المؤشرات تؤكد أن المشروع الأضخم الذي يعول عليه نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي ضمن ما تسمى بمشروعاته القومية العملاقة وهو مشروع العاصمة الإدارية الجديدة بات مهددا بالفشل لأسباب عديدة أبرزها الازمة المالية التي تفاقمت بشدة وتركت النظام يعاني من عجز واضح في توفير الاعتمادات المالية لهذه المشروعات العبثية التي أهدر السيسي عليها آلاف المليارات دون أي جدوى اقتصادية.
ومن أهم المؤشرات ما نشره موقع Africa Intelligence الفرنسي حول تأجيل وزارة الخارجية بحكومة الانقلاب نقل مكاتبها إلى العاصمة الإدارية الجديدة خلال العام ونصف العام المقبلين، وهي ليست الجهة الحكومية الوحيدة التي اتخذت هذا القرار، فالربع الإداري للعاصمة المستقبلية، والذي بدأ البناء فيه عام 2016 ويغطي مساحة إجمالية قدرها 750 كيلومتراً مربعاً، لا يزال خاوياً بسبب الأزمة الاقتصادية التي تضرب القاهرة؛ ويعزو الموقع الفرنسي أسباب ذلك إلى أن الوزارات ليس لديها ما يكفي من أموال لتسديد مصاريف الانتقال، مع أن أعمال البناء في المباني الجديدة اكتملت منذ أكثر من عام.
وبحسب الموقع الفرنسي فلكي تتمكن الوزارات من تأمين الأموال اللازمة للانتقال وتسديد مصاريف الإيجار في العاصمة الإدارية، تحتاج أولاً إلى بيع مقراتها في القاهرة أو تأجيرها، غير أن كثيراً من مباني هذه المقرات متقادم، ما يجعل مهمة البيع صعبة. علاوة على ذلك، فإن السوق ليست بها إلا قلة من المستثمرين، وهي مغمورة بالفعل بمشروعات السيسي العقارية، ففضلاً عن العاصمة الجديدة شرق القاهرة، شرع الرئيس المصري في بناء العلمين الجديدة، وهي تكتل سكني يقع غربي الإسكندرية ويؤمل منه أن يصبح مركزاً اقتصادياً على ساحل البحر المتوسط، ولكل مدينة جديدة من تلك المدن قصرها الرئاسي. ولا يقتصر الأمر على ذلك، فهناك عشرات المدن الجديدة قيد الإنشاء في وادي النيل، والدواعي الرسمية لذلك هي تخفيف الازدحام والحد من تآكل الأراضي الزراعية على طول النهر. من المفترض أن تضم العاصمة الجديدة جزءاً من سكان القاهرة الكبرى الذين يزيد عددهم على 20 مليون نسمة، وفي الوقت نفسه تتوافق هذه المشروعات مع مخطط السيسي لإنعاش الاقتصاد بالاعتماد على المشروعات الكبرى، وهي استراتيجية اتَّبعها منذ عام 2015، وتتضمن تطوير أراضي المناطق الصحراوية التي تملكها القوات المسلحة بموجب القانون المصري.
وفي 2015م أعلن الدكتاتور عبدالفتاح السيسي عن مشروع العاصمة الإدارية الضخم، وتشرف عليه شركة “العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية”، وهي شركة يملك الجيش الحصة الأكبر فيها، وتبلغ تكلفة المشروع 40 مليار دولار أمريكي، من المقرر أن تأتي بالكامل من شركات البناء والتطوير العقاري حسب مزاعم الحكومة. غير أن القائمين على المشروع اضطروا إلى التباطؤ فيه بسبب قلة المشترين، وتأجلت عملية نقل الإدارات عدة مرات، كان آخرها الموعد المحدد في يوليو 2022، لكن الأمور لم تتغير أيضاً بعد هذا الموعد.
وتصف صحيفة New York Times الأمريكية، العاصمة الإدارية الجديدة لمصر بأنها عاصمة جديدة مبهرجة، إمبراطورية من حيث الحجم والأسلوب، تجسد الطموحات العظيمة للجنرال عبد الفتاح السيسي وعباءته كحاكم للبلاد بلا منازع. وفي تقرير لها في 8 أكتوبر 2022م فإن العاصمة الجديدة في مصر تمتد عبر رقعة من الصحراء تبلغ أربعة أضعاف مساحة العاصمة الأمريكية واشنطن، وتضم العاصمة الإدارية الجديدة، الواقعة خارج القاهرة، أعلى مبنى في إفريقيا وهرماً بلورياً وقصراً واسعاً على شكل قرص للسيسي مستوحى من رموز إله الشمس المصري القديم. ست سنوات في الإعداد بتكلفة تقدر بـ59 مليار دولار، وهي الأكبر في عدد كبير من المشاريع العملاقة التي بناها جنرال مصمم على إعادة تشكيل مصر.
وبحسب الكاتب والمحلل ماجد مندور فإن السيسي “يقترض المال من الخارج لبناء مدينة ضخمة للأثرياء”. لكنه أضاف أن المصريين الفقراء ومن الطبقة المتوسطة يدفعون ثمن المشاريع العملاقة من خلال الضرائب، وانخفاض الاستثمار في الخدمات الاجتماعية وخفض الدعم، حتى عندما يكون المنطق الاقتصادي لهذه المشروعات موضع تساؤل. ورغم أن تمويل المشاريع الجديدة لا يزال غامضاً، ولكن يعتقد أنها تُموَّل جزئياً من رأس المال الصيني، بالإضافة إلى السندات عالية الفائدة التي سيكون سدادها مكلفاً على مصر في السنوات المقبلة. يعمل بعض المطورين الإماراتيين أيضاً في العاصمة الجديدة.
وتنتهي الواشنطن بوست إلى أن الأوضاع المالية لمصر بشكل عام كانت هشة حتى قبل أن تغزو روسيا أوكرانيا في فبراير 2022. لقد اقترض السيد السيسي بكثافة لتمويل المشاريع العملاقة، بالإضافة إلى مليارات الدولارات من مشتريات الأسلحة الدولية، حيث كانت مصر ثالث أكبر مشتر للسلاح في العالم بين عامي 2016-2020، مما ساعد على مضاعفة الدين الوطني أربع مرات على مدى عقد من الزمان.