تعويم كلي أم تدريجي.. أزمة الدولار تضع السيسي بين نارين.. و«رويترز» تشرح الموقف

- ‎فيتقارير

خلال تسع سنوات   فقط تلقى الدكتاتور عبدالفتاح السيسي مساعدات خليجية تزيد على 70 مليار دولار ، واقترض أكثر من 125 مليار دولار أخرى من مؤسسات التمويل الدولية والحكومات الأجنبية، بخلاف إيرادات مصر السنوية من الدولار من خلال مصادر الدخل القومي (السياحة ـ قناة السويس ــ التصدير ــ تحويلات المصريين بالخارج)والتي تزيد على 75 مليار دولار سنويا على أقل تقدير؛ معنى ذلك أن السيسي حصل فعليا على نحو تريليون  منذ انقلابه المشئوم بخلاف نحو أربعة تريليونات جنيه ديونا محلية حصل عليها خلال نفس الفترة؛ ورغم هذه الأموال الطائلة التي لم يحصل عليه نظام مصري من قبل خلال مثل هذه الفترة الصغيرة إلا أن الفشل في إدارة موارد الدولة على نحو صحيح والتوسع في الاقتراض والهوس بالمشروعات المعمارية العملاقة والإسراف ببذخ شديد على هذه المشروعات رغم عدم وجود دراسات جدوى لها باعتراف السيسي نفسه؛  كل هذه العوامل أسقطت مصر في ورطة كبرى، ورغم تبني النظام العسكري سياسات وفلسفة صندوق النقد الدولي منذ اتفاق القرض الأول في نوفمبر 2016م إلا أن هذه السياسات دفعت معدلات الفقر إلى الارتفاع بشكل جنوني، ولا تزال هذه السياسات تدفع مصر نحو الإفلاس بشكل فعلي رغم إمكاناتها العالية وثرواتها الضخمة.

ومع تداعيات  تفشي جائحة كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا وارتفاع تكلفة فاتورة الاستيراد خصوصا في السلع الغذائية؛ وهروب أكثر من عشرين مليار دولار من الأموال الساخنة خلال الشهور الأولى من 2022، أدى ذلك إلى شح الدولار على نحو مفزع؛ وفي محاولة للحد من الأزمة  أصدر البنك المركزي في فبراير 2022قرارا وضع قيودا على الاستيراد للحد من استهلاك العملة الصعبة، لكن ذلك أدى إلى شلل في الأسواق وتعطل استلام شحنات البضائع في الموانئ وتوقف كثير من المصانع  والشركات وتجار التجزئة عن العمل.

 

تعويم كلي أم تعويم مدار؟

أقيل طارق عامر في منتصف أغسطس 2022 وجيء بحسن عبدالله رغم اتهامات الفساد التي تلاحقه؛ وسط توقعات بأن الهدف من هذا التغيير هو الاستعانة بمن هم أكثر خبرة ودراية لإدارة الملف المالي الذي يعاني من تدهور حاد. وترى وكالة «رويترز» للأنباء  أن السلطات النقدية والمالية في مصر تفاضل حالياً بين خيارين للتعامل مع أزمة العملة، في محاولة للتوصل إلى سعر أقرب لقيمة الجنيه الحقيقية، يسهل مهمتها عند التفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد.

وتؤكد رويترز أن حكومة السيسي حائرة بين إجراء تخفيض تدريجي للعملة المصرية أمام الدولار، وخفضها بشكل حاد، مثلما فعلت في أزمتها السابقة، التي انتهت بفقدان العملة المصرية أكثر من نصف قيمتها، مشيرةً إلى وجود مخاطر وتبعات لكل خيار.  وتضيف رويترز أن القائم بأعمال محافظ البنك المركزي يمضي على خطى سلفه طارق عامر في تبني تخفيض تدريجي للجنيه مقابل الدولار، وهو ما اعتبرته الوكالة أقرب لتخفيف تأثير خفض قيمة العملة بالمواطنين، بينما توقعت أن يسبب تحرير السعر بوتيرة أسرع إطلاق العنان للطلب المكبوت على الدولار منذ فبراير الماضي. ونقلت الوكالة عن كارلا سليم من بنك ستاندرد تشارترد قولها إن "الوتيرة التدريجية لخفض قيمة العملة قد تكون ضرورية لاحتواء التبعات السلبية باهظة التكلفة، نتيجة تراجع سعر الصرف على التضخم والدين العام والنقد الأجنبي غير الخاضع لضوابط".

ومع إقرار الوكالة أن قضية "سعر الصرف" تمثل أهم الملفات التي كُلف بها المصرفي حسن عبد الله، حيث سبّب النقص الحاد في العملة الأجنبية في مصر خلال الأشهر الأخيرة تباطؤ عمليات الاستيراد وتعطل الإفراج عن البضائع من الجمارك. وشكت المصانع ومحال التجزئة "الأضرار التي لحقت بعمليات الإنتاج والمبيعات نتيجة لنقص المُدخلات، مثل مستلزمات التشغيل، فيما ساهم نقص الإمدادات في ارتفاع التضخم السنوي لأكثر من 13 بالمئة". وقالت الوكالة إن خبراء اقتصاديين توقعوا أن يسبب تباطؤ تخفيض قيمة العملة إطالة أمد النقص في النقد الأجنبي وعرقلة النمو والمعنويات، بالإضافة إلى أن ذلك التوجه قد لا يفي بمتطلبات صندوق النقد الدولي.

وعلى الجانب الآخر، اعتبر فاروق سوسة، من بنك جولدمان ساكس، أن ميزة الخفض المفاجئ تبديد التكهنات بوجود مزيد من التخفيضات على الطريق، مشيراً إلى أن ذلك "يساعد في تثبيت توقعات التضخم، ويحد من دوافع الاحتفاظ بالعملة الأجنبية"، وفقاً للوكالة.

وبينما تعكف الحكومة  والبنك المركزي على محاولات توفير النقد الأجنبي، اللازم لتمويل المصانع التي توقفت أعمالها خلال الفترة الأخيرة، لم يظهر حتى الآن ما يؤكد التصريحات المصرية بالاقتراب من التوصل إلى اتفاق مع الصندوق بخصوص قرض الإنقاذ.

 

عودة السوق الموازي

وخلال الفترة الماضية ارتفع معدل التضخم في مصر نتيجة لانخفاض قيمة العملة بأكثر من عشرين بالمائة خلال الأشهر الستة الأخيرة. ومع لجوء الحكومة المصرية إلى صندوق النقد، بعد تعثر الاقتراض من مصادر أخرى، ما زال الشارع المصري ينتظر مزيداً من الانخفاض في قيمة العملة. وقالت وكالة رويترز إن بعض التعاملات جرت في السوق الموازية على سعر 21 جنيهاً للدولار، بينما بقي السعر الرسمي في حدود 19.20.

وأشارت رويترز إلى مذكرة بحثية صادرة عن بنك أوف أميركا، توقع فيها خفضاً لقيمة العملة المصرية، متبوعاً بنظام صرف أجنبي مرن مرتبط ببرنامج صندوق النقد الدولي. واستشهد البنك بما حدث وقت التعويم في نوفمبر من عام 2016، متوقعاً أن يحدث ذلك خلال الأشهر المقبلة، بعد التوصل إلى اتفاق على مستوى موظفي الصندوق، وكخطوة مسبقة لموافقة مجلسه التنفيذي.