دلالات تعيين رئيس القضاء العسكري نائبا للمحكمة الدستورية

- ‎فيتقارير

يحمل تعيين اللواء صلاح الرويني، رئيس هيئة القضاء العسكري، نائبا لرئيس المحكمة الدستورية كأول جنرال بالقوات المسلحة ينضم لتشكيل المحكمة، ويُعين نائبًا لرئيسها منذ إنشائها عام 1979م، كثيرا من الرسائل والدلالات. قد أدى الرويني الأحد الماضي ( 16 يوليو 2022) اليمين القانونية أمام الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا.

وكان الدكتاتور  المنقلب عبدالفتاح السيسي قد أصدر في 07  يوليو 2022م  قرارا بتعيين صلاح محمد عبد المجيد يوسف، نائبًا لرئيس المحكمة الدستورية العليا، دون توضيح اسم عائلة هذا القاضي «الرويني» ووظيفته الحالية كرئيس لهيئة القضاء العسكري، وهو ما كررته المحكمة الدستورية في بيان لها، الأحد، اكتفت خلاله بالإشارة إلى أنه بموجب قرار رئيس الجمهورية الأخير، أصبح تشكيلها متضمنًا جميع الجهات والهيئات القضائية.

وبحسب موقع "مدى مصر"، لم تتوفر معلومات عن اللواء صلاح الرويني قبل يناير 2018 عندما نقلت وسائل الإعلام الرسمية خبرًا مفاده إصداره قرارًا بحظر النشر في قضية الفريق سامي عنان بشأن ترشحه للرئاسة دون موافقة القوات المسلحة، وذلك بوصفه المدعي العام العسكري. وبعد تشكيل المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية في أكتوبر 2021، حرصت الصحف على كتابة اسمه ضمن رؤساء الجهات والهيئات الحاضرين.

الدلالة الأولى للقرار  هي تمدد  الهيمنة العسكرية على كافة مفاصل الدولة، وعسكرة المجتمع بكل هيئات ومنظمات ومؤسساته، كما تعتبر هذه الخطوة الغريبة والأولى من نوعها برهانا على إخضاع القضاء لسيطرة الجنرالات بشكل مباشر؛ ذلك أن الجيش يفرض وصايته فعليا على القضاء وكل مفاصل الدولة  لكنه كان يفرض عسكرته ووصايته على القضاء بشكل غير مباشر، أما اليوم وبعد تعيين الرويني نائبا للدستورية فإن الوصاية ستصبح سافرة ومباشرة دون اعتبار للرأي العام والأعراف القضائية المعمول بها؛ ذلك أن القضاء العسكري لا يعتبر أصلا هيئة قضائية بل  مؤسسة عسكرية تختص بالتحقيقات والمحاكمات الخاصة بأفراد المؤسسة العسكرية وفق القوانين العسكرية وليس القانون المدني، لكن التعديلات اللادستورية التي مررها السيسي في 2019 نصت على اعتبار المحاكم العسكرية هيئة قضائية. يخشى البعض من أن دخول لواء عسكري على تركيبة المحكمة قد يهدد طبيعة المحكمة ودورها. كما يوضح أن القضاء العسكري، حتى وإن نص الدستور على كونه جهة قضائية، إلا أنه يظل قضاءً يمارس اختصاصًا محددًا مرتبطًا بالأمور العسكرية، بعيدًا كل البعد عن اختصاص المحكمة الدستورية.

الدلالة الثانية، هي دفاع المحكمة الدستورية عن القرار؛  يقول المتحدث باسم «الدستورية»، المستشار محمود غنيم عن الرويني: «هو راجل محترم جدًا نعرفه شخصيًا»، وراح غنيم يدافع عن القرار  بوصفه رغبة ملحة من جانب رئيس المحكمة المستشار بولس فهمي الذي تم تعيينه رئيسا للمحكمة قبل شهور في ظروف غامضة؛ وأن رئيس المحكمة ـ هو من عرض على الرويني أن  يترك وظيفته كرئيس للقضاء العسكري وينتقل للعمل عضوًا بالدستورية، ليكون أحدث أعضائها في ترتيب الأقدمية وفقا لموقع "مدى مصر". وبعد موافقته، عرض رئيس المحكمة الأمر على الجمعية العامة للمحكمة، التي وافقت بالإجماع بعد أن اطلع قضاتها على «ملفه ورأي الجهات الأمنية فيه». «نطلع على الملفات السرية للمرشحين لعضوية المحكمة الدستورية ونختارهم على الفرازة لخدمة الوطن»، ويضيف: «لما أخدنا تهاني الجبالي من المحامين، كانت أول مرة، ولما أخدنا الدكتورة فاطمة الرزاز، عميدة كلية الحقوق، محدش فتح بقه»، يضيف غنيم، معتبرًا أن الحساسية التي تم تداول بها أمر تعيين قاضٍ عسكري بالمحكمة الدستورية من جانب رجال القضاء في الجهات القضائية الأخرى، غير مبررة»!.

الدلالة الثالثة،  أن تعيين الرويني نائبا للدستورية هو مجرد بداية، وسوف يتبع ذلك تعيين الكثير من الجنرالات في الهيئات القضائية المختلفة من اجل تكريس مخططات العسكرة الكاملة للمجتمع وجميع مؤسسات الدولة. ويؤكد المستشار أحمد عبد الرحمن، النائب الأول الأسبق لرئيس محكمة النقض، أنها «المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، وإنما سيتبعها تعيين قضاة عسكريين آخرين في المحكمة الدستورية»، موضحًا أن التعديلات الدستورية الأخيرة جعلت القضاء العسكري جزءًا من السلطة القضائية بضمه إلى المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية، وأعضائه شأنهم شأن باقي أعضاء مجلس الدولة أو محكمة النقض أو هيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة، ومن ثم لهم الحق في التعيين بالمحكمة الدستورية وهيئة المفوضين، بل ورئاستها أيضًا. وثمة شبه إجماع على أن انتقال العسكريين للعمل بالمحكمة الدستورية العليا يُنهي أي حديث عن استقلال المحكمة عن السلطة. فالتعديلات الدستورية الأخيرة منحت رئيس الانقلاب جميع الصلاحيات، فيما يخص شؤون القضاة من تعيينات وترقية وندب وخلافه. كما أنها جعلت القضاء العسكري هيئة قضائية تابعة للسلطة ممثلة في وزارة الدفاع من ناحية، حيث يعين وزير الدفاع رئيس هيئة القضاء العسكري وأعضائها، ومستقلة عن السلطة من ناحية أخرى، بوصفها جزءًا من المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية الذي يرأسه رئيس الجمهورية، غير أن الأخير لم يكتف بذلك، وإنما اختار نقل العسكريين إلى المحكمة الأعلى قدرًا في البلاد لضمان السيطرة الكاملة.

الدلالة الرابعة، هي الإقصاء المتعمد لكل من يتصل بقرابة لأي شخص عارض انقلاب السيسي؛ فالأولى بالتعيين  ـ وفقا لرئيس إحدى دوائر المحكمة الإدارية العليا ــ هو لرئيس هيئة المفوضين بالمحكمة وفقا لقانون المحكمة ذاته؛ وأن اللواء الرويني جاء إلى المحكمة على حساب الرئيس السابق لهيئة المفوضين بـ«الدستورية» نفسها، المستشار عماد البشري، نجل المستشار طارق البشري، النائب الأول الأسبق لرئيس مجلس الدولة ورئيس لجنة تعديل الدستور بعد ثورة 25 يناير. كان البشري الابن عليه الدور في الانتقال للتعيين بالمحكمة، قبل أن تعلن المحكمة، في فبراير الماضي، تصعيد المستشار عوض عبد الحميد بدلًا منه في رئاسة هيئة المفوضين، قائلة وقتها إن البشري قد غادر البلاد دون توضيح تفاصيل. ولم ينفِ غنيم أحقية المستشار عماد البشري في التعيين بالمحكمة، قائلًا إن القرار الجمهوري الخاص بتعيينه لم يصدر. «كان عندنا ثلاث درجات وطلبنا تعيينه واثنين آخرين»، يقول غنيم، مضيفًا أنه بمجرد خلو أي من مقاعد المحكمة، سيتم إدراج اسم البشري في المقدمة. وفيما لم يحدد المتحدث باسم المحكمة الدستورية أسباب ومعايير تفضيل الرئاسة والجمعية العامة للمحكمة لرئيس القضاء العسكري على رئيس هيئة المفوضين بها، يقول نائب رئيس مجلس الدولة إنه في ظل تفوق الرويني على منافسيه في كل ما يتعلق بالتحريات الأمنية، تظل إمكانية ترأسه، ومن سيأتي بعده من اللواءات، للمحكمة الدستورية العليا لعدة سنوات، أكبر من جميع قضاة المحكمة الحاليين.

يشار إلى أن المحكمة الدستورية نشأت في كنف السلطة وكان لها دور كبير في إجهاض التحول الديمقراطي في اعقاب ثورة 25 يناير، فهي من قضت بحل أول برلمان منتخب بنزاهة في تاريخ مصر، وكانت إحدى حصون الدولة العميقة التي تآمرت على الدستور وشاركت في الانقلاب عليه في يوليو 2013م، وتولي رئيس المحكمة رئاسة البلاد بعدما عينه وزير الدفاع قائد الانقلاب رئيسا للجمهورية في مشهد هزلي غير مسبوق ولا يوجد له مثيل إلا في جمهوريات الموز.