على مدار الأسابيع والشهور الماضية تروج الآلة الإعلامية للنظام أن الجيش بسط سيطرته على شمال سيناء وخاصة منطقة رفح بالقرب من الحدود مع قطاع غزة والمناطق المحيطة بها، لا سيما بعد شن الجيش حملة عسكرية مكبرة في يونيو 2022 بمساعدة مجموعات قبلية مسلحة موالية للسلطة على هذه المنطقة التي تضم الشريط الساحلي والتي تبلغ مساحتها نحو خمسة كم باتجاه الغرب نحو مدينة الشيخ زويد. وللبرهنة على ذلك أدى قائد الجيش الثاني الميداني اللواء محمد ربيع في يوليو 2022م، صلاة عيد الأضحى بهذه المنطقة؛ لكن داعش بعدها شن مزيدا من الهجمات المتتالية على المنطقة التي أدت إلى وقوع ضحايا في صفوف المجموعات القبلية وقوات الجيش. وهي الهجمات التي تزعزع الصورة التي تحاول المؤسسة العسكرية رسمها والترويج لها بالسيطرة والتحكم في الميدان، حيث برهنت هذه الهجمات أنها صورة مخالفة للواقع. وكانت القوات المسلحة تمتنع عن دخول أحياء رفح منذ الانتهاء من هدمها، خصوصاً الشمالية منها القريبة من شاطئ البحر، وكذلك تمنع المجموعات القبلية من التنقل فيها طيلة السنوات الماضية، إلى أن سمحت بذلك منذ أيام، فيما لاقت هجمات عنيفة من التنظيم، أجبرتها عن إيقاف التمشيط حتى إشعار آخر.
وكان النظام يحظر الدخول والتواجد في منطقة رفح، بعد تهجير الجيش لكل سكّانها، بقرار من الدكتاتور عبد الفتاح السيسي في أكتوبر 2014، ليتم هدم المدينة بشكل كامل؛ حيث تم إنشاء منطقة عازلة بعمق 5 كم، واستمرت موجة التهجير الضخمة في رفح حتى منتصف 2016 وقبل نهاية العام نفسه، تحولت رفح مدينة أشباح، إلى جانب 8 قرى في محيط الشيخ زويد تحولت هي الأخرى إلى قرى للأشباح. المنطقة العازلة امتدت لأكثر من 12 كيلومتراً عرضاً و13 كيلومتراً طولاً؛ ما أدى إلى تدمير أكثر من 6 آلاف منزل، وجرف آلاف الأفدنة الزراعية، وتهجير ما لا يقل عن 85 ألف نسمة من سكان المدينة، لم يتلقّ جزءٌ كبير منهم أي تعويضات مقابل تهجيرهم من منازلهم حتى اليوم. وحتى السكان الذين تم تهجيرهم من رفح إلى مدن ومحافظات أخرى تتم ملاحقتهم أمنيا لأن بطاقات هويتهم مدون بها "شمال سيناء" ويجري اعتقال هؤلاء بشكل دوري لأتفه الأسباب دون توجيه أي تهم لهم لمجرد أنهم من شمال سيناء. عملية التهجير حولت رفح إلى مدينة أشباح وهو الوضع الذي استغله تنظيم "داعش" على نحو جيد واستوطن هذه المنطقة حتى اليوم.
وقبل أيام في منتصف شهر أكتوبر 2022م أسفرت هجمات للتنظيم عن سقوط قتلى وجرحى من القوة المشتركة في الجيش والمجموعات القبلية والتي راح ضحيتها، اثنان من المجموعات القبلية ومجند في القوات النظامية. هذا الوضع يبرهن على فشل سياسات النظام وأن عمليات التهجير التي طالت سكان رفح ومحوها من الخريطة بشكل كامل لم تسفر سوى عن توطين تنظيم داعش وتغول عناصره في هذه المناطق، وبالتالي فإن الهجمات الأخيرة تنسف فعليا مبررات تهجير السكان من رفح. وطيلة تسع سنوات كاملة لم يتمكن الجيش من القضاء على حفنة من مسلحي التنظيم والذين يعدون بالمئات؛ ما يضع كثيرا من علامات الاستفهام حول مدى احترافية الجيش وقدرته على مواجهة التهديدات.
الهجمات الأخيرة وضعت المؤسسة العسكرية أمام اختبار قاس وزعزعت الصورة التي تحاول رسمها حول سيطرة الجش على الوضع الميداني في رفح وما حولها؛ لذلك جرى استنفار المجموعات القبلية من أجل شن حملة تمشيط جديدة على مدينة رفح، خصوصاً المنطقة الشمالية منها، حيث ساحل البحر، بهدف القضاء على ما تبقى من عناصر التنظيم، والبحث عن أماكن اختبائهم فوق الأرض وتحتها. ويأتي ذلك في ظل الحديث عن وجود العديد من الأنفاق والخنادق التي يختبئ فيها عناصر التنظيم، هرباً من قصف الطيران والقصف المدفعي الذي كان يستهدف أماكن تمركزهم طيلة سنوات الحرب. من جانب آخر فإن الهجمات الأخيرة برهنت على أن الحل في مواجهة داعش ومسلحيه هو توطين السكان وليس تهجيرهم كما جرى في أكتوبر 2014م، حين تقرر محو رفح من الوجود وتوسيع المنطقة العازلة من 500م إلى 5 آلاف م. وقد أعيد بالفعل عشرات المواطنين إلى قراهم في رفح والشيخ زويد وبئر العبد، خلال الشهور الأولى من سنة 2022م، لكن من الواضح أن تنظيم داعش ينظر إلى هؤلاء العائدين باعتبارهم عيون وجواسيس النظام؛ وإلا لماذا تم إعادتهم دون غيرهم من الـ85 ألفا الذين تم تهجيرهم؟!
واتفقت كثير من مراكز البحث وتقديرات المشهد على أن الدولة بنزاعها مع تمرد مسلح صغير يصل عدده بين 1000 أو 2000 شخص خلقت أفضل بيئة يمكن أن تتمناها أي جماعة مسلحة، إذا فقدت عائلة مصدر رزقها وعيشها، لا يصعب تجنيدها في سياق متطرف، القوات المسلحة بهذا الأسلوب خسرت معركة كسب العقول والقلوب، وبالطبع معركتها العسكرية. ولهذه الأسباب اعتبرت صحيفة The Washington Post الأمريكية، ما يحدث في سيناء هو شكل من أشكال التمرد على ظلم الدولة المصرية، وأن سيناء تشهد حرباً أكثر ضراوة منذ سنوات، لكن لا أحد يعرف عنها سوى القليل. وقالت الصحيفة الأمريكية ــ في تقرير لها في يونيو 2019 ـ إن قوات الجيش والشرطة المصرية فشلت مراراً في إخماد تمرُّد استمدَّ جذوره من الحرمان وغيره من أشكال الظلم داخل الدولة.
أرقام مفزعة
ومن عجائب حرب السيسي في سيناء ما أصدره معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط بواشنطن في يوليو 2018م، حيث نشر تقريرا بعنوان: "خمس سنوات من حرب مصر على الإرهاب"، كشف فيه بالأرقام أن قوات الأمن المصرية أعلنت رسميا (خلال الفترة من 2014 حتى منتصف 2018م) شن حوالي 3500 عملية أمنية، 40% منها في شمال سيناء. هذا في مقابل وقوع حوالي 2500 هجوم مسلح في السنوات الخمس التالية للانقلاب. وقد أدت تلك العمليات إلى مقتل سبعة آلاف شخص 95% منهم في شمال سيناء. ويكشف التقرير أن السلطة في مصر تواجه تنظيما قد لا يتجاوز عدد مسلحه الألف شخص. ومع ذلك، قتل سبعة أضعاف إجمالي المسلحين. كما قتل سبعمائة فرد من أفراد قوات الأمن المصرية في السنوات الثلاث التالية للانقلاب العسكري، وهو ضعف قتلى قوات الأمن المصرية خلال عقد الثمانينات، والذي شهد صراعا مسلحة بين النظام المصري والجماعات المسلحة. وقد وصل عدد قتلى قوات الأمن المصرية في شمال سيناء من يناير 2014 وحتى يونيو 2018 إلى 1226 فردا. ولا يعرف بالضبط عدد الضحايا المدنيين الذين سقطوا بسبب تلك المواجهات. وتقدر تقارير إعلامية عددهم بأكثر من ستمائة شخص في شمال سيناء وحدها من يوليو 2013 وحتى منتصف 2018. هذا بالإضافة إلى القبض على عشرات آلاف من المعارضين السياسيين والمشتبه فيهم ووضعهم في المعتقلات والسجون، وإزالة حوالي 6850 مبنى في رفح وترحيل عشرات آلاف من المواطنين.
فشل عسكري متواصل
على مدار السنوات التسع الماضية شن الجيش سبع حملات عسكرية كبرى لكنه فشل بشكل كامل في القضاء على التنظيم. وفي نوفمبر 2017، تعهد السيسي بالقضاء على «الإرهاب» في سيناء في غضون ثلاثة اشهر فقط، وكلف اللواء محمود فريد، رئيس أركان الجيش وقتها، وزير الداخلية وقتها اللواء مجدي عبدالغفار، باستخدام "القوة الغاشمة" في مواجهة المسلحين بعد جريمة مسجد الروضة التي راح ضحيتها أكثر من 300 مصل خلال صلاة الجمعة؛ وبعد انتهاء المدة المحددة؛ لم يعلن السيسي القضاء على الإرهاب كما تعهد بل أطلق في 9 فبراير2018م «العملية الشاملة» التي توصف بكبرى العمليات المسلحة ضد المسلحين في سيناء كلها؛ والتي امتدت حتى اليوم دون أن تحرز أي تقدم ملموس فضلا عن النصر الحاسم الذي وعد به السيسي، وكما روجت وسائل إعلام النظام مرارا وتكرارا منذ انطلاقها.
وفي مايو (2022) شن التنظيم عدة هجمات مسلحة أسفرت عن مقتل نحو 23 عسكريا بينهم ثلاثة ضباط بخلاف المصابين والجرحى ردا على اعتقال عدد من زوجات عناصر التنظيم. وهو ما دفع الجيش في (يونيو 2022) إلى شن حملة جديدة على أوكار التنظيم بمساعدة مليشيات القبائل، في ظل تصاعد المواجهات الأمنية في مدينة رفح بمحافظة شمال سيناء. وشهدت قرى بلعا والمطلة والحسينيات اشتباكات ضارية بين "ولاية سيناء" وقوات الجيش والقبائل، لكن الكمائن والفخاخ والعبوات الناسفة واستخدام تكتيكات حرب العصابات من جانب التنظيم ببراعة، لجأ الجيش إلى الطيران الحربي كما تم الدفع بقوات خاصة ومشاة لدعم تقدم عناصر المليشيات القبلية المساندة للجيش التي تتقدم الصفوف ويقع بها أكثر القتلى والمصابين.
رغم الحرب المستعرة منذ سنوات لايزال داعش يتحصن بعدة أماكن بالقرب من ساحل رفح والشيخ زويد وبئر العبد ومناطق المغارة وسط سيناء حيث الطبيعة الجبلية الوعرة التي تمنع قوات الجيش من التقدم والتي تعتبر مناطق ملائمة للغاية لعناصر التنظيم.، وأيضا في منطقة جلبانة القريبة من قناة السويس الاستراتيجية. ووفقا لمحللين فإن التركيبة العسكرية للتنظيم التي تعتمد على الخلايا المنفردة، والتي لا علاقة لها بغيرها من المجموعات، تعنيان أننا أمام تنظيم معقد، قد لا يؤثر عليه كثيراً فقدان الأرض، وإنما يتأثر بالضرر الذي يلحق بقوته البشرية بشكل ملموس، إلا أن ذلك لا يبدو واضحاً، في ظل أن غالبية الخسائر البشرية تقع في صفوف القوات الأمنية، واتحاد القبائل العامل معه.