في الوقت الذي باتت فيه كل القوى الوطنية مستاءة من إدارة ما يسمى زورا بالحوار الوطني، من إقصاء للقوى السياسية واختصاره فيما يخدم السلطة والنظام القائم فقط بلا احترام لقيم ومقدرات الوطن، تسارع الأجهزة الاستخباراتية والأمنية القريبة من السيسي، لتعظيم استفادة النظام من الحوار في قضايا محورية وحساسة، فإلى جانب تقليص مساحات المشاركة وحصرها في بعض قوى التيار المدني، وكثير من حلفاء النظام في 30 يونيو، الذي بات يسميهم النظام معارضين، ولم يُعرف عن كثير منهم أي معارضة حتى ولو شكلية، يصر النظام على عدم التقيد باستحقاقات الإفراج عن المحبوسين احتياطيا لسنوات وإطلاق سراح الصحفيين وأصحاب الرأي والمعارضين السياسيين الذين تعج بهم السجون، وسط عذابات جهنمية يلقونها، ويرفض السيسي مجرد التحاور حول مصيرهم.
ووسط المطالبات العديدة بأن يكون الحوار جادا وشاملا لكل قضايا الوطن، تتوالى الاستثناءات والاشتراطات والمحاذير التي يطلقها نظام السيسي بين كل ساعة وأخرى، فبات الحديث عن قضايا الأسعار والغلاء ممنوعة كونها من مثيرات الغضب الجماهيري، كما حظر الحديث عن سد النهضة ومياه النيل، كونها من القضايا المحظور الحديث فيها.
ومع الدناءة والمكر الاستخباراتي الذي يدير مصر، باتت أطراف داخل النظام الحاكم تسعى لتوريط المتحاورين ومن يطلق عليهم النظام معارضين ووممثلين للنقابات المهنية وغيرهم، في أن يكونوا غطاء لتمرير أجندة النظام الكارثية لبيع أصول الدولة المصرية تحت عناوين براقة، كتوسيع مشاركة القطاع الخاص في الاستثمارات وغيرها، كما تجلت دناءة نظام السيسي، في الاتجاه نحو توسيع مدد السيسي الرئاسية وإتاحة بقائه في سلطة منهوبة مدى حياته، عبر تعديلات دستورية تجري عملية هندستها، لتبدو وكأنها أحد مخرجات الحوار الوطني التي سيوافق عليها مجلس النواب، وتُمرر عبر استفتاء شعبي مضمون النتائج مسبقا ، وهو ما يمثل قمة إهدار للوطن وللحوار ولمقدرات الدولة المصرية.
واليوم ، كشفت مصادر مطلعة على المشاورات الأخيرة بين عدد من القوى والشخصيات المحسوبة على معسكر 30 يونيو التي باتت توصف بـ"المعارضين" أن الأيام الأخيرة شهدت بوادر توجه لإدخال تعديل محدود على الدستور ، ولكن بعكس ما تطالب به المعارضة.
ققد صدرت توجيهات لعدد من خبراء القانون والدستور بإعداد تصور لتعديل دستوري محدود متعلق بمدة الرئاسة، ليُفتَح بموجبها المجال أمام السيسي للترشح لأكثر من مدة واحدة كما ينص الدستور الحالي.
وفي بادئ الأمر، كان الحديث عن عدم المساس بالدستور خلال المناقشات الجارية بين مسؤولين في جهاز المخابرات العامة، وعدد من الشخصيات التي توصف بالمعارضة، حتى لا يُفتَح الباب أمام المساس بالمواد المتعلقة بصلاحيات السيسي ، ولكن بعد ذلك رأى فريق من المقربين من السيسي أن الحوار الوطني قد يكون فرصة ملائمة، لخطوة كان السيسي ينتظرها منذ جرت الموافقة على التعديلات الدستورية في 2019، وكان يتحين الوقت المناسب لها، وهي فك القيد عن مدد الترشح للرئاسة.
ووفق مصادر سياسية نقلت عنها صحف عربية، أن أحد المحيطين بالسيسي أشار عليه بفكرة تمرير التعديل الدستوري عبر الحوار الوطني، في ظل تجاوب القوى السياسية معه مقابل مكاسب غير مؤثرة على إدارة الدولة.
ووفق ذلك بات التفكير الحالي يتضمن تمرير بعض المواد الشكلية، حتى يبدو الأمر بأن التعديلات جاء بناء على مطلب من المعارضة.
فيما شهدت الأيام الماضية ما يمكن وصفه بعملية جس نبض لبعض السياسيين المشاركين في اللقاءات التمهيدية للحوار الوطني، بشأن تلك الخطوة، وإذا تم الاستقرار على تلك الخطوة ستأخذ مسارها الطبيعي بعد ذلك بحيث يُدفَع بها إلى مجلس النواب للموافقة عليها ثم طرحها للاستفتاء الشعبي.
وفي سياق أخر، تتصاعد بوادر ومؤشرات كثيرة تجعل القوى السياسية التي وافقت مبدئيا على فكرة الحوار الوطني، تتخوف من أنها مجرد مناورة يحاول النظام الحالي عبرها الخروج من مآزق اقتصادية، ومجتمعية وسياسية متعددة ويعتبرها فرصة لتحقيق ما يتصور أنها مكاسب سياسية أمام القوى الغربية بالأساس.
ويرى مراقبون أن الهدف الأساس من طرح مثل هذه الأفكار من قبل دوائر السلطة، جعل طموحات المشاركين من الطرف الآخر في الحوار، في أدنى مستوى ممكن، علاوة على منح نفسها المزيد من الوقت لكي تغيّر مواقفها في كثير من القضايا، وفقا للتطورات الإقليمية، والدولية؛ التي تتسارع بصورة ملحوظة، ووفقا للضغوط ، أوالتسهيلات التي تفرضها الأحداث وتؤثر صعودا وهبوطا في الاهتمام الدولي بالقضايا والشؤون المصرية والإقليمية.
يشار إلى أنه في 23 إبريل 2019، أيدت نسبة كبيرة من المشاركين في الاستفتاء الدستوري، على التعديلات الدستورية تمديد ولاية السيسي وتعزيز صلاحياته وسلطات الجيش، وسط حالة من الجدل الواسع. وشملت التعديلات وقتها المادة الـ 140 من دستور 2014، التي كانت تنص على أن ينتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة، وذلك قبل تعديلها لتصبح "ينتخب رئيس الجمهورية لمدة ست سنوات، ولا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين متتاليتين".
وشهد الأسبوع الماضي خلافا بين أحزاب الحركة المدنية الستة، وهي الدستور والكرامة والتحالف الشعبي والعيش والحرية والوفاق القومي والمحافظون من جهة، والقائمين على إدارة الحوار من جانب السلطة، من جهة أخرى، بسبب ما أسموه نهجا أحاديا اجتزأ ما تم الاتفاق عليه في جلسات التشاور، في أعقاب الإعلان من طرف واحد وبشكل مفاجئ لاسم المنسق العام للحوار، وهو نقيب الصحفيين ضياء رشوان، والأمين العام المستشار محمود فوزي.
المشاركة في نكسة بيع أصول مصر
أعلن وخلال الأسبوع الماضي، أعلن حزب الكرامة المصري، رفضه خطة الحكومة لبيع أصول الدولة، لسداد فاتورة الديون المتراكمة، معبرا عن قلقه من أن يتحول الحوار الوطني الذي دعا إليه السيسي إلى مجرد غطاء لعمليات بيع البلد، على حد وصف بيان للحزب.
وقال حزب الكرامة في بيانه إنه "بقلق بالغ، التصريحات الصادرة عن الحكومة مؤخرا بشأن ما تعتزم تطبيقه من إجراءات للتعامل مع الأزمة العنيفة التي يعيشها الاقتصاد المصري، في ظل المديونية الخانقة التي تلتهم بمفردها ما يزيد عن نصف موارد الموازنة العامة سنويا".
مشددا على أن السلطة الحالية تتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية في انزلاق الأوضاع إلى هذا الحد الخطر ، نظرا لأنها أعادت إنتاج نفس السياسات وبصورة أفدح وأكثر سفها، وضاعفت حجم الدين العام لأكثر من 400% خلال 8 سنوات فقط، وبددت أصولنا ومواردنا الإنتاجية، وطبقت إجراءات انكماشية قاسية تحملت فاتورتها الطبقات الأكثر فقرا، وتشوهت معها المؤشرات الكلية للاقتصاد، فاتسعت رقعة الفقر وازداد عمقه، وارتفعت معدلات البطالة والتضخم، وتراجعت قيمة العملة الوطنية إلى أدنى مستوياتها ما انعكس على انخفاض القدرة الشرائية للفرد والدولة.
وفي مؤتمر صحفي عالمي، أعلن مصطفى مدبولي عزم حكومته على بيع أصول مملوكة للدولة في قطاعات مختلفة وحساسة، وصلت إلى حد طرح المستشفيات والمدارس والمرافق العامة للدولة والموانئ للبيع تحت مسميات براقة كتشجيع الاستثمار وتعزيز دور القطاع الخاص.
يشار إلى أنه خلال أسبوع واحد فقط اقترض السيسي 3 مليارات ونصف المليار دولار من البنك الدولي والمؤسسة الإسلامية لتمويل التجارة، وقبلها بيوم واحد استدان السيسي بإصدار أذون خزانة قيمتها 24 مليار جنيه، فضلا عن عزمه الاقتراض من البنوك اعتبارا من الأسبوع الجاري 45.5 مليار جنيه.
وهو ما يؤكد استمرار النظام في نفس سياساته الكارثية للبيع والتفريط في أصول مصر للإنفاق بسفه ودون رقابة على مشاريع ترفيهية لا تهم المصريين ولا تحقق أي مكاسب اقتصادية، كمدنه الترفيهية بالعاصمة الإدارية التي يقترض لها السيسي 400 مليار جنيه ، فيما الشعب يأكل من القمامة ولا يجد أغلبه لقمة العيش.