أثار مقال الصحفي سلامة حربي بالأهرام "بلد شهادات والمحصلة صفر" بجريدة الأهرام أمس، غضبا علميا واسعا بمصر، خاصة في الأوساط العلمية والجامعية.
تحدث عن أن أغلب رسائل الدكتوراة والماجستير بمصر تأتي في تخصصات بلا أهمية ولا قيمة ولا فائدة منها، وهاجم الصحفي المقرب من الدوائر الأمنية، معدي الدراسات العليا في تخصصات التاريخ والجغرافيا والإعلام والفلسفة واللغات، بوصفهم لا فائدة منهم ، مستندا في حديثه هذا إلى ما قاله المنقلب السفيه السيسي سابقا متهكما على مطالبات حملة الماجستير والدكتوراة بالتعيين بالجهاز الإداري للدولة، واصفا دراساتهم بأنها غير ذات جدوى أو قيمة.
وهو ما وصفه خبراء بأنه استهانة بالعلم والعلماء إذ أن الدراسات الأدبية والفلسفية هي من تكمل البناء الخضاري وتهذب العلم والعلوم التجريبية.
المقال المنشور بالأهرام، في 18 يونيو الجاري، لسلامة حربي، يقول "لا يكاد يمر يوم إلا ونسمع ونقرأ عن مناقشة رسالة علمية "ماجستير أو دكتوراة" وفي بعض الأحيان يشهد اليوم الواحد مناقشة أكثر من رسالة، فأي باحث يستطيع أن يختار موضوع رسالته العلمية كما يشاء، ويفعل فيها ما يراه، طالما الهدف منها الحصول على ترقية، أو للوجاهة الاجتماعية، أو من أجل أن يقال "الدكتور راح الدكتور جه"، وتكون المحصلة النهائية أطنانا من رسائل علمية لا قيمة ولا وزن لها".
ويتابع متهكما "وللأسف الشديد السواد الأعظم من هذه الرسائل في تخصصات أكل عليها الزمن وشرب، ويأتي في مقدمتها الإعلام – علم النفس – الاجتماع – الفلسفة – الجغرافيا – القانون – المكتبات – اللغات، وغيرها الكثير من التخصصات التي لا تخدم خطط الدولة التنموية، ويكفي أن تعرف عزيزي القارئ، إنه وفقا لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تقدم حوالي 904 آلاف باحث وباحثة للحصول على الدبلوم والماجستير والدكتوراة خلال الفترة من 2009 وحتى 2020 في مختلف الجامعات وفي كافة التخصصات، من بينهم 1708 باحثين فقط في تخصص تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، هذا التخصص الذي أصبح عنوان العصر، وتحتاجه مصر في معظم مشروعاتها التنموية، وهناك طلب غير مسبوق وحاجة ملحة إلى خريجيه في مختلف المجالات".
وأردف "وهنا تحضرني كلمات جاءت على لسان الرئيس السيسي في أحد المؤتمرات الخاصة بالتعليم إذ قال "في بلادنا هناك من يحصلون على الماجستير والدكتوراة، لكنهم يحصلون عليها في معارف ليس لها مجالات عمل، مما يؤكد أن هناك فجوة كبيرة بين رؤية الدولة وخطتها للتنمية المستدامة 2030 وبين تطلعات واهتمامات الباحثين".
ومتناسيا أو متغافلا عن عدد علماء مصر الأشهر والأكفاء قال حربي "ولك أن تتخيل معي، لا أقول غالبية الباحثين البالغ عددهم 904 آلاف، ولكن نصفهم أي أن 452 ألف باحث وباحثة حصلوا على درجاتهم العلمية في تخصصات مطلوبة وحديثة مثل تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات – الطب النووي – تكنولوجيا الأنسجة – إدارة الأعمال – الجراحات الدقيقة – العلاج بالإشعاع – النانوتكنولوجي – الفيزياء النووية – علوم الفضاء – العلاج بالليزر – الهندسة الوراثية – الاستشعار عن بعد، وغيرها من التخصصات المطلوبة في سوق العمل محليا ودوليا، ساعتها بالتأكيد سنكون في "حتة تانية"، وسنكون قادرين على أن نلحق بركب التقدم في شتى المجالات، وسيكون لدينا خبراء في شتى المجالات يستطعيون مواصلة الإبحار بسفينة الوطن نحو بر الأمان، بدلا من هذه التخصصات التي لا جدوى منها ولا وظائف لها".
هجرة العلماء
وغاب عن الصحفي الذي يستند للسيسي في مقاله أن أغلب علماء مصر، باتوا يفضلون العمل والإقامة بل والهجرة والتجنس في أي دولة بالعالم إلا مصر ، وذلك بسبب غياب التقدير وانعدام الملاءمة المالية والمعيشية للعلم والعلماء بمصر.
ويأتي هجوم إعلام السفيه السيسي على الشهادات العلمية في سياق سيناريو تجهيل المجتمع المصري، الذي يتبعه السيسي لتطويع المصريين للاستبداد والقمع الذي يديره الانقلاب العسكري.
فحينما هاجمت الأذرع الإعلامية المقربة من السيسي اللاعب محمد الشوربجي ، مؤخرا، الذي فضل اللعب باسم المنتخب البريطاني على اللعب باسم منتخب بلاده مصر، كانت تنافح عن جرائم نظام السيسي الانقلابي، في حق أبناء مصر وخبراتهم.
بل إنه مع الانقلاب العسكري أهدرت قيمة العلم والعلماء والكفاءات بكافة أشكالها في مصر.
نزيف العقول
فمع تردي الأوضاع الاقتصادية وفي جميع المجالات بظل إعلام مضلل، يندفع المصريون لاسيما الشباب ومنهم الرياضيون نحو الهجرة ابتداء ثم التجنس بحثا عن الاستقرار في هجرتهم، للبعد عن وطن بات يعيش في أغلبه على تحويلات العاملين من أبنائه بالخارج، وهو ما دفع لاعب الإسكواش محمد الشوربجي نحو اللعب لصالح منتخب إنجلترا بحثا عما رآه مستقبله الرياضي الذي رآه في لاعبين مثل محمد صلاح.
ولا تقتصر هجرة المصريين على الرياضيين، بل قالت تقارير إن "تصنيف المهاجرين المصريين كان يتحدث منذ فترة عن أكثر من ٨٠٠ ألف عالم و خبير وطبيب و مهندس مصري هاجروا وتجنسوا بجنسيات ٥ دول هم أمريكا وكندا و بريطانيا وفرنسا وأستراليا، في وقت وصل فيه عدد المهاجرين للخليج نحو 4 ملايين من بين 10 مليون مهاجر مصري نصف الأربعة في السعودية وحدها ولو سمحت القوانين لتجنس المصريون بجنسيتها.
وفي هذا السياق، قال حساب (JAWDA) المنصة المعروفة على فيسبوك "قوة الجذب ليست في بلاد المهجر ولكن قوة الطرد في مصر، فلنعتبر ماحدث إنذارا لإنقاذ مابقي لدينا ليس فقط في الإسكواش والرياضة ولكن في العلوم والطب والمجالات الأخرى، فالعالم مفتوح ومن السهل اجتذاب الخبرات والمهارات، ولا تكفي المزايدات والشعارات لمنع هذا التحول القادم".
ووفق تقديرات، فقد استقال أكثر من ١١٥٣٦ طبيبا منذ أول ٢٠١٩ وحتى ٢٠ مارس الماضي ، وأخر ثلاث سنوات فقط هاجر منهم بلا عودة ما يقرب من ٦٠٠٠ طبيب إلى بريطانيا وألمانيا وكندا والباقي سافر للخليج.
إحصاءات كارثية
وتحتل مصر المرتبة الأولى في عدد العلماء بالخارج، طبقا للاتحاد العام للمصريين بالخارج.
و كشف الاتحاد أن 86 ألف عالم مصري يعيشون خارج حدودها، من بينهم 1883 عالما في مجالات نووية نادرة، و42 عالما مصريا في وظيفة رئيس جامعة، و3 علماء مصريين أعضاء في مجلس الطاقة الألماني الذي يتكون من 16 عضوا، و3 آلاف عالم مصري يقيمون في الولايات المتحدة الأمريكية في تخصصات مختلفة.
خرج هؤلاء العلماء من بلادهم ليتركوا مصر حسب منظمة الصحة العالمية الأولى عالميا في الإصابة بالتهاب الكبد الوبائي " سي " إذ يبلغ عدد المصابين بالفيروس 14% من إجمالي سكان مصر، وحسب تقرير للمنظمة نفسها فمصر هي الأولى عالميا في عام 2014 في الإصابة بإنفلونزا الطيور.
ولم تتصدر مصر قوائم الدول في المشاكل الصحية والعلمية فحسب، بل في المشكلات الاجتماعية كذلك، وذكر تقرير أعده مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، أن مصر هي الأولى عالميا في معدلات الطلاق بعد أن تزايدت نسبته من 7% إلى 40% خلال الخمسين عاما الأخيرة بعدد ثلاثة ملايين مطلقة.
وأوضحت محكمة الأسرة أيضا بأن حالات الطلاق تقدر بـ 240 حالة طلاق يوميا بمعدل حالة كل 6 دقائق، وبحسب إحصائية فإن مصر بها تسعة ملايين عانس من بينهم أربعة ملايين أنثى.
وذكرت دراسة أعددتها منظمة "إيرنست ويونغ" الاستشارية الدولية أن مصر تحتل المرتبة الأولى عالميا في فساد القطاع الخاص، و 44% من رؤساء الشركات الخاصة يمارسون نوعا من الفساد.
وبالنسبة للشباب -العامل الرئيسي في بناء الأمم وتقدم الحضارات- لم يعد سرا بعد أن نشرت "الهيئة الدولية لمكافحة المخدرات" تقريرها الذي حصلت فيه مصر علي المركز الأول عالميا في تجارة المخدرات، وتخطت النسبة المتعارف عليها (5 %) فحصلت على 7% مؤخرا.
وفي مجال الطرق والمواصلات أعلن رئيس الجمعية المصرية لرعاية حقوق ضحايا الطرق سامي مختار أن مصر هي الأولي عالميا في حوادث الطرق بنسبة تقدر بـ 14 ألف ضحية سنويا، و60 ألف مصاب.
إن مصر هي الأولى عالميا في نسبة ضرب الزوجات لأزواجهن، وقام مركز بحوث الجرائم التابع للأمم المتحدة برصد هذه الظاهرة، فاحتلت مصر المرتبة الأولى بنسبة 28% تلتها الولايات المتحدة بنسبة 23%.