الأوضاع التعليمية المنهارة في زمن الانقلاب دفعت التلاميذ إلى الهروب من المدارس وعدم الالتزام بالحضور واللجوء إلى الدروس الخصوصية كبديل ، رغم ما تمثله من أعباء مادية يعجز عن تحملها أغلب أولياء الأمور في ظل تراجع الدخول وتسريح العمالة وتزايد معدلات البطالة والأزمات الاقتصادية وارتفاع أسعار السلع والمنتجات المختلفة.
الهروب من المدارس لا يتحمل مسئوليته التلاميذ لأنهم يجدون أنفسهم مجبرين على ذلك في ظل كثافة الفصول وعجز المدرسين وعدم قيام المعلم بواجبه في الفصل كما ينبغي وكما تفرض عليه مهنته ورسالته، وإنما تتحمل مسئوليته حكومة الانقلاب التي تعمل على تطفيش تلاميذ المدارس حتى تدفعهم إلى التعليم الخاص تمهيدا لإلغاء مجانية التعليم خضوعا لإملاءات صندوق النقد الدولي .
ورغم أن أولياء الأمور في الماضي كانوا يغضبون عندما يتغيب أبناؤهم عن المدرسة لكن في زمن الانقلاب انتشرت ظاهرة الغياب في مختلف المراحل الدراسية ، وتحولت إلى ثقافة مجتمعية تترسخ يوما بعد يوم .
يشار إلى أن بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تؤكد أن 26 مليون أسرة في محافظات الجمهورية تنفق على الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية حوالي 47 مليار جنيه، بنسبة 37.7% من إجمالي الإنفاق على قطاع التعليم.
عجز المدرسين
حول أسباب هذه الظاهرة أكدت الخبيرة التربوية الدكتورة بثينة عبدالرؤوف أن هناك عدة أسباب أدت إلى غياب دور المدرسة في العملية التعليمية خلال السنوات الماضية، موضحة أن هذه الأسباب تتمثل في عجز المدرسين والنقص الكبير في أعدادهم خاصة بالنسبة للمواد الأساسية مثل الكيمياء والفيزياء والرياضيات واللغة الأجنبية، إضافة إلى كثافة الفصول التي وصلت إلى 80 طالبا في الفصل ، ما يجعل الطالب غير مرتاح نفسيا وهو داخل الفصل، مع ضيق مساحة المدارس وعدم وجود أي مساحة لممارسة الأنشطة.
وقالت د. بثينة في تصريحات صحفية: "في الماضي كانت أجمل أيام الدراسة هي أيام الألعاب والاقتصاد المنزلي، لكن الآن لا توجد أي أنشطة يقوم بها الطلاب، لدرجة أن هناك عجزا في مدرسي التربية الرياضية والموسيقية خاصة في مدارس البنات، مشيرة إلى أن هذه المواد يتم وصفها بأنها مواد جاذبة للطلاب".
وأضافت: بما أنه لا توجد أنشطة أو مدرسون، لذلك الطلاب يعتمدون على الدروس الخصوصية، ولا يذهبون إلى المدرسة، كما أن هناك بعض المعلمين يتعمدون إساءة التعامل مع الطلاب حتى لا يأتوا للمدرسة وإجبارهم على الدروس الخصوصية.
ثقافة مجتمع
وكشفت د. بثينة أن وزير التعليم الانقلابي السابق طارق شوقي، فشل في إعادة الطالب للمدرسة، لأنه لم يعط للمدارس أولوية وجعل كل تركيزه في التطوير التكنولوجي والمناهج، لافتة إلى أن ما يصلح لمصر يجب أن يكون متوافقا مع ما يحدث على أرض الواقع أولا، ومعرفة الاحتياجات الأساسية، خاصة أن شوقي أنفق مليارات الجنيهات ولم يضع عودة الطالب للمدرسة أولوية له.
وأعربت عن أسفها لأنه خلال الـ6 سنوات التي قضاها طارق شوقي في التعليم، لم يركز على توفير معلم مناسب للطالب وتدريب المعلمين بشكل حقيقي وليس وهميا، وزيادة مساحات المدارس وإقامة ملاعب فيها، مع إنشاء مدارس جديدة للقضاء على كثافة الطلاب .
وأوضحت د. بثينة أن أزمة التعليم تفاقمت بسبب سياسات وزير الانقلاب السابق، مشددة على ضرورة تدارك المشكلات وحلها، خاصة بعد إنفاق مليارات الجنيهات على التعليم خلال السنوات الماضية ، مؤكدة أن الميزانية أصبحت تكفي بالكاد رواتب المعلمين وطباعة الكتب والأمور الإدارية ولا يوجد فيها فائض لحل المشكلات التعليمية.
وتوقعت أن تستمر هذه المعاناة لسنوات أخرى، خاصة أن غياب الطلاب عن المدرسة أصبح ثقافة مجتمع، وهذا أمر في غاية الخطورة مع الضغوط الاقتصادية الصعبة التي تجعل الأسرة تبحث عن توفير نفقات ذهاب وعودة أولادها من المدرسة، طالما أنهم يحصلون على دروس خصوصية.
وطالبت د. بثينة بوضع خطة زمنية وأن يكون هناك حشد مجتمعي وإعلامي حتى نغير فكرة المواطنين عن التعليم والمدارس مع تهيئة المدارس أولا بشكل جيد .
الدروس الخصوصية
وكشف الدكتور كمال مغيث، الخبير بالمركز القومي للبحوث التربوية أنه لن يتم تطوير التعليم والقضاء على الدروس الخصوصية، دون إشراك كل مفردات العملية التعليمية؛ سواء المدرس أو المقرر الدراسي أو أنشطة أو إدارة وتوجيه، وغيرها من المفردات التي يجب إعادة الاعتبار إليها.
وقال «مغيث» في تصريحات صحفية إن "التعليم المصري الحديث عمره 200 سنة منذ أن قرر محمد علي باشا إنشاء نظام تعليم حديث بجانب التعليم الأزهري سنة 1805، وأدى ذلك إلى تراكم خبرات المصريين، وخير مثال على ذلك، الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي الذي أكد منذ 70 سنة، أن التركيز على الامتحانات وإهمال الأنشطة والدراسة والفنون والعلوم جعل التلميذ يقبل على الامتحان وهو تافه ويعرض عن العلم وهو لب الحياة وخلاصتها".
وأكد أن القضاء على الدروس الخصوصية لن يكون إلا من خلال عنصرين أساسين، الأول رضا المعلمين عن رواتبهم، بحيث تكفيهم ولا تؤدي بهم إلى السعي نحو إعطاء الدروس الخصوصية، وتحفظ كرامة المعلم التي أصبحت تهان بشكل كبير خلال السنوات الماضية بسبب حاجته إلى المال.
ولفت «مغيث» إلى أن العنصر الثاني هو وجود عملية تعليمية ناجعة داخل الفصول كما كانت موجودة في مصر حتى الستينيات والسبعينيات، عندما كان التلميذ لا يحتاج إلى دروس خصوصية، بسبب كفاءة المعلم وجودة التعليم في هذه الفترة.
التابلت
وأوضح أنه لكي نشهد تطويرا للتعليم فإنه يجب أن يكون جزءا من مشروع وطني على المستوى الثقافي والاقتصادي والاجتماعي، لأن هذا المشروع يحتاج إلى تخصصات في مختلف المجالات وليس التربية فقط.
وأشار «مغيث» إلى أن هناك بعض الملاحظات على المنظومة التعليمية، تتمثل في أن خطة التطوير التي كان يتم الحديث عنها أثناء فترة الوزير الانقلابي طارق شوقي ليست موجودة أصلا، ولا مكتوبة في أي مكان، ولم يطلع عليها أحد من الناس ، ومن ثم فلا نعرف ما هي أهدافها ولا آلياتها ولا فلسفتها ولا أي شيء عنها، وأننا تبعا لذلك لا نعرف من وراء تلك الخطة من خبراء وخبرات؟
وتابع، لعب التابلت دورا محوريا في تطوير التعليم، وتكلف شراؤه المليارات، ورغم مرور أربع سنوات على وجوده مع طلابنا وفي الامتحانات، فليس لدينا إحصاء أو دراسة موثقة واحدة عن نجاحاته وإخفاقاته وجدواه، ومعنى التمسك به، كما لا نعلم مدى استفادة الطلاب والمعلمين من المنصات الإلكترونية ولا بنوك المعرفة التي تكلفت الكثير من الأموال ولا ما إذا كانت موادها قد أصبحت جزءا من المقررات الدراسية أم لا ؟