تسود حالة من السخرية والتهكم في الأوساط الأكاديمية والعلمية بعد تلقي الأساتذة منشورا حكوميا يفيد برفع رواتب أعضاء هيئة التدريس بقيمة متدنية للغاية تدور بين 100 إلى 550 جنيها على المرتب الشهري؛ رغم أن الغلاء يتواصل بصورة كبيرة للغاية حتى بلغت مستويات التضخم نحو 50% عما كانت عليه العام الماضي بعيدا عن أرقام ونسب الحكومة المضروبة والملعوب فيها على الدوام.
الزيادات، جاءت وفق منشور حمل رقم (2545) من مكتب رئيس الوزراء بحكومة الانقلاب الأحد 25 يوليو 2022، بنحو 100 جنيه للأستاذ المتفرغ، و200 جنيه للأستاذ المساعد والأستاذ المساعد متفرغ، و250 جنيها للمدرس والمدرس المتفرغ، و350 جنيها للمدرس المساعد، و550 جنيها للمعيد (الدولار=19.86 جنيه). القرار الذي يأتي تحت بند حافز الجودة والتفرغ العلمي، ينطبق على 27 جامعة حكومية وجامعة الأزهر إلى جانب الهيئات التعليمية ومراكز الأبحاث الحكومية. أساتذة وأعضاء هيئات تدريس بجامعات حكومية سخروا من قيمة تلك الزيادة المقرر تنفيذها في تموز/ يوليو الجاري، مؤكدين أن نسبة 35 بالمئة منها سوف يجري خصمها منها ما بين تأمينات اجتماعية وضرائب، مؤكدين أن قيمة الزيادة لن تتعدى الـ65 جنيها للأستاذ وأقل من 400 جنيه للمعيد.
ويعاني الأكاديميون والعلماء بالجامعات المصرية من إهمال جسيم من جانب النظام العسكري وأجهزته الأمنية التي تضرب حصارا أمنيا على الجامعات وتبسط سيطرتها على جميع مفاصل العملية التعليمية داخل الجامعات، ويشكون كثيرون من وجود الرقيب الأمني على كل تحركاتهم في الداخل وخارج البلاد وسفرهم الذي يجري بإذن أمني، إلى جانب الرقابة على كل ما يقولونه داخل المدرجات أو ينشرونه من أفكار وكتب وأبحاث. ومنتصف العام الماضي، صدر أمر حكومي لرؤساء الجامعات والعمداء بالإبلاغ عن المعارضين للنظام داخل هيئة التدريس، وهو ما كشف عنه اجتماع للمجلس الأعلى للجامعات (حكومي) 27 تموز/ يوليو 2021.
وفي المقابل، يمنح النظام الحاكم العسكريين مجموعة غير مسبوقة من الامتيازات المادية ورفع الرواتب وزيادة المخصصات والمنح والمكافآت وتمييزهم على كافة فئات المجتمع، مع منح امتيازات عديدة لرجال الشرطة والقضاة، وذلك طوال نحو 9 سنوات ومنذ اللحظة الأولى للانقلاب العسكري في 3 تموز/ يوليو 2013، وحتى اليوم. وفي 5 يوليو2022، نشرت الجريدة الرسمية قرار السيسي الذي يقضي بمنح خريجي الكليات العسكرية درجات الليسانس والبكالوريوس المماثلة في الكليات المدنية. ومطلع تموز/ يوليو الجاري، أثارت تسريبات صحفية عن إقرار السيسي صلاحيات وامتيازات غير مسبوقة لضباط الجيش وأفراده وعائلاتهم ومن هم في سن المعاش.. تضعهم فوق أي جهات أخرى مثل الشرطة والقضاء وجهات الرقابة الإدارية، وغيرهما.
وبحسب نتائج استبيان خاص بأجور أساتذة الجامعات الحكومية في 12 دولة عربية أجراه موقع "الفنار للإعلام"، في كانون الثاني/ يناير 2014، فإن أجور الأساتذة بلبنان ودول الخليج هي الأعلى، بينما في مصر واليمن والمغرب، لا يقترب أعلى أجر للأستاذ الجامعي من الحد الأدنى اللازم لتخطي مستوى الطبقة المتوسطة. ويعاني التعليم الجامعي المصري من أزمات عديدة تسببت في تراجع جامعاته في التصنيفات العالمية للتعليم والجامعات. ووفق تصنيف "سيماجو" الإسباني لعام 2022، وفقا لأداء البحث، ومُخرجات الابتكار، والتأثير المجتمعي، فقد حلت جامعة القاهرة بالمركز الـ(456) عالميا وذلك على مستوى (8084) جامعة ومؤسسة بحثية عالميا، تليها عين شمس بالمركز الـ(578) عالميا، ثم الإسكندرية (593)، والمنصورة (606)، والزقازيق (615) عالميا. وفي 28 كانون الثاني/ يناير 2021، ورغم أن تصنيف "بوميتركس" العالمي السنوي لتصنيف الجامعات بالعالم، ضم 72 جامعة مصرية، فإن أيا منها لم تظهر بقائمة أفضل 500 جامعة، إذ حلت جامعة القاهرة الأولى مصريا والرابعة عربيا بالمركز الـ551 عالميا.
فوضى غير مسبوقة
وكان الدكتور محمد أبو الغار، أستاذ التوليد وأمراض النساء بكلية الطب بجامعة القاهرة ومدير المركز المصري لأطفال الأنابيب بالقاهرة، والرئيس السابق للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي كتب تدوينة عبر صفحته الحاصة على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك وصف ما يحدث بالجامعات المصرية بـ"الفوضى العارمة" التي تجتاح الجامعات منذ أكثر من عام، بسبب السيطرة الأمنية على الحياة الأكاديمية والسياسية في مصر.
وكتب أبو الغار، وهو أحد اقطاب التيار العلماني المؤيد بقوة للانقلاب العسكري وذبح التيار الإسلامي الديمقراطي، منشوراً عن بعض وقائع الفوضى في جامعة القاهرة، وقال إنها لم تحدث في الجامعات المصرية منذ إنشائها، ففي جامعة القاهرة "رئيس الجامعة انتهت مدة خدمته منذ أكثر من عام ولم يجدد له ولم يعين بدلاً منه ويقوم الآن بوظيفة اسمها قائم بالأعمال، وعميدة كلية الطب انتهت مدة خدمتها وبلغت 60 عاماً وما زالت مستمرة أكثر من عام في عملها وثبت أن قراراتها غير قانونية بعدما حكمت المحكمة الإدارية العليا بذلك بخصوص قرار يخص وكيلة الكلية"، وأوضح أبو الغار، أن هذا الحكم يعني أن جميع قرارات رئيس الجامعة والعميدة غير قانونية لمدة أكثر من عام. وتابع أبو الغار: "علمت أن هذا الوضع موجود في كليات كثيرة وجامعات كثيرة، سألت عن السبب فقيل إن الأمن هو المسؤول عن تعيين الوظائف الأكاديمية وإن الأمن غير متفرغ لهذا الموضوع منذ أكثر من عام". وأنهى أبو الغار منشوره الذي حظي بتفاعل وتداول واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، بـ"هذه الفوضى العارمة لم تحدث في تاريخ الجامعة المصرية منذ إنشائها أكثر من 100 عام".
وتعاني الجامعات العامة في مصر من مشكلات جمة ترتبط بتعيين القيادات الجامعية بقرارات يصدرها رئيس الجمهورية، ويمكن تلافي هذه المشكلات إذا ما أوقفت السلطة التنفيذية تدخلاتها في شؤون الجامعات، وأتيحت الفرصة للمجتمع الأكاديمي لإدارة وتحديد طريقة تعيين القيادات الجامعية.
يشار إلى أن التعديلات التي أدخلت على قانون تنظيم الجامعات ساهمت في إطلاق يد إدارات الجامعات في فصل وتوقيع العقوبات التأديبية القاسية على الأساتذة، وكان آخر هذه التعديلات تصديق السيسي على قانون رقم 152 لسنة 2019، بتعديل بعض مواد قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972.
واستهدفت التعديلات، في المواد من 103 إلى 112 الخاصة بتأديب أعضاء هيئة التدريس، توسيع السلطة التأديبية الممنوحة لرؤساء الجامعات وتشديد العقوبات التي تصل إلى الفصل من الوظيفة والحرمان من المعاش، والوقف عن العمل لمدة ثلاثة أشهر إذا اقتضت مصلحة التحقيق ذلك، وهي المادة التي يُستنَد إليها في قرارات الوقف عن العمل المتكررة للأساتذة. ففي عام 2014، صدر القرار بقانون رقم 52 لسنة 2014 بتعديل بعض أحكام قانون تنظيم الجامعات، حيث تم تغيير نظام اختيار رؤساء الجامعات من الانتخاب إلى التعيين، ليكون بقرارات صادرة عن رئيس الجمهورية، وبعد العرض من وزير التعليم العالي. ويتم التعيين من بين ثلاثة أساتذة تُرشحهم لجنة متخصصة على ضوء تقديمهم مشروع تطوير للجامعة. كما مُنح رئيس الجمهورية صلاحية إقالة رئيس الجامعة قبل نهاية مدة تعيينه، بناءً على طلب المجلس الأعلى للجامعات، وذلك إذا أخلَّ بواجباته الجامعية أو بمقتضيات مسؤولياته، ما ترتبت عليه تدخلات أمنية عرقلت تعيين رؤساء جامعات بسبب انتماءاتهم السياسية.
وامتد التعيين كذلك إلى مناصب عمداء الكليات والمعاهد، ليكون بقرار من رئيس الجمهورية، بناء على عرض وزير التعليم العالي، من بين ثلاثة أساتذة ترشحهم لجنة متخصصة في ضوء مشروعٍ لتطوير الكلية أو المعهد، يتقدم به طالب الترشيح. وقد ترك القانون الجانب الإجرائي والتنظيمي لعمل هذه اللجان لوزارة التعليم العالي. وتخالف هذه التعديلات بتعيين القيادات الجامعية المادة (21) من الدستور التي تنص على أن تكفل الدولة استقلال الجامعات، والمجامع العلمية واللغوية، إذ إن استقلال الجامعات يتضمن ألا تتدخل الدولة أو أي جهة أخرى في الشأن الإداري للجامعة وطريقة اختيار مناصبها القيادية.
واعتبرت مؤسسة حرية الفكر والتعبير، في تقرير لها عام 2021، أن التعديلات بجملتها تهدف إلى تضييق الخناق على حرية أساتذة الجامعة في التدريس والنشر والبحث من ناحية، وحريتهم الشخصية في التعبير عن مواقفهم في مختلف الموضوعات من ناحية أخرى. كما أحكمت هذه التعديلات سيطرة السلطة التنفيذية على الجامعات، حسب تقرير صادر عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير عام 2021م.