبكة الدفع الإلكتروني «فوري».
يشار إلى أن مسؤولية توفير احتياجات المدارس بشكل عام ليست محصورة على الإدارات التعليمية فقط، لكنها تتوزع بين الهيئة العامة للأبنية التعليمية، التي تأسست عام 1988، بهدف تولي تخطيط وإنشاء وتطوير وتصميم وصيانة الأبنية المدرسية، أما الجهة الأخرى فهي المديريات التعليمية. تحديد المسؤوليات يكون وفقا لطبيعة المدارس، وطبيعة التجهيزات.
المدارس الجديدة هي مسؤولية «الأبنية التعليمية» من ناحية الإنشاءات وتوفير المقاعد والمعامل ومفروشات المدرسة، أما الوزارة فتتكفل بتوفير الأجهزة الإلكترونية وفقا لتصريحات يسري البدري، رئيس هيئة الأبنية، لكن في الوقت نفسه، يقول ذكري إن "تجهيزات المدرسة الأساسية هي مهمة هيئة الأبنية التعليمي «إحنا ممكن نصلح لمبة محروقة أو إزاز مكسور، لكن لو حاجات كبيرة ده بيكون دور هيئة الأبنية».
ولكن بسبب تعثر التمويل جعل كل إدارة ترمي المسؤولية على الأخرى، والمحصلة النهائية أن الأسر مستمرة في دفع مبالغ مالية بشكل دوري، فيما يطلب الطرفان من الأسر التقدم بشكوى ضد الإدارات المخالفة.
يكشف تقرير «المبادرة المصرية» أن الأسر المصرية تدفع حوالي نصف الإنفاق الإجمالي على التعليم، إذ تنفق الأسرة في المتوسط خمسة آلاف و 184 جنيها سنويا على تعليم الطفل الواحد، يذهب أكثر من ثلثها إلى الدروس الخصوصية.
انخفاض الإنفاق على التعليم في الموازنة العامة بشكل عام، وبالتالي ميزانيات المدارس مقارنة باحتياجاتها يفسر طلب التبرعات المتكرر منذ سنوات، وهو ما يُسبب زيادة التسرب من التعليم.
وهكذا يدمر تقشف السيسي على التعليم مستقبل أبناء مصر، بل الأدهى أنه يُطلب من وزاراتي التعليم والصحة حاليا، إحصاء عدد من مقارها وخدماتها لبيعها أو إشراك القطاع الخاص في إدارتها حاليا من أجل سد عجز الموازنة المزمن وزيادة إيرادات الموازنة التي لا تجد أي إيرادات ، حيث تبتلع فوائد الديون جميع مخصصات الموازنة وزيادة عليها لتصل 110% من الدخل القومي.