يعيش المعتقلون ظروفا تدفعهم دفعا للهروب الداخلي الذي يعد مرضا نفسيا يعادل الإحباط والاكتئاب، وهو ما تعبر عنه رسائل الصحفي محمد سعيد المعتقل بسجون طرة ، في رؤيته للواقع حوله بعد أن امتد اعتقاله لنحو سنوات خمس بعد أن عاد من الخارج ، حيث قنوات المعارضة متهما الشللية بتسليمه أو عدم تبنيهم لقضية حبسه الظالمة.
رسالة جديدة نقلتها أسماء محمد زوجة الصحفي المعتقل محمد سعيد فهمي تبث فيها تحرره إلى حد ما من موجة الإحباط طول فترة الحبس لصحفي جريمته أن له رأيا ، وأنه ظن يوما كما يظن الصحفيون في العالم الحر أن الصحافة ليست جريمة ، معبرا عن حيرته من الحديث السياسي المصطنع من قبل الانقلاب عن الحوار الوطني والذي تتبناه لجنة ونقيب الصحفيين.
الرسالة نشرها محمد سعيد عن طريق زوجته، مؤكدا أنه رغم محاولات إحباطه وقتله بإحاطته بعوامله إلى أنه يرفض المراهنة على أن يفت في عضدهم "بدي أفهم هو اللي زانقنا في كورنر الوطن ، ونازل فينا ضرب بيراهن على إيه من آخرة اللي بيعمله دا؟  منتظر إيه مثلا ؟ "ويعلن سعيد أنه قرأ في السجن كثيرا ومنه انطلق إلى بلورة أفكاره ومواقفه من جديد".
ولكن اشترط للكشف عن جديده أن يكون مطلق الحرية أن يعيش كما أراد من رسائله صحفيا  مستقلا لا يقيمه كارنية نقابة الصحفيين أو عضويتها، فالكثير منهم لا يليقون بهما  ، أنا شفت في السنين اللي عدت دنيا تانية تحت الأرض، جوا التخشيبات، في الزنازين، في النظارات ، في البوكسات، في عربيات الترحيلات، وحقيقي تعبت مش عيب  أقول  كفاية كده ، مصر مش محتاجة محبوسين ولاسجون ، مصر محتاجة بنّاء وشغل وجهد ودماغ أي حد يقدر يعدي بيها لحظتها الحرجة".
ووأردف أن حاجة مصر ليست كلابشات ولا غمايات لكنها محتاجة إيد في إيد ورغبة حقيقية في وقف نزيف العند والمزايدة والمكابرة ، مصر محتاجة حد يشيل غطا الإزازة اللي متكربسين جواها دلوقتي وبسرعة قبل مايفوت الآوان ويفتح الغطا يلاقينا جيفا متعفنة ، حد سامعني أو شايفني طيب ؟ أخشى أنها تكون رسالة لمن لا يهمه الأمر".
 


 

3 أشهر
وتأتي هذه الرسالة بعد رسالة أخرى في مارس قبل 6 شهور ، كان يملأ أركانها الإحباط كقصة موت سماحة الناجي نجم "الحرافيش" لنجيب محفوظ الذي أنهكه الخراب ثم عاد وعندما عاد مات".
الإحباط في زوجته التي ترددت بنشر رسالته ولكنها نشرتها رفضا للإحباط، من عبارات أن "الوضع بات مأساويا بحق" "الجو غائم تماما" و"المحبطون هنا يملأون الأركان" و"أشهد كل يوم عملية هروب جماعي، إنهم يهربون مع كل طلعة شمس ومغيب، يهربون من الذكريات والآمال" و"طوابير الهاربين الذين أنهكتهم المهدئات ومسببات النعاس ومضادات الاكتئاب، الهاربون من رحلات تجديد الهزيمة كل ٤٥ يوما، الهاربون من ذكريات القيد والغماية في القبو إياه واحتمالية الرجوع إليه مرة أخرى".
وبعد الاستعراض السابق لكل هذه المحبطات إلا أنه لم تنل منه ، بوضوح لم أهرب بعد ، ولكني منهك وأنهكني الهاربون والمطاردون على السواء ولا أعلم القادم وربما مزيد من الإنهاك لا أعلم " بحسب رسالته.

اندفاع إلى الإحباط
وفي رسالة له بتاريخ ٢٩ ديسمبر ٢٠٢١، روى الصحفي محمد سعيد قصة أخرى عن الضابط في بداية اعتقاله وهو يدفعه دفعا لمزيد من الإحباط ، فيحدثه بشكل غير مباشر أن أمل خروجه الذي يشتاق له كل معتقل أن يكون عضوا بنقابة الصحفيين.
وقال سعيد  "عند القبض عليّ، أدخلني ضابط التحقيق قبل بدء استجوابه لي إلى ضابط يبدو أنه أعلى رتبه، سلم علىّ وسألني سؤالا واحدا ، محمد أنت عضو نقابة؟ رددت عليه لا ، فرد عليّ متعجبا إزاي مش عضو نقابة؟  رددت عليه للأسف يا فندم مش عضو نقابة ، ولكني كنت مراسلا معتمدا لصحيفة عربية لدى هيئة الاستعلامات لأكثر من ٥ سنوات ، كرر الضابط السؤال يائسا يعني مش عضو نقابة؟ أجبت أنا صحفي غير نقابي.
وأضاف ، السؤال نفسه طرحه عليّ ضابط التحقيق وهو يعلم إجابته من زملائي الذين سألهم عني ، قلت له  "بالفعل سعيت كأي صحفي لعضوية النقابة ، ولكن مع مرور الوقت كان شغفي بالصحافة أكبر من شغفي بعضوية النقابة".
وأردف "تحولت جلسات التحقيق إلى حديث عن الصحافة وعن أرشيفي".

الحرية والصحافة
واقترنت الهاشتاجات التي تدشنها أسماء محمد أو زوجها محمد سعيد بالحرية والصحافة فدائما هي  #الحرية_لمحمد_سعيد و#الحرية_لسجناء_الرأي و#الصحافة_مش_جريمة و#الحرية_لكل_المحبوسين و#الحرية_لكل_المعتقلين و#الصحافة_الحرة
وعن قصة محمد سعيد مع الصحافة يحيكها بنفسه أنها تداعبه منذ أن كنت رئيسا لجماعة الصحافة في مدرستي الابتدائية والإعدادية والثانوية ومحررا ورئيسا لتحرير مجلة شبابية بالجامعة ، ثم احترافي العمل الصحفي منذ ٢٠٠٧ إلى لحظة القبض عليّ منتصف ٢٠١٨ ، منذ طفولتي حتى الآن لم أتخيل يوما أن أكون شيئا سوى صحفي ، عشت وسجنت وربما أموت وأنا صحفي، صحفي غير نقابي أعيش كمعدومي الجنسية_ البدون ، صحفي بلا كارنيه، بلا نقابة.
فهل يذكرني زملائي أو يدافع عني أحد ؟ 

صحفي معتقل
وفي وقت تكد الجزيرة مباشر على إطلاق 4 صحفيين لهم قيمتهم ، إلا أن هناك  65 صحفيا أو يزيد من منهم محمد سعيد المحبوس للعام الخامس على التوالي احتياطيا، حيث دوّرته نيابة الانقلاب مرتين، وله ٣ قضايا بنفس الاتهامات.
واعتقل محمد سعيد من بيته بمحافظة الجيزة يوم 31 مايو 2018 واختفى 45 يوما،وظهر في 16 يوليو 2018 على ذمة القضية 441 لسنة 2018 وظل عامين كاملين على ذمة التحقيق حتى إخلاء سبيل من النيابة في يوم 15 يوليو 2020.
وبعد انتظار أسبوع اختفى من القسم في 24 يوليو وذلك لمدة 4 شهور، ثم ظهر في 18 نوفمبر في نيابة العجوزة الجزئية، وفي 1 ديسمبر حصل على إخلاء سبيل بكفالة 5000 جنيه وانتظر في القسم لنحو شهر ونصف الشهر ، وفي 16 يناير 2020 عرضته داخلية الانقلاب على نيابة أمن الدولة على ذمة القضية 955 لسنة 2020 وهو على ذمتها حتى الآن.
 

Facebook Comments