"السلفية الجامية أو المدخلية" نشأت في دهاليز وغرف المخابرات السعودية إبان فترة حرب الخليج الأولى سنة 1991م، عندما وقع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في فخ الأمريكان واجتاح دولة الكويت الشقيقة، واختلف علماء المملكة والمسلمين على رأيين فيما يتعلق باستعانة الأنظمة العربية بالأمريكان ضد العراق:
الفريق الأول، هم المؤسسة الدينية الرسمية التابعة للنظم والحكومات، مثل هيئة كبار العلماء بالسعودية وعلى رأسهم الشيخ عبدالعزيز بن باز والشيخ العثيمين. والأزهر بمصر ، وهؤلاء أباحوا الاستعانة بــ"غير المسلمين" في إشارة إلى الغرب والأمريكان على المسلمين؛ لعدم قدرة المسلمين على مواجهة صدام حسين بمفردهم.
الفريق الثاني، تيار الصحوة وعلى رأسهم العلماء الأجلاء سلمان بن فهد العودة وناصر العمرو سفر الحوالي وغيرهم، والعلماء المحسوبون على تيار الإخوان المسلمين بمصر والعالم العربي والإسلامي وعلى رأسهم العلامة الراحل الدكتور يوسف القرضاوي؛ وهؤلاء أفتوا بتحريم الاستعانة بالغرب والأمريكان، وإن رفضوا في ذات الوقت ما فعله صدام حسين، محذرين من أن دخول القوات الأمريكية والغربية إلى المنطقة مفاسده أكبر، ولن يتمكن العرب من إخراجهم مرة أخرى؛ لاختلال موازين القوى لحساب غير المسلمين بخلاف أطماع الغرب في نفط العرب وثرواتهم، وأن الأولى هو حل الصراع سياسيا عبر المصالحة بين الطرفين، وإذا لزم الأمر يتم تأسيس جيش عربي إسلامي يتولى هو مواجهة الطرف الباغي "العراق" وفقا لنصوص القرآن {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ}. وبقيت المعركة الفقهية بين الطرفين في إطارها الشرعي دون تجاوز أو تجريح وفي ظل الاحترام المتبادل باعتبارها اجتهادات في إطار فهم وتأويل النصوص وفقه الموازنات بين المصالح والمفاسد.
بين الموقفين ، تبنى كل من الشيخ محمد إمام الجامي (1931-1996) الإثيوبي الأصل، وربيع بن هادي المدخلي، الذي وُلد بالسعودية عام 1932، موقفا ثالثا شديد التطرف والانحياز لموقف الأنظمة العربية، واستمات في الدفاع عنها وتبرير سياستها، ولم يبح فقط الاستعانة بغير المسلمين في حرب البغاة المسلمين، بل شن حملة تشويه ضارية بحق العلماء والفقهاء القائلين بتحريم الاستعانة بغير المسلمين في قتال المسلمين لمجرد أنهم عبروا عن موقف يخالف موقف الحكام، وعرضوا رؤية مغايرة لما تراه الأنظمة. وتبنى هذان الشيخان حملة التجريح والبذاءة بحق دعاة وعلماء الصحوة وألف المدخلي في ذلك كتاب «"صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة بغير المسلمين»، الذي أفتى فيه بتكفير صدام حسين وجواز الاستعانة بالكفار في حربه وهاجم مواقف علماء ودعاة الصحوة الذين يرفضون "الاستعانة بغير المسلم لقتال المسلم". وإلى الشيخين ينسب هذا التيار الجديد الذي يمثل صورة جلية من صورة الابتداع في الدين والنفاق إلى الحكام على حساب الدين بتشويه مخالفيهم والفجور في خصومتهم تجاه علماء ودعاة الإسلام. وعندما وجد نظام مبارك في مصر هذا الدور الكبير الذي يقوم به الجامية في الدفاع عن مواقف السلطة السعودية تم تأسيس فرع مصري، ويعتبر محمد طلعت رسلان "المنوفي" هو زعيم هذا التيار الذين يدين بالولاء المطلق للحكام حتى لو خالفوا الإسلام صراحة.
فلماذا يستعين السيسي وحكام الاستبداد العربي بهذا التيار الجامي المدخلي الرسلاني؟
أولا، رأت الأنظمة في الجامية المدخلية معادلاً موضوعيًا للتيار الإسلامي المتنامي الذي يرفض اجتناب الخوض في السياسة، فقدمت العائلة الحاكمة في بلاد الحجاز دعمها لهذا التيار، وأصبحت الموارد المادية والمالية وافرة تحت تصرفه، ثم أخد يتوسع ويجذب مّنْ يعتبرون أنفسهم من المهمشين اجتماعيًا أو جعرافيًا.
ثانيا، يتباهى المداخلة بدور التجسس والتخابر لحساب الأجهزة الأمنية وفعهم تقارير أمنية في رموز الحركة الإسلامية وعلماء ودعاة تيار الصحوة، ولعل أشهرها التقرير المعنون: "التنظيم السري العالمي بين التخطيط والتطبيق في المملكة العربية السعودية" الذي رفعه المداخلة منتصف التسعينيات من القرن الماضي إلى السلطات السعودية، وفصّلوا فيه ما يقولون إنه "ممارسات للإخوان المسلمين مرتبطة بخطة عالمية لتغيير النظام الحاكم". هذا التقرير أوصى بضرورة تحرّك السلطات السعودية بأسرع وقت ممكن، لوضع حد لأنشطة المنظمة المذكورة، وبالفعل شنت السلطات حملات على الدعاة والعلماء المحسوبين على تيار الصحوة الإسلامية في المملكة، ثم زجت بكثير منهم في السجون، وحظرت أنشطة كثير منهم.
ثالثا، كان هذا التقرير الأمني تدشينا لمرحلة الطعن في كل من يخالفهم من الدعاة والعلماء بدعوى ممارسة "الجرح والتعديل" في علوم الحديث والذي وضعه علماء السلف الصالح لوضع ضوابط قبول الحديث من الرواة، لكنهم يوظفون هذا العلم للطعن في مخالفيهم رغم أن تدوين الحديث النبوي انتهى منه العلماء منذ قرون عديدة! لكن الغريب حقا أنهم يحصرون حربهم على الحركات الإسلامية دون الحركات العلمانية، بل إن بعض شيوخهم يتغزلون في الليبرالية في ظل توجهات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الجديدة، يقول موسى العبد العزيز وهو من أبرز رموز الجاميّة المدخليّة ورئيس تحرير مجلّة السّلفيّة: "اللّيبراليون ليسوا علمانيّين؛ وهم أقرب إلى السلفيّة فطرةً من الإخوان والسّروريين ويستمرّ الغزل بين الجاميّة واللّيبراليّة بعد ذلك ليصل إلى المقارنة بين قنوات العريّ والقنوات الإسلاميّة المحسوبة على السّروريين؛ حيث يقول الشّيخ موسى العبد العزيز في مقابلة مع تركي الدّخيل على قناة العربيّة: "قناة المجد أخطر من قناة ستار أكاديمي".
رابعا، يتسع مفهوم ولي الأمر عند الجامية المدخلية، ليشمل الحاكم مهما كانت رتبته سواء ملكًا أو وليًّا للعهد أو أميرًا أو وزيرًا أو مسؤولًا حكوميًّا له هالةٌ من القداسة يُمنع على كلّ أحد أن يقترب منها أو ينكر عليها أو ينتقد أيّ سلوكٍ بشكل واضح من أفعالها أو تصرّفاتها. بل يشمل أيضا وجوب طاعة ولي الأمر الكافر، كما أفتى بذلك الشيخ عبدالمحسن العبيكان على قناة mbc في فتوى شهيرة تنصّ على أنَّ الحاكم الأمريكيّ في العراق بول بريمر هو وليّ أمر شرعيّ، واستدلّ على ذلك بأنَّ يوسف عليه الصّلاة والسّلام أقرّ بولاية العزيز على مصر وكان عزيز مصر حينها كافرًا! بل إن الشيخ المدخلي بندر العتيبي ـ وهو من تلاميذ العبيكان ـ في رسالة أسماها "رسالة الحكم بغير ما أنزل الله مناقشة تأصيلية علمية هادئة" حيث يقول: " فما قرره أهل العلم مِن الكفر الأكبر، ووقع فيه الحاكم؛ فإنه لا يلزم منه جواز الخروج عليه ولو أقيمت عليه الحجّة، بل لا بد من النظر في الشروط الأخرى المبيحة للخروج". وهذا يقطع الطريق على كلّ من يفكّر بالاقتراب من أيّ نظام حاكمٍ سواء كان كافرًا أو فاسدًا أو ظالمًا أو غير ذلك فلا يجوز بحال الخروج عليه أو حتّى انتقاده بذريعة عدم إثارة الفتن! وهو ما يفتح الباب واسعا لتسويغ ليس فقط الأنظمة الظالمة المستبدة بل القبول بأي احتلال ولو كان كافرا وهو ما يسهم في دعم الكيان الصهيوني بشكل سافر وتأويل منحرف وشاذ لمفهم ومقاصد الشريعة الإسلامية.
خامسا، لم تقتصر حملة السلفية المدخلية على مناهضة جماعة الإخوان المسلمين، والتيار الجهادي، بل طالت حركات المقاومة الفلسطينية، لا سيما حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، التي نعتها رسلان بـ"خوارج العصر"، استناداً إلى فتوى ربيع المدخلي بأن "الإخوان المسلمين لم يتركوا أصلاً من أصول الإسلام إلا نقضوه".
سادسا، رغم كل هذه الانحرافات فإن الجامية المدخلية مصابون بأعلى درجات الكبر والغرور، ويرون أنفسهم هم المسلمون دون غيرهم، وأنهم يملكون ناصية الحق المطلق، يقول عبيد الجابري من مشايخ الجامية المدخلية «الحق الذي لا تشوبه شائبة الباطل، الحق الخالص، الحق الصافي من الكدر "عندنا عندنا عندنا".. وإن رغمت أنوفكم، وشمخت رؤوسكم حتى تلحقوا المريخ! سَمِعتم؟!».
خلاصة القول أن التيار الجامي المدخلي في السعودية أو الرسلاني في مصر، لا يقوم على أسس وتفسيرات رصينة لنصوص الإسلام، ولكنه تيار تأسس في غرف المخابرات وبقاؤه مرهون ببقاء هذه الأنظمة وزوالها منذ بزاله ولهذا يدافع أنصاره باستماتة شديدة عن النظم رغم بشاعة ما تقوم به من ظلم وفجور وفساد في الأرض. فالسلفية الجامعية المدخلية هي أداة النظم العربية المستبدة لتكريس الحكم الشمولي وشرعنة الطغيان وتحريم الثورات ضد الحكام الظالمين وحتى الكافرين. فالجامية المدخلية تقوم على الولاء المطلق للأنظمة حتى لو على حساب الإسلام ذاته، وتدور مواقفهم مع مواقف الأنظمة حيث دارت. ويستميتون في الدفاع عن مواقف الأنظمة وإصدار التأويلات المتعسفة والفتاوى الشاذة التي تدعو إلى الخنوع الكامل للحكام حتى لو كانوا مجاهرين بالظلم والفجور والفساد.