أزمة محصول القمح.. سعر استرشادي غير محفز وفساد بمليار جنيه في التوريد

- ‎فيتقارير

في اجتماعها الأربعاء 31 أغسطس 2022م، قررت حكومة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي تحديد ألف جنيه كسعر استرشادي لأردب القمح  لتحفيز الفلاحين على زراعة المحصول الإستراتيجي العام المقبل؛  وهو السعر الذي يزيد قليلا عن سعر توريد الأردب العام الحالي والذي يقدر بحوالي 885 جنيها.

السعر الذي حددته حكومة الانقلاب هذا العام للأردب يعني أن سعر طن القمح يبلغ 6666 جنيهًا، ارتفاعًا من 5800 جنيه للطن العام الماضي. أما في السوق العالمي، فيبلغ سعر طن القمح، اليوم (بداية سبتمبر 2022)، حوالي 330 يورو، بما يُعادل حوالي 6350 جنيهًا للطن (وفقًا لمتوسط سعر صرف اليورو عند 19.23 جنيه، في السوق المحلي بحسب بيانات المركزي الأربعاء الماضي). لكن، من جهة أخرى، تشير تقديرات إلى أن سعر العملة المحلية سينخفض مقابل اليورو لتصل إلى 19.72 جنيه العام المُقبل، ما يعني أن سعر الطن بالعملة المحلية سيصل إلى 6510 جنيهات، حال عدم ارتفاع سعر طن القمح عالميًا. هذا يعني أن الفارق بين السعر العالمي والسعر المحلي سينخفض على أقل تقدير إلى نحو 100 جنيه فقط للطن، وهو ما اعتبره أحد المزارعين بمحافظة الدقهلية، محمد الجوهري، غير كافٍ لتحفيز الفلاحين وفقا لموقع مدى مصر.

بيان مجلس الوزراء بحكومة الانقلاب وصف السعر بالمشجع لزراعة القمح وتوريده، لكن الفلاحين يرون غير ذلك ويؤكدون أنه أقل مما كانوا يتوقعون؛ ذلك أن الحكومة رفعت سعر التوريد بنسبة 13%  بينما وصل التضخم فعليا إلى نحو 14.6% وقد يرتفع خلال الشهور المقبلة بما هو أعلى من ذلك بكثير ما يعني أن السعر الذي وضعته الحكومة لم يضع في الاعتبار ارتفاع معدلات التضخم من جهة وارتفاع تكاليف الإنتاج من جهة أخرى.

أما الجوهري، فقال إن إغراء الفلاحين لزراعة القمح يأتي بعرض سعر متناسب مع مصاريف الزراعة. «لو الحكومة ما رفعتش السعر النهاردة قبل بكرة لـ1200 أو 1300 جنيه للأردب، مش هتلاقي السنة الجاية محصول قمح عشان تبقى تفكر وقتها ترفع سعر توريده». وأشار الجوهري إلى أن العائد من زراعة القمح أقل بكثير من العائد من زراعة محاصيل أخرى تُزرع في نفس الموسم، مثل الكتان أو البنجر، اللذين يتطلبان أيضًا عمالة أقل ومصاريف زراعية أخف، ما يزيد من جاذبيتهما للفلاحين، ويُبعد المزارعين عن القرارات الحكومية المفاجأة بإلزام المزارعين بتوريد جزء من المحاصيل لهم.

 

تلاعب بأرقام التوريد

وكانت بيانات رسمية حول توريد القمح  أظهرت اختلاف الأرقام الرسمية لكميات القمح التي جمعتها الحكومة من المزارعين، عن الأرقام الواردة في تصريحات مسؤولي وزارة التموين وعلى رأسهم الوزير، علي المصيلحي. وأعلنت غرفة صناعة الحبوب، 16 أغسطس الماضي، أن الحكومة جمعت ما يتجاوز أربعة ملايين طن قمح محلي هذا الموسم، في تأكيد لتصريحات مصيلحي الذي سبق وأشار، في يوليو الماضي، لتجاوز المحصول المورّد للوزارة أربعة ملايين طن. لكن بيان رسمي صادر عن الهيئة القومية لسلامة الغذاء، أظهر أن الكميات التي جمعتها الوزارة منذ بداية الموسم، في أبريل الماضي، وحتى 17 أغسطس 2022، لم تتجاوز 3.8 مليون طن.

 كانت «التموين» تطمح، مطلع العام، في جمع ستة ملايين طن من القمح المحلي، للاستغناء عن جزء من القمح المستورد، الذي ارتفعت أسعاره بشكل مضطرد إزاء الغزو الروسي لأوكرانيا. وفي سبيل ذلك، مدّت الوزارة موسم الحصاد حتى نهاية أغسطس، بدلًا من انتهائه في يوليو مثل كل عام.

طريق الوزارة لجمع القمح المحلي كان مليئًا بالعقبات، إذ امتنع عدد كبير من المزارعين عن توريد المحصول، رغم إلزام الحكومة لهم بالتسليم، وتلويحها بعقوبات تصل إلى الحبس بحق الممتنعين عن التوريد. لكن الفرق بين سعري القمح العالمي وبين السعر الذي عرضته الحكومة لشراء المحصول المحلي من المزارعين خلق ثغرة نفذ منها القطاع الخاص لشراء القمح المحلي، رغم منعهم قانونيًا من ذلك.

وخلال أشهر الحصاد، انخفض معدل التوريد المحلي، فخفضت «التموين» مستهدفها إلى خمسة ونصف مليون طن فقط. ورغم ذلك، بلغت كميات القمح المحلي الذي حصلت عليه الوزارة حتى منتصف يونيو الماضي 3.7 مليون طن. زادت بأقل من 100 ألف طن خلال الشهر التالي.

 

فساد بمليار جنيه!

تضارب المعلومات لم يتوقف عند كميات القمح الموردة فقط، لكنه وصل إلى المبالغ التي دفعتها الحكومة للمزارعين مقابل القمح، والتي صرح المصيلحي أكثر من مرة بأنها بلغت 23 مليار جنيه، مقابل أربعة ملايين طن قمح وردها المزارعين، ما يعني أن سعر الطن بلغ خمسة آلاف و750 جنيهًا، وهو أقل بـ50 جنيهًا من المتوسط الذي حددته الحكومة من قبل. إن كانت الحكومة لم تجمع سوى أقل من 3.8 مليون طن، وسددت مقابل أربعة ملايين طن، فهذا يعني أنها صرفت ما يقرب من مليار جنيه مقابل كميات قمح لم تورد.

 تصريحات مصيلحي غير الدقيقة، امتدت ــ بحسب موقع مدى مصر" ـ  إلى المساحات الزراعية الجديدة، والذي أكد أنها ستوفر 2 مليون طن قمح خلال العام المقبل، من مشروعي توشكى ومستقبل مصر فقط. بحسب تصريح سابق للمستشار العلمي لمشروع مستقبل مصر، تبلغ مساحات محصول القمح في مشروع مستقبل مصر 40 ألف فدان فقط. وبالنسبة لمشروع توشكى، فبحسب تصريحات مستشار وزير الزراعة، نعيم مصيلحى، زرعت الحكومة فيه 30 ألف فدان قمح، وانتهت من تجهيز 100 ألف فدان للزراعة بشكل عام، فيما تعمل على تجهيز 100 ألف فدان أخرى بنهاية العام، ما يعني أن إجمالي المساحة المستصلحة أو التي اوشكت على الاستصلاح في المشروعين ستكون 270 ألف فدان فقط.  بفرض أن المساحة المستصلحة كاملة ستخصص لزراعة القمح فقط، وبمتوسط إنتاجية يبلغ 3 طن قمح لكل فدان، فإن إجمالي كميات القمح المنتجة من المشروعين لن تتجاوز 810 ألف طن، وهو أقل من نصف المستهدف الذي أعلن عنه مصيلحي.