يشهد الشارع المصري حالة غير مسبوقة من الغضب والاحتجاج المكتوم على رفع أسعار جميع السلع والمنتجات من جانب حكومة الانقلاب والتي حولت حياة المواطنين إلى جحيم لا يطاق .
هذا الغليان اعترف به نواب برلمان السيسي، ما دفعهم إلى المطالبة بتأجيل قرارات رفع الأسعار، محذرين من أن هذا الغليان الشعبي يمثل أكبر تهديد لنظام الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي .
وطالب نواب السيسي بتأجيل الزيادة التي أقرتها حكومة الانقلاب في فواتير استهلاك الكهرباء بدءا من شهر يوليوالمقبل .
وشددوا على ضرورة تأجيل الزيادة ووقف تطبيق الشريحة الخامسة من برنامج رفع الدعم عن أسعار الكهرباء، المقررة منذ عام 2015، بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي من أجل تخفيف المعاناة عن المواطنين
وفي هذا السياق اعترف مصطفى بكري، المقرب من أجهزة أمن الانقلاب بأن الشارع يغلي من زيادة الأسعار التي أصبحت شديدة الأثر على المستهلكين من كل الطبقات الاجتماعية .
في المقابل تجاهلت حكومة الانقلاب نداءات الغرف الصناعية وجمعية رجال الأعمال، الذين طالبوا في خطابات رسمية بخفض أسعار الطاقة للمصانع أو محاسبتهم على الاستهلاك الفعلي بدلا من المحاسبة على قيمة الكميات المتعاقد على شرائها من شركات التوزيع بسبب توقف 88% من المصانع، في ظل تعطل واردات مدخلات الإنتاج من الخارج.
ورغم رفض حكومة الانقلاب الاستجابة لهذه المطالب إلا أن السيسي اضطر إلى الإعلان بنفسه عن تأجيل زيادات فواتير الكهرباء، زاعما أنه اتخذ هذا القرار من أجل استقرار البلاد وليس من أجل استمراره على الكرسي
الديون الخارجية
في هذا السياق كشفت مصادر رفضت الإفصاح عن هويتها، أن كثرة الديون الخارجية والمحلية على قطاع الكهرباء لتنفيذ محطات معطلة فعليا عن العمل تقف وراء إصرار حكومة الانقلاب على رفع أسعار الكهرباء .
وقالت المصادر إن "حكومة الانقلاب مجبرة على تنفيذ اتفاقها المسبق مع صندوق النقد الدولي ، ومن أجل ذلك تريد تحميل المواطنين مسئولية تدبير الموارد المالية لدفع قيمة الديون، بالإضافة إلى تخفيض بدلات التشغيل والحوافز والأرباح للعاملين في قطاع الكهرباء".
وأشارت إلى أن إجراءات حكومة الانقلاب في هذا الصدد جاءت للتمهيد لرفع الكهرباء من قوائم الدعم السنوي من دولة العسكر، مع تطبيق المرحلة السادسة والأخيرة لرفع أسعار الطاقة في مطلع يوليو 2024.
سلعة احتكارية
في المقابل انتقد عضو بجمعية رجال الأعمال عدم استجابة حكومة الانقلاب إلى مطالب المصانع والشركات بتأجيل رفع أسعار الطاقة، في وقت تواجه فيه المصانع الغلق الإجباري، بسبب وقف استيراد مستلزمات المصانع من الخارج، وتزداد الأسعار على المواطنين بما يفجر أزمة اقتصادية خانقة.
وكشف عضو جمعية رجال الأعمال الذي رفض ذكر اسمه، أن سبب ارتفاع أسعار الكهرباء والطاقة يرجع إلى استمرار حكومة الانقلاب في احتكار إنتاج الطاقة وبيعها للجمهور.
وأشار إلى أن حكومة الانقلاب تشكل مجلس إدارة جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك بقرار من رئيس وزراء الانقلاب، وبالتالي أصبحت هي صاحبة سلعة احتكارية، وتحدد الأسعار وفق رؤيتها ومصالحها الخاصة، بغض النظر عن تضرر الآخرين .
وحذر من أن الديون المتراكمة على قطاع الكهرباء سترتفع قيمتها خلال المرحلة المقبلة، مدفوعة بزيادة الفوائد البنكية، محليا ودوليا، مع زيادة تكاليف التشغيل والصيانة والعمالة والوقود، بما سيؤدي إلى استمرار الشركات في فرض الأسعار بدون سقف زمني.
تراجع الاستهلاك
وقالت مصادر بوزارة كهرباء الانقلاب إن "هناك حالة من التخبط والتناقض ففي الوقت الذي تعلن فيه الوزارة زيادة الإنتاج وأن هناك فائضا كبيرا تعجز عن تصريفه تلجأ إلى رفع الأسعار على المواطنين".
وأضافت المصادر أن التقارير الرسمية لمركز التحكم القومي في الطاقة التابع للشركة القابضة لكهرباء مصر، والتقرير اليومي لـ"مرصد الطاقة" الذي يصدره جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، كشف عن ارتفاع قدرات التوليد المركبة فعليا بمحطات الكهرباء بالبلاد إلى 60 ألف ميجاوات مع بداية العام الحالي.
وأشارت إلى أن مؤشرات إنتاج الكهرباء تؤكد وجود فائض ضخم من الكهرباء لا يحتاجه المستهلكون من كافة القطاعات ، حيث تبلغ نسبة الاستهلاك المنزلي 41.7% من قدرات التوليد الحالية، بينما يحتاج القطاع الصناعي لنحو 27.8%، والإدارات الحكومية والتجارية 8%.
وأكدت المصادر أن الفائض الكبير في الطاقة دفع وزارة كهرباء الانقلاب إلى وقف تشغيل المحطات العملاقة، التابعة لشركات الإنتاج الحكومية، التي أنفقت ما قيمته 32 مليار دولار على إنشاء بعضها وتطوير المتهالك منها، وعدم المساس بالامتياز الممنوح للشركة الألمانية بقرارات سيادية، مع صعوبة تصدير فائض الطاقة إلى الدول العربية، بسبب ضعف قدرات شبكات النقل، وعدم الانتهاء من بعض خطوطها التي تصل بين شبكات النقل في مصر والأردن والسعودية، وجنوبا إلى السودان.
محطات سيمنز
ولفتت إلى أن حكومة الانقلاب أوقفت العمل بمحطات توليد الكهرباء من الديزل والمازوت، وقامت بتعطيل العمل 3 أيام أسبوعيا في محطات التوليد العاملة بالغاز الطبيعي، بعدما تراجعت كميات الاستهلاك على مستوى الجمهورية بما يعادل 50% من قدرات التوليد المركبة على الشبكة الكهربائية الموحدة.
وكشفت المصادر أن وزارة كهرباء الانقلاب استثنت محطات التوليد الثلاث التي تديرها شركة سيمنز الألمانية في العاصمة الإدارية الجديدة والبرلس وشمال الدلتا وبني سويف بقدرات توليد 14 ألفا و800 ميجاوات، من برنامج الوقف الأسبوعي عن العمل، لتضمن للشركة الألمانية الحد الأقصى للتشغيل ودفع مستحقاتها المالية بالكامل وفقا للعقد المبرم بين كهرباء الانقلاب والشركة، والذي يقضي بتشغيل وإدارة المحطة وصيانتها وبيع الإنتاج الكلي للدولة قبل نقل ملكية أصولها للوزارة عام 2024 وتبلغ كلفة المحطات الثلاث 6 مليارات يورو، تصل إلى 8 مليارات يورو بفوائد القرض وقيمة التشغيل والإدارة والصيانة لمدة 8 سنوات، بدأت عام 2016.