يوليو.. مراجعات “نجيب محفوظ” و«عودة الوعي» بخطورة حكم العسكر

- ‎فيتقارير

تحل حاليا الذكرى الـ"70" لانقلاب 23 يوليو 1952م، وهو الانقلاب الذي دبره حفنة من «الضباط الأشرار» بحسب وصف اللواء محمد نجيب، أول رئيس للدولة بعد الانقلاب في مذكراته، وبهذا الانقلاب على الحكم الملكي رغم فساده وضعفه إلا أنه أسس جمهورية الخوف وأدخل مصر في مرحلة جديدة من «الدكتاتورية العسكرية» التي تتعامل مع مصر بوصفها «ملكية عسكرية»، أو إقطاعية لا حق لأحد في حكمها وفرض إرادته عليها وعلى شعبها إلا الجيش.

أسفر الانقلاب عن طرد الملك فاروق وإنهاء حكم الأسرة العلوية التي حكمت مصر نحو "147" سنة (1805 ـ 1952)وبعد أن استقرت أوضاع الانقلاب أُعيد تشكيل لجنة قيادة الضباط الأشرار،  وأصبحت تعرف باسم مجلس قيادة الثورة وكان يتكون من 11 عضوا برئاسة اللواء أركان حرب محمد نجيب.

وقبل الانقلاب بشهور، في فبراير 1952 جيء بمهندس الانقلابات الأمريكية في الشرق الأوسط "كيرمت روزڤلت"؛ بدعوى مساعدة الملك فاروق علي إجهاض ثورة شعبية محتملة  لاحت بوادرها في الأفق، ورصدتها مكاتب المخابرات الأمريكية بالقاهرة؛ ولكن فاروق بدا عنيدا في التفاهم؛ قيل إنه تعرض لضغوط من أجل الاعتراف بإسرائيل لكنه أبى؛  فقرر الأمريكيون  ترتيب انقلاب عسكري يضمن المصالح الأمريكية في مصر والمنطقة وأهم هذه المصالح المشروع الصهيوني في فلسطين والمنطقة.

ورغم الجدل الذي يثور كل عام حول مآثر أو مثالب انقلاب 23 يوليو، وكيف حوّلت ديكتاتورية الزعيم الأوحد حال مصر إلى الأسوأ، لا تزال مصر تعيش توابعه الكارثية حتى اليوم؛ لأن انقلاب 03 يوليو 2013م الذي أجهض المسار الديمقراطي لم يكن إلا حلقة جديدة من حلقات الانقلاب القديم في 23 يوليو  الذي غرس في نفوس الجنرالات كبرا واستعلاء، وكرَّس في ضمائرهم الخبيثة أن مصر حكر عليهم لايحكمها غيرهم.

تجربة 23 يوليو وما جلبته على مصر من كوارث؛ دفعت أمير الرواية العربية نجيب محفوظ، لمراجعة مواقفه منها، وأجرى في بعض روايته محاكمة علنية للدكتاتور جمال عبدالناصر. فمحفوظ الذي كان يحلم بتحقق العدالة الاجتماعية، التي ناقشها في بعض أعماله قبل يوليو 1952، كرواية "القاهرة الجديدة" 1945 و "بداية ونهاية" 1949، كان كاتبا مرموقا، وصرح أكثر من مرة أنه ينتمي إلى (ثورة يوليو)، وينتقدها من الداخل حرصا عليها. لكنه في ذات الوقت كان دوما يتحاشى الصدام مع فاشية العسكر التي لا تصون ودا ولا ترحم مؤيدا حاد عن التطبيل، أو بمعنى أدق يخشى غدرهم وبطشهم، وكان كلما ألف عملا فيه شيء من النقد حاصرته الوساوس والهواجس،  واستحوذت عليه المخاوف خشية التنكيل به أو الانتقام منه.

 

عودة الوعي!

الانتقاد الصريح للديكتاتور عبد الناصر وانقلابه، جاء في رواية "أمام العرش" التي كتبها محفوظ في العام 1983، حيث يقف حكام مصر أما عرش "أوزرويس" رب العالم السفلي ورئيس المحكمة الأخروية، التي تبرئ أو تدين، حسب أعمال كل منهم، بداية من مينا وحتى السادات. وفي الرواية يتحدث الملك الفرعوني رمسيس الثاني عن الديكتاتور عبد الناصر الواقف أمامهم، يقول رمسيس الثاني "كلانا يُشع عظمة تملأ الوطن وتتجاوز الحدود، وكلانا لم يقنع بأعماله المجيدة الخالدة، فأغار على أعمال الآخرين ممن سبقوه". ويُشير محفوظ هنا إلى تعمد عبد الناصر تجاهل ثورة 1919، ويُضيف تحتمس الثالث "على الرغم من نشأتك العسكرية فقد أثبتّ قدرة فائقة في كثير من المجالات إلا العسكرية"، وهي إشارة للهزائم العسكرية التي لحقت بعبد الناصر، فهو العسكري الذي لم يكسب معركة واحدة رغم كل هذا الصخب الذي يدور حوله". تماما كالدكتاتور الحالي عبدالفتاح السيسي الذي حظي برتبة "مشير" رغم أنها لا تمنح إلا للقادة الذين انتصروا في معركة عسكرية كبرى ضد الأعداء ولم يعرف عن السيسي أنه خاص حربا قط  سوى ضد الشعب المصري حيث قتل عشرات الآلاف وسحق مئات الآلاف من أجل تحقيق أطماعه في السلطة والحكم.

وبالطبع ما مصير شعب يحكمه حاكم مهزوم، إلا التنكيل به، وهنا يأتي دور مصطفى النحاس، فيضيف "أغفلت الحرية وحقوق الإنسان، ولا أنكر أنك كنت أمانا للفقراء، ولكنك كنت وبالا على أهل الرأي والمثقفين وهم طليعة أبناء الأمة، انهلت عليهم اعتقالا وسجنا وشنقا وقتلا، حتى أذللت كرامتهم وأهنت إنسانيته، ليتك تواضعت في طموحك، إن تنمية القرية المصرية أهم من تبني ثورات العالم. إن تشجيع البحث العلمي أهم من حملة اليمن، ومكافحة الأمية أهم من مكافحة الإمبريالية العالمية، وا أسفاه لقد ضيعت على الوطن فرصة لم تُتح له من قبل".

ووفقا للكاتب اليساري الراحل صلاح عيسى، فإن "نجيب محفوظ كان يعيد تقييم تأييده ودفاعه عن (ثورة يوليو)، من خلال منظار هزيمة يونيو، أو أنه جاء الوقت المناسب، فيصبح تأميم القناة خسارة فادحة لمصر، لأنه أدخلها في صدام مباشر مع القوى الكبرى وصفقة الأسلحة التشيكية يقول محفوظ إنه أيدها عن جهل، قد أضرت بمصر؛ لأنها أحدثت استقطابا دوليا عقد الصراع العربي الصهيوني".

وفي الأخير يرى محفوظ أن "23 يوليو لم تكن ضرورة، ولو أن حكومة الوفد الأخيرة، التي أُقيلت في أعقاب حريق القاهرة في يناير 1952 استمرت في الحكم لمدة خمس سنوات فقط، لحققت كل ما تشدق به الانقلاب، ولتجنبت كل كوارثه".

ولأن مصر هي أكبر الدول العربية فإن وقوع الانقلاب العسكري فيها ونجاح صغار ومتوسطي الرتب في الجيش المصري من الاستيلاء على السلطة فيها وإرغام الملك فاروق على التنازل عن العرش لابنه أحمد فؤاد ربما قد شجع باقي الضباط العرب في التفكير في القيام بانقلابات عسكرية مماثلة في عدد من الدول العربية".

وقد برهنت التجارب والأحداث أن هذه الانقلابات العسكرية التي ابتليت بها الأمة منذ منتصف القرن الماضي، وألبسها الضباط زورا لباس الثورات كانت أشد خطرا  على الأمة وأمنها القومي من مخاطر الاحتلال  ذاته؛ فقد تخلفت الأمة بفعل الاستبداد والطغيان، وباتت عالة على كل الأمم، نستورد كل شيء ولا نقدم للبشرية شيئا له قيمة أو جدوى؛ وحتى الإسلام وهو الشيء الوحيد الذي يمكن أن نقدمه للعالم بوصفه الدين الأرقى والأكثر سموا ورقيا ويعلي من شأن العقل والإنسان تشن هذه النظم العسكرية عليه وعلى علمائه ودعاته حروبا لا تتوقف؛ ويتم التنكيل بهم ظلما وعدونا على مدار عقود طويلة. فهذه الانقلابات العسكرية كانت كلها وبالا  أنكهت الأمة وجعلت بأس بعضها (الجيش) على بعض (الشعوب) شديدا. وما زالت العلاقة التي تحكم العسكر بالسياسة تمثل العقبة الكؤود أمام  أي تحول ديمقراطي حقيقي وجاد. فقد تفرغوا للحكم وأعمال البيزنس والصفقات وأهملوا العلوم العسكرية، واختطفوا الدولة بكل مؤسساتها من أجل خدمة أجندة رعاة الخارج وكبار الجنرالات والضباط الذي يتمتعون وأسرهم بكل الامتيازات بينما يئن معظم الشعب من الجوع والفقر والحرمان.