البيان الذي صدرته وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب يوم الإثنين الماضي (17 أكتوبر 2022م) حول عدة مقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي تكشف نذرا يسيرا من انتهاكات وزارة الداخلية على مدار السنوات الماضية يبرهن على أن نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي هش للغاية ويصاب بالرعب من كل صيحة يخشى أن تكون القاضية؛ لا سيما وأن بيان الداخلية يتزامن مع دعوات التظاهر في 11 نوفمبر المقبل 2022م؛ بع بدء مؤتمر المناخ الذي تنظمه الأمم المتحدة بمدينة شرم الشيخ المصرية بدءا من يوم 5 نوفمبر.
يزعم بيان الداخلية أنها كشفت «حقيقة تداول مقاطع فيديو مؤخرًا لجماعة الإخوان (الإرهابية!) بقنواتها وصفحاتها التابعة لها على مواقع التواصل الاجتماعي مفبركة وقديمة وسبق نشرها منذ عدة سنوات» دون توضيح ما تحويه تلك المقاطع أو المقصود بـ«الفبركة»، لكنها أضافت أن هدف الفيديوهات «إثارة البلبلة والإيحاء للمواطنين بوجود مؤيدين لدعواتهم التحريضية على غير الحقيقة».
وكان بعض الداعين للتظاهر (ليسوا من الإخوان) قد أعادوا نشر كثير من المقاطع المصورة التي تُبرز استخدام القسوة خلال الشهور والسنوات الماضية من قبل أجهزة الدولة الأمنية والتنفيذية في عدة محافظات تجاه مواطنين مصريين.
خوف النظام دفعه إلى نشر عدد من الكمائن الأمنية لا سيما في القاهرة والجيزة وعواصم المحافظات؛ حيث بدأت قوات الشرطة توقيف وتفتيش الشباب على نطاق واسع في عدة مناطق بمحافظة القاهرة بحسب موقع “مدى مصر”، الذي ينقل عن أحد الشباب ممن تعرضوا للتوقيف والتفتيش قوله إن شخصًا يرتدي ملابس مدنية أوقفه يوم الجمعة 7 أكتوبر في منطقة باب اللوق بوسط القاهرة، وطلب منه بطاقة الهوية والهاتف المحمول، قبل أن يصطحبه إلى مكان في نفس المنطقة، حيث كان هناك ستة مواطنين آخرين يتم تفتيش هواتفهم المحمولة، وتوجيه أسئلة لهم مثل: «بتشتغل إيه؟ وساكن فين؟». ويُشير الشاب إلى أن الغريب في ما حدث هو قيام أفراد الأمن بتوقيف رجل ونجله الصغير وشاب وفتاة كانوا يسيرون في الشارع، وإخضاعهم لنفس الإجراء الذي جرى معه. وبعد تفتيش هاتفه وفتح كل التطبيقات وقراءة بعض المحادثات والنظر في الصور الشخصية، قام الضابط بتصوير بطاقته الشخصية، ثم أعطاها له وسمح له بالرحيل. ويرصد “مدى مصر”، ارتفاع وتيرة التفتيش في الأيام الأخيرة، ما ظهر في تحذيرات الشباب على مواقع التواصل من حملات تفتيش في الهواتف في الشوارع، فيما حدد آخرون الأماكن التي من المفضل الابتعاد عنها وهي «وسط البلد ومحيطها وشارع شبرا ومترو البحوث».
موقف الإخوان والقوى العلمانية
من جانب آخر فإن الزج باسم الإخوان في الموضوع هو محاولة لحصر الرافضين للنظام في الإخوان وحدهم رغم أن الغاضبين على نظام السيسي يزيدون على 95% من المصريين؛ وأجهزة السيسي الأمنية تعلم ذلك يقينا؛ فهل كل هؤلاء إخوان؟! نعلم أن تأثير الإخوان في عز مجدهم وحضورهم في الإجراءات الديمقراطية بعد ثورة يناير لم يزد عن 47% في انتخابات البرلمان وكان ذلك بالتحالف مع بعض الأحزاب والقوى الأخرى. بينما كانت الكتلة الثابتة للإخوان التي منحت الرئيس مرسي صوتها في جولة الرئاسة الأولى قد وصلت إلى نحو 26.5%. بينما كشف استطلاع الرأي الذي أجراه مركز “بيو” الأمريكي في الفترة بين 10 إلى 29 أبريل 2014م. وصدرت نتائجه في 22 مايو في ذات العام، قد كشفت عن حاضنة شعبية تقدر بنحو 43% للإخوان في عز اضطهاد السيسي لهم. هذه بالطبع كتلة كبيرة ومعتبرة، لكنها لم تعد مؤثرة اليوم لعدم وجود الجماعة الأرض بعد ذبح الجيش للآلاف منهم واعتقال الشرطة لعشرات الآلاف من قادتها ورموزها وشبابها، وهجرة الآلاف إلى الخارج. فالجماعة تريد التخلص من هذا النظام الدموي الاستبدادي ولا ريب في ذلك؛ لكنه لا تملك الادوات التي تمكنها من ذلك؛ شأنها شأن جميع القوى السياسية الأخرى العلمانية؛ فهذه القوى رغم انخراطها في علاقة مشبوهة مع النظام وقبولها به ودخولها في حوار صوري مع النظام إلا أنها ترغب بشدة في التخلص من نظام السيسي؛ وإذا اندلعت ثورة اليوم أو غدا وأطاحت بالسيسي فإن هذه القوى هي أول من تتمسح بالثورة بمجرد اليقين بنجاحها؛ رغم أن هذه القوى العلمانية كان لها دور مشهود في نسف المسار الديمقراطي واستعادة النظام البوليسي القمعي عافيته وسلطويته.
سيناريو مستبعد ولكن
معظم المؤشرات تؤكد أن دعوات التظاهر في 11 نوفمبر المقبل “2022” لن يكون لها صدى مؤثرا لاعتبارات كثيرة تتعلق بحالة القمع الأمني المفروضة على المصريين منذ انقلاب 03 يوليو 2013م؛ فلم يعد هناك طليعة ثورية مؤثرة تستطيع أن تقود الجماهير وتحركها وتحفزها؛ وحتى الإسلاميون وعلى رأسهم الإخوان لم يعد لهم وجود منظم على الأرض في الداخل رغم أنهم يتمتعون بشعبية واسعة حتى اليوم لا يستهان بها تقدر بالملايين. أما العامل الثالث فيتعلق بجيوش المخبرين والجواسيس الذين جندهم النظام داخل صفوف الجماهير لنقل كل الأخبار أولا. معنى ذلك أن الكتلة القادرة على تحريك الشارع ليست موجودة بالفعل رغم أن الناقمين على نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي في تزايد مضطرد حتى تآكلت شعبيته ونفد رصيده ولم له بين المصريين أنصارا لاعتبارات تتعلق بفشل النظام في إدارة البلاد على نحو صحيح خصوصا في الملف الاقتصادي حيث سقط عشرات الملايين من المواطنين تحت خط الفقر في ظل ارتفاع جنوني للأسعار وارتفاع هزيل وبطيء للأجور والمرتبات فتآكلت قيمتها مع تآكل قيمة الجنيه أمام الدولار الذي ارتفع من 8 جنيهات فقط في 2013 إلى 19.7 جنيها في أكتوبر 2022م.
ورغم ذلك فإن قياس ومعرفة حجم انطباع الناس ليس هينا في ظل انعدام أي هامش ولو ضئيل للحريات؛ وحسب الكاتب الصحفي سليم عزوز فإنه لا يمكن اعتماد فزع رجال السلطة وحدة للقياس، وهم الذين يحسبون كل صيحة عليهم، وقد بدت المخاوف من أفواههم؛ ذلك بأن منهم من يدركون أن النظام لم ينجح في تحقيق الاستقرار إلى الآن، ويعلمون أنه في ظل الظروف السياسية والمعيشية الضاغطة فإن الأمور على “تكة” أو في انتظار الشرارة الأولى.
ويرى عزوز أن الاجماع منعقد في المعارضة والسلطة، وفي الداخل والخارج، على أنها (الأوضاع في مصر) على تكة، لكن هل تكون هذه “التكة” في هذا اليوم (11/11)؟! ويجيب على ذلك بأن هناك شخصيات في كل مؤسسة لا يرضيها الوضع القائم، بل وممن يستفيدون منه، من يرون ضرورة الاكتفاء بهذا القدر، لأن التغيير الهادئ أفضل من ترك الأمور تسير في أعنّتها حتى تفاجئهم الثورة، وهناك اتفاق بأنها (هذه الثورة المرتقبة) لن تكون أبداً على القواعد الأخلاقية لثورة يناير، لكن لا أعتقد أبداً أن هناك من يمكنه أن يغامر بمثل هذه الاتصالات، لأن الطرف الآخر لن يرحم، والسيسي لن يترك الحكم بسهولة. وبالتالي يستبعد عزوز وجود أي أجنحة داخل السلطة ضمن تأمين خروج الناس في هذا اليوم رغم اقتناعه بأن اختيار هذا التوقيت بالذات موقف لأن العالم كله سيكون موجودا في مصر في مؤتمر المناخ بشرم الشيخ ما قد يحول دون استخدام العنف من جانب أجهزة السيسي الأمنية.
ويناقش عزوز فكرة الانقلاب الوشيك الذي يتحدث عنه البعض لكنه يستبعد هذا السيناريو أيضا ؛ مستدلا بأن عقيدة الجيش تستبعد ذلك متجاهلا أن الجيش يحكم مصر منذ يوليو 1952 بانقلاب عسكري على النظام الملكي. ويرى أن هذا يختلف عن وجود ثورة ينحاز لها الجيش، أو يعتبرها غطاء كما في انقلاب 30 يونيو التي مثلت غطاء شعبيا للانقلاب ذاته. وبحسب عزوز فإن كل أعضاء المجلس العسكري لم يكونوا قد تورطوا في هذا، لكن لم يكن لديهم ما يمنع من التورط، وليس بمقدورهم دفع ثمن الرفض. ويمكن فهم هذا بقراءة الحالة السودانية، فحتى من صنعهم البشير على عينه عندما وجدوا الجماهير في الشوارع، قرروا التضحية به لحماية أنفسهم، وهذه طبيعة بشرية، فحتى حميدتي صناعة الرئيس؛ باع الرئيس وتكلم بلسان الثورة!
وينتهي عزوز إلى أنه لو خرج الملايين احتجاجا على نظام السيسي فلن تكون المواجهة سوى لوقت قصير، فاذا أيقنت مؤسسات القوة من الإصرار على الاستمرار فلن ترتكب من الأفعال ما يجعلها في المواجهة مهما كانت حظوظها من الحكم القائم! لكنه يصل إلى أن “التكة” التي تقوم بها الجماهير العادية، تحتاج إلى طليعة ثورية ليست موجودة.
الخلاصة أنه لا يمكن الجزم بسيناريو محدد في أمور غيبية تتعلق بالمستقبل؛ وبالتالي فإن رصد المؤشرات التي تستبعد نجاح دعوات التظاهر في 11/11 المقبل هو من قبيل الترجيح وليس الجزم؛ لأن المستقبل بيد الله وحده الذي يعلم السر وأخفى. لكن المؤكد أن المؤسسة العسكرية سوف تنقلب على السيسي حال أيقنت أن بقاءه يهدد مصالحها ومصالح رعاتها بالخارج. فهي مؤسسة انقلابية بالأساس؛ فعلت ذلك مع الملك فاروق، وقتل عبدالناصر صديقه عامر في الصراع على السلطة، وكاد مراكز القوى تنقلب على السادات قبل أن يتغدى بها؛ وفعلت ذلك مع مبارك عندما وجدت الموازين ضده؛ وكان انقلابها على الرئيس الوحيد المنتخب بإرادة الشعب الحرة أكبر جريمة في حق هذه المؤسسة. فلماذا يستبعد البعض انقلابها على السيسي وقد خرب البلد بالفعل واغرقها في الديون والفساد؟!
لكن ما الجديد إذا ذهب جنرال وجيء بجنرال جديد؟ في كل الأحوال ستبقى مصر في هذه الحالة تدور في دائرة مفرغة من الفشل والفساد والطغيان ويكفي ما فعله حكم العسكر بها فقد هوت إلى قاع الأمم والشعوب ومستوى من الانحطاط لم يحدث حتى في ظل الاحتلال الإنجليزي لمدة 74سنة. فالحل هو انتزاع السيادة من الجيش والأجهزة الأمنية لتعود إلى الشعب صاحبها الأصلي ليفوض من يشاء وفق نظام ديمقراطي في ممارسة هذه السيادة وفق آليات دستورية معتبرة وقد كنا على الطريق فعلا بعد ثورة يناير لكن انقلاب الجيش دمر كل شيء. الديمقراطية هي الحل.