أطلق المخرج والسيناريست عمرو سلامة تحذيرا حول تراجع صناعة الدراما في مصر. وكتب عبر صفحته الخاصة بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك": "فيه عدد كبير من الفنانين وطاقم العمل مش موجودين في مصر زي الأول، علشان يا إما بيصوروا في السعودية لغزارة إنتاجها الآن، أو في لبنان لسهولة الإنتاج فيه".
وأضاف سلامة: «كان عندنا مشكلة كبيرة إن الأعمال العالمية بتتصور في دول كثير مجاورة، زي الأردن والمغرب ودلوقتي كمان تونس وتركيا والسعودية، وصعب عليها تيجي مصر بسبب معوقات كثيرة، وده بيضيع علينا عملة صعبة، وفرص استثمار تساعد الاقتصاد… دلوقتي كمان في إرهاصات هجرة للكوادر المحلية، وكمان لعملية الإنتاج المصري نفسها، وده بيضعف صناعة، مصر كانت رائدة فيها لميت سنة فاتت، وكانت مصدر دخل ورزق وقوة ناعمة، ومش بس بتضيع فرصة لتحسين الاقتصاد، لأ كمان بنأثر عليه بالسلب".
وختم قائلا: "برافو على كل الدول المجاورة لمحاولاتها بناء صناعتها، ولجذبها فرص الاستثمار والعمل، وأتمنى يكون في أمل إن مصر تتدارك المشكلة، وتحلها بسرعة من جذورها قبل فوات الأوان".
وافقه الرأي الممثل، سليمان عيد قائلا: "فعلا، أنا الحمد لله السنة اللي فاتت معظم شغلي في السعودية، وكان كله مسرح (أبو الفنون)، اللي نفسي يرجع تاني زي زمان، كان في القاهرة وإسكندرية 32 مسرحية بيتعرضوا في وقت واحد". ويرى المخرج علاء الشيخ، أن "المشكلة مش هاتتحل إلا لما المسؤولين يدركوا، ويفهموا كويس جدا إن هدف الموضوع ده مش السبوبة، طول ما التفكير رايح اتجاه السبوبة إنسى للأسف". بينما رأت داليا رأفت أن التاريخ يكرر نفسه منوهة إلى أن هناك أجيال لا تعلم أن كثيرا من الفنانين خرجوا إلى لبنان وتركيا بعد هزيمة 67.
بعض العاملين بقطاع التمثيل يدركون أن الملف كله بيد ما تسمى بالأجهزة (السيادية)، لذلك وجهت سلوى العدل نداءها للجنرال عبدالفتاح السيسي مباشرة وطلبت منه أن يهتم بهذه المشكلة قائلة: "ممكن حد يهتم يافندم؟ إحنا والمهتمين بنتكلم في الموضوع ده من سنين، دي حاجة بتجيب عملة صعبة، وبتقوي قوتنا الناعمة، بلاش نخسرها أرجوك". وكتب أحمد النمر: "والله يا فنان اتكلم مع المتحدة والجهات السيادية إحنا ملناش دعوة. وعموماً الممثلون والفنانون المصريون في غالبيتهم الساحقة كانوا داعماً فاعلاً للاستبداد، فخسارة هذا القطاع قد تكون فرصة لبناء آخر على أسس أفضل".
أزمات الدراما المصرية
وبحسب خبراء ومحللين تواجه الدراما المصرية ثلاث أزمات عاصفة: الأولى تتعلق بالتسويق في ظل الأزمة الاقتصادية وتراجع كثير من الشركات عن الدعاية والإعلان لتحقيقها خسائر ما أفقد الفضائيات بابا كبيرا للربح كان يسهم في تحقيق مكاسب كبيرة وتغطية نفقات الأعمال الدرامية، الثانية، تتعلق بالقفزة الهائلة في أجور الفنانين والممثلين حتى إنها تضاعفت مرتين أو ثلاثة خلال السنوات الماضية منذ قرار تعويم الجنيه أمام الدولار وباقي العملات الأخرى. الثالثة هي احتكار شركات المخابرات لسوق الإنتاج الإعلامي وسوق التسويق أيضا؛ وهو ما أدى فعليا إلى حسم المنافسة وسيادة نزعة الاحتكار والتحكم في صناعة الدراما.
وثمة إجماع بين المهتمين بالفن أن الدراما المصرية تشهد منذ سنوات تراجعا ملحوظا لحساب أعمال درامية أخرى سواء التركية أو الهندية وحتى السورية واللبنانية والخليجية. وبعكس الأعمال المصرية الخالدة مثل ليالي الحلمية والمال والبنوك والسبنسة والوسية ولن أعيش في جلباب أبي وغيرها وهي الأعمال التي لا يمل المشاهد العربي من تكرار مشاهدتها حتى اليوم فإن الدراما المصرية حاليا باتت لا تقدم فنا راقيا ولا فكرا خلابا وتشاهد مرة واحدة ثم يلقى بها في سلة المهملات، دون أن يشعر بها المشاهدون.
ساهم في ذلك، أيضا ما آل إليه حال مبنى الإذاعة والتلفزيون "ماسبيرو" وتوقف الأعمال فى قطاع الإنتاج باتحاد الإذاعة والتليفزيون وصوت القاهرة ومدينة الإنتاج الإعلامى، تاركا الساحة للإنتاج الخاص الذي باتت تهمين عليها أجهزة المخابرات.
ثالث العوامل التي أفضت إلى تراجع مستوى الدراما المصرية، التركيز على البطل أو البطلة دون النظر إلى الفكرة ومستوى السيناريو وباقي أدوات نجاح العمل الدرامي. وكذلك التركيز على ورش السيناريو بدلا من العمل الفني المتماسك في فكرته وأحداثه وتطورات شخوصه وأبطاله والدقة في رسم السمات النفسية للأشخاص. وبات كتاب كبار وفنانون لهم جماهيرية عريضة على مقاعد المتفرجين. وأمسى مؤلفون وكتاب سيناريست مخضرمون قابعين في بيوتهم بلا عمل لأنهم يتسمون بشيء من الاستقلالية و يرفضون التدخل فى أعمالهم أو كتابة سيناريوهات مفصلة على مقاس نجم بعينه.
احتكار سوق الدراما
ويمثل احتكار أجهزة السلطة الأمنية وعلى رأسها جهاز المخابرات العامة لسوق صناعة الدراما والسينما وشركات التوزيع والفضائيات التي يبث من خلال الأعمال الفنية شكلا صارخا من أشكال الوصاية المطلقة التي تجعل السلطة ممسكة بجميع أدوات العمل الدرامي من الألف إلى الياء.
وبحسب وكالة رويترز، تمثل الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، ذراع السلطة في الهيمنة على جميع مراحل صناعة الدراما، والتي تتبع مباشر لجهاز المخابرات العامة. تأسست الشركة في 2017 واشترت ما لا يقل عن ست صحف ومواقع إخبارية على الانترنت وأربع شبكات تلفزيونية تدير 14 قناة وأربع محطات إذاعية وعدد من المسارح ودور السينما.
ويدرك العاملون في الوسط الفني على وجه اليقين أن الأمر جزء من سياسة الدولة التي تقرر من يعمل هذا العام ومن يوقف عن العمل. وأمام هذه التحولات الحادة والخطيرة ، لم تجد الشركات المنافسة في سوق الإنتاج الإعلامي والدرامي بدا من التوقف وتجميد مشروعاتها الفنية؛ لأنها تعجز عن تسويقها مع سيطرة مجموعة "إعلام المصريين" على نصيب الأسد من سوق الفضائيات المصرية. وأمام هذه القيود التي تعوق انطلاق الدراما المصرية بدأت دول الخليج في التوسع في الإنتاج الدرامي الممول بكثافة وقدرات مالية هائلة ما جعل معظم المتميزين في السوق المصري يهربون إلى الخارج بحثا عن لقمة العيش.