تهريب الآثار وبيعها للخارج ظاهرة انتشرت في مصر منذ زمن طويل، إلا أنها بدأت في التفاقم خلال السنوات الأخيرة بشكل لا تخطئه عين؛ حيث تقوم عصابة العسكر بإخفاء الآثار وتهريبها نظير ملايين الدولارت دون اكتراس بثروات مصر وحضارتها ، لأن العصابة لا تهتم إلا بالحصول على الأموال من أي مصدر وتوجيهها لمصالحها الشخصية.

 ورغم تزايد التهريب منذ انقلاب 2013 إلا أن حكومة الانقلاب تخرج بين الحين والآخر لتطالب باسترداد الآثار المهربة والمسروقة لزوم "الشو الإعلامي" وفي هذا السياق جاءت المطالبات باسترجاع لوحة رشيد الحجرية من المتحف البريطاني . 

وزعم أحمد عيسى، وزير السياحة والآثار الانقلابي أن الإدارة العامة للآثار المستردة تمكنت من استرداد العديد من القطع الأثرية، منها 16 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأمريكية، وقطعتان من دولة بلجيكا.

 

معاهدة "ويستفاليا"

من جانبها قالت الدكتورة مونيكا حنا الخبيرة الأثرية المعروفة، إن "مسألة أحقية مصر تاريخا وقانونا في استرداد آثارها بشكل عام ولوحة رشيد الحجرية بشكل خاص ، مسألة لا تحتاج لكثير من التوضيحات أو الإثباتات، فالتاريخ والتراث والآثار ملك لشعوبهم".

وأكدت مونيكا حنا في تصريحات صحفية أن حجر رشيد تم اغتصابه من مصر في فترة احتلالها من القوات الفرنسية، ثم تنازل الفرنسيون عن الآثار التي عثروا عليها في مصر وضمنها حجر رشيد للجيش المشترك (الإنجليزي – العثماني) دون تنازل مكتوب من العثمانيين للبريطانيين عن تنازلهم عن القطع كعضو للجيش المشترك، واعتبرت انجلترا تلك الآثار غنائم حرب.

وأشارت إلى أن معاهدة ويستفاليا 1648 تقرر حق الشعوب في ممتلكاتها التراثية، والتي صدرت قبل قدوم الحملة الفرنسية لمصر، والتي قررت أنه لا يجوز أخذ أثر كغنيمة حرب، تلك المعاهدة مُلزمة لفرنسا، وهي كافية تماما للدفع بأي حجة يقدمها أي من كان محاولا إثبات أن إنجلترا صاحبة حق قانوني في امتلاك حجر رشيد، وطبقا لاتفاقية ويستفاليا، استطاعت إيطاليا استرداد كل الآثار التي سرقها نابليون بونابرت.

 

حملة شعبية

وأضافت مونيكا حنا أنها دشنت حملة شعبية لجمع توقيعات وتقديمها إلى رئيس مجلس وزراء الانقلاب لكي يتحرك بشكل رسمي ويطالب باسترداد حجر رشيد ورجوعه إلى مصر صاحبة الحق الوحيد فيه.  

وأكدت أنه من غير المقبول ولو ضمنا أن نتحدث عن حق بريطاني في آثارنا، ويجب علينا التحرك بكل الطرق لاستردادها، سواء بالطرق القانونية أو الشعبية ثم الدبلوماسية، وهو أمر يجب أن يشغل كل مصري .

وتابعت مونيكا حنا أن الحملة دشنت موقعا للتوقيعات، مطالبة جميع المصريين بالمشاركة في جمع التوقيعات لصالح استرجاع واسترداد لوحة رشيد الحجرية .

 

الاتفاقات الدولية

وقال الدكتور عبد الرحيم ريحان الخبير الأثري ، إن "الاتفاقات الدولية الخاصة باستعادة الآثار تشوبها الكثير من العيوب ومنها اتفاقية اليونسكو 1970 التي صادقت عليها باريس عام 1997 ووقعت عليها 143 دولة منها مصر وهي النص القانوني الدولي الوحيد لمكافحة الاتجار غير المشروع بالتحف الفنية والمنظم لآلية عودة القطع الفنية التي تم الحصول عليها بشكل غير شرعي إلى بلادها الأصلية والتي تمنع الدول من المطالبة بالآثار التي نُهبت قبل عام 1970م وقد خرجت أشهر الآثار المصرية قبل هذا التاريخ".

وأكد ريحان في تصريحات صحفية أن الخداع صاحب خروج القطع الأثرية الهامة من مصر مثل ما حدث مع رأس نفرتيتي المحفوظ بمتحف برلين بألمانيا، والذي عثر عليه عالم الآثار الألماني لودفيج بورخاردت وفريقه الأثري على تمثال نفرتيتي في السادس من ديسمبر عام 1912 في ورشة "أتيليه" الفنان الملكي تحتمس بمنطقة تل العمارنة بمحافظة المنيا والذي كان من أهم فناني عصر العمارنة والملك إخناتون الذي حكم من  1353 إلى 1336ق.م.

وأشار إلى أنه من خلال جميع التقارير الخاصة بالحفائر آنذاك فإن بورخاردت كان يدرك الأهمية الفنية والتاريخية لتمثال نفرتيتي بمجرد اكتشافه وقام بإخراجه من مصر عام 1913 بالمخالفة لعملية اقتسام الآثار المتشابهة آنذاك ، مؤكدا أن تمثال رأس نفرتيتي خرج من مصر وقت اكتشافه بواسطة التدليس والتمويه على يد العالم الألماني بورخارت عندما كتب في بيان البروتوكول ومذكرة الحفائر الخاصة باقتسام الآثار المكتشفة أن تمثال رأس نفرتيتي مصنوع من الجبس ويعود لأميرة ملكية رغم أنه كان يعرف جيدا أن التمثال مصنوع من الحجر الجيري لكنه تعمد التمويه بهدف حصول ألمانيا على التمثال الذي يجتذب حاليا أكثر من مليون مشاهد سنويا.

 

رأس نفرتيتي

وأوضح ريحان أن المطالبات بعودة رأس نفرتيتي بدأت منذ عهد الملك فاروق الأول ملك مصر والسودان بمذكرة رسمية بتاريخ 14 أبريل 1946 إلى مجلس قيادة الحلفاء يطلب فيها استعادة تمثال نفرتيتي، وأرسلت الحكومة المصرية طلبا مماثلا عبر السفير المصري بالولايات المتحدة لوزارة الخارجية الأمريكية في الحادي والعشرين من فبراير 1947 وتلقت الحكومة المصرية ردا في الثامن من مارس1947 من مجلس قيادة الحلفاء بأنه ليس لديهم السلطة لاتخاذ مثل هذا القرار.

وذكر أنه في فترة الخمسينيات تم إرسال 3 خطابات رسمية لنقلها إلى الحكومة والسلطات الألمانية المختصة طالبت فيها مصر باستعادة تمثال رأس نفرتيتي المعروض بمتحف برلين بألمانيا، استنادا إلى المادة 13 ـ ب من اتفاقية اليونسكو عام 1970 الخاصة بمنع وتحريم الاستيراد والتصدير والنقل غير القانوني للممتلكات الثقافية، وهي المادة التي تطالب جميع أطراف الاتفاقية بضمان التعاون في تسهيل استرداد الممتلكات لأصحابها الأصليين في أسرع وقت ممكن. 

وقال ريحان  "كان الرد الرسمي الألماني على طلب مصر باستعادة تمثال رأس نفرتيتي هو رفض وزير الدولة الألماني للشئون الثقافية بيرند نويمان إعادة أو حتى مجرد إعارة التمثال النصفي للملكة الفرعونية نفرتيتي لمصر ، مبررا الرفض بأنه من أجل الحفاظ على التمثال".

 

حم أيونو

وكشف أن آثارنا المنهوبة بالخارج تتضمن تمثال المهندس المصري القديم حم أيونو مخترع التكنيك الهندسي لهرم خوفو بمتحف "بيلديزيس" بمدينة هيالديز هايم بألمانيا، وهو تمثال جالس  منحوت من قطعة واحدة من الحجر الجيري الأبيض ارتفاعه  5ر155 سم وكشفت التمثال بعثة آثار ألمانية  في مقبرة بمنطقة الجيزة تعرف باسم "ج 4000" بجوار الأهرامات وهي قطعة فنية نادرة بحجم الإنسان الطبيعي خرج من مصر عام 1912طبقا لنظام القسمة الذي كان متبعا قبل عام 1983  .

وأشار ريحان إلى أن هناك قناعا جنائزيا لسيدة تدعى "كانفر نفر" يعود تاريخه إلى عام 3500 قبل الميلاد، ويعود للأسرة 19، اكتشفه الدكتور زكريا غنيم عام 1952 في منطقة المجموعة الهرمية للملك سخم خت بسقارة، ومسجل في سجلات سقارة بتاريخ 26 فبراير 1952 في سجل 6 برقم 6119  وسرق من مخازن سقارة ومعروض الآن في متحف سانت لويس للفنون في أمريكا، وادعى المتحف أنه اشتراه من تاجر آثار بصورة قانونية عام 1988 بملبغ 500 ألف دولار، بعد أن اشتراه التاجر من زكريا غنيم الذي كانت السلطات المصرية قد أهدته القناع، بينما تحقيقات الحكومة أوضحت أن القناع مسروق، وأنه خرج من مصر ما بين عامي 1966 و1973 بطريقة غير شرعية .

وأكد أن هناك الزودياك الدائري لمعبد دندرة " دائرة الأبراج السماوية" وكان منقوشا على سقف حجرة بالمعبد  وانتزعه الفرنسي سابستيان لويس سولينيهوكان أحد أبناء عضو مجلس النواب الفرنسي آنذاك ونقله إلى باريس بحجة اكتشاف الجنرال ديزيه له  أثناء الحملة الفرنسية على مصر ، وبالتالي اعتبروه أثرا فرنسيا مرتكبين جريمتين تشويه المعبد وسرقة  الزودياك.

 

العهدة النبوية

وأشار ريحان إلى تقدمه رسميا بمذكرة علمية وافية واستيفاء الجوانب القانونية  عام 2012 إلى المجلس الأعلى للآثار بشأن طلب استعادة مخطوط التوراة اليونانية المعروفة باسم (كودكس سيناتيكوس) أقدم نسخة خطية غير تامة من التوراة اليونانية ويعود إلى القرن الرابع الميلادي والموجود حاليا بالمتحف البريطاني وجزء منه بمكتبة جامعة ليبزج بألمانيا، ويوجد بمتحف دير سانت كاترين حاليا خطاب تعهد من قنسطنطين تشيندروف بإعادة هذا المخطوط السينائي إلى دير طور سيناء بتاريخ 16 و28 سبتمبر 1859م معروض بقاعة العرض المتحفي داخل الدير، وكذلك قرار مجمع آباء دير طور سيناء المقدس بتاريخ 16 و28 سبتمبر 1859م، بشأن الإعارة المؤقتة للمخطوط السينائي بعد تقديم خطاب ضمان من أ.لوبانوف وخطاب تعهد من قنسطنطين تشيندروف بإعادة المخطوط.

وأكد أنه تقدم رسميا أيضا بمذكرة علمية وافية واستيفاء الجوانب القانونية  عام 2012 إلى المجلس الأعلى للآثار بشأن طلب استعادة أصل العهدة النبوية المحفوظ صورة منها بدير سانت كاترين، وهي العهدة النبوية الذي أعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد أمان للمسيحيين يؤمنهم فيه على أرواحهم وأموالهم وكنائسهم يعرف بالعهدة النبوية والمحفوظ بمكتبة دير سانت كاترين صورة منه بعد أن أخذ السلطان سليم الأول النسخة الأصلية عند دخوله إلى مصر 1517م وحملها إلى الأستانة وترك لرهبان الدير صورة معتمدة من هذا العهد مع ترجمتها للتركية .

Facebook Comments