ليس أعجب من إفساح المجال لنزول جمال مبارك للمرة الثانية بشوارع القاهرة الشعبية للمرة الثانية أثناء جنازة محامي العائلة والجاسوس عزام عزام؛ فريد الديب، سوى الفزع والذعر الذي ظهر فيه السيسي بعدما هتف مستقبلوه من حي السيدة زينب نجل المخلوع الوريث المطاح به، بالتوسل عودته “يا رب ترجع أيامك” و”يا ريس يا ريس” وكذلك بقبلة من أشيب، ركزت عليها لجان خليجية دشنوا هاشتاج “جمال مبارك رئيسا لمصر” فتحولت جنازة المحامي الديب إلى مظاهرة تأييد للفاسد بشهادة الملاذات الآمنة البنوك السويسرية نموذجا.
حوار سريع لم يستطع فيه السيسي ضبط خطابه، يبدو أنه دل على مدى رعب وخوف السيسي من 11 نوفمبر وفرص التغيير ومن يقف وراءها ، فضلا عن إشارته للانقسام الواضح في الدولة العميقة.
وتقمص السيسي مع يوسف الحسيني على القناة الأولى شخصية مرتضى منصور وهو يلوح لغرمائه بالسديهات، وقال السفيه المنقلب “أنا كنت مدير مخابرات وكل اللي عملتوه عندي ، هي الناس بتهتف ليه وتبوس على الإيد تاني ليه؟ وسط صوت زعيق عالي.
وقال المراقبون إن “ظهور جمال مبارك في حي السيدة زينب وتكرار المشهد في عزاء فريد الديب بعمر مكرم، أعده له أنصاره والمنتفعون من فترة حكم والده المخلوع مبارك بأسلوب سينما الترسو، مشددين أن مشهد التجمع والهتاف والتصوير والعرض في السوشيال ميديا معد لجمال مبارك من أوله لآخره، لاسيما وأنه استرد أموال الشعب التي سلبها وشقيقه ووالده في عهد المخلوع والتي نهبها وأودعها في البنوك الخارجية، فرموز الدولة العميقة في عهد مبارك كلهم خارج السجون ويتحكمون بمفاصل اقتصادية وأبرزهم أحمد عز.
جمال خلال أكتوبر 22، زار قبر والده، وكان المشهد حفاوة بالغة من الحضور وطالبوه بالترشح للرئاسة القادمة مترحمين على أيام مبارك، وتوجه إلى قبر الجندي المجهول حيث وضع إكليل من الزهور على قبر السادات بعدما تجاهل السيسي زيارة قبر والده وتعمد زيارة قبري عبدالناصر والسادات.
فتش عن بن زايد
المثل الشعبي من له ظهر لا ينضرب على بطنه ، واتضح أنه بزيارة جمال مبارك الأخيرة الرحلة الأولى خارج البلاد بعد منعه من السفر بقرارات قضائية طوال 11 عاما مضت ، إلى أبوظبي لتعزية محمد بن زايد شيطان العرب، في وفاة شقيقه المريض رئيس الإمارات الشيخ خليفة بن زايد رحمه الله ثم تبعه؛ إذاعته بيان عن تبرئه ذمة والده المالية بعد بيان الاتحاد الأوروبي، ونفيه وجود مخطط لترشحه لانتخابات الرئاسة القادمة، وهو ما تسرب عنه أيضا في جلسة مع مقربين بأحد قصور رجال الأعمال ، زاعما أن أسرة مبارك تؤمن بأكملها أن دورها السياسي قد انتهى وأن كل ما كانت تسعى إليه هو تبرئة العائلة من قضايا الفساد.
ويعتقد البعض أن فرص التغيير وحسم الأمور وارد بشكل كبير من الجيش نفسه، تحاشيا لخروج الأمور عن السيطرة وذلك بزيارة ولي عهد دبي محمد بن راشد للسيسي لعرض الخيارات المتاحة للسيسي، والذي بدا أنه مرفوض خليجيا ظهر بمقاطعتهم مؤتمره الاقتصادي أكتوبر 2022 ، على الأقل عوضا عن الدول الغربية بحسب تقرير ستيفين كوك لمجلة فورين بوليسي قريبة الصلة بالغرف المغلقة للدولة الأمريكية، والذي حذر فيه من أن بقاء نظام السيسي يهدد بقاء الدولة.
السيسي الذي عقد مؤتمرا اقتصاديا لثلاثة أيام تحدث منفردا خلاله 6 ساعات، السيسي، فلم يتحدث كذبا قط لأي أحد، في معرض حديثه عن الأوضاع التي عاشتها بلاده في 2011 و2013، مشيرا إلى أن مصر لم تكن مستعدة لـتكلفة التغيير.
وتابع “يا ترى وإحنا في 2011 و2013 كنا مستعدين لتكلفة التغيير؟ ولا إحنا عملنا كده وأنت اطلع خلص، لازم نطلع إحنا مع بعض نخلص، وأوعى تقولي اطلع أنت خلصها، طيب أنا هخلصها إزاي لوحدي؟ هل أنا جيت في حملة 2014 قلتلكم أنا لها أنا لها، لأ. أعطيتكم وعودا جميلة، لأ”.
ولم يكتف بذلك فخرج بمداخلة تليفزيونية مع يوسف الحسيني على الهواء مباشرة لنحو ساعة “يهدد معرضا لجمال مبارك” ثم يتحدث عن دوره في القضاء على الإخوان وأنه تولى مصر بأمر من الله وأن ربنا في ظهره.
حالة رعب
الباحث في التاريخ الإسلامي محمد إلهامي اعتبر أن مداخلة السيسي مع يوسف الحسيني “تتضافر مع الإجراءات الأمنية الأخيرة لتدل على أنه يعيش حالة غير مسبوقة من الرعب”.
وأوضح أن “بعض هذا الرعب يمكن تفسيره بهذا المنام الذي رآه قديما، والذي حكاه في التسريب الشهير مع الصحافي ياسر رزق، وقد قال فيه إنه “رأى في المنام السادات يقول له ستكون رئيسا لمصر، وتوقع السيسي أنه سيكون مثل السادات رئيسا لمصر”.
وأوضح أن الشبه الذي يرجوه الناس، بين السيسي والسادات هو “نفس هذا الشبه الذي يتخوف منه السيسي أن السادات قد اغتيل في المنصة، وهو في أوج هيلمانه وصولجانه، اغتاله أفراد من عسكره، من أمامه ومن خلفه، اغتالوه في اللحظة التي لم يكن ليتوقعها أبدا، وهذا الهاجس حاضر عند السيسي، فهو في العديد من حضوره لبعض الحفلات والعروض ينصب أمامه حاجزا زجاجيا سميكا، وبعض هذه الحفلات كانت بين العسكريين”.
وعن مزيد من الهواجس، أضاف “إلهامي” أن قوات حراسته الخاصة تقف بينه وبين العسكريين، أو تجلس على عدد من الطاولات المنتشرة حول طاولته وأن حديثه المتكرر عن الجيش في هذه الخطابات تؤكد هذه الهواجس”.
مبغوض منبوذ
ورأى أن السادات كما السيسي انفلتت خيوط الإعلام في زمانه شيئا، فمات وهو مبغوض منبوذ، مع أن أدنى مقارنة في أي مجال بين عبد الناصر والسادات ستصب فورا لصالح السادات.
وأضاف أن “السيسي، يشكو في كل خطاب من عدم قدرته السيطرة على الإعلام كما كان في زمن عبد الناصر، ومع كل ما فعله في الإعلام المصري إلا أنه يتألم حتى الآن من أن الإعلام لا يخدمه كما ينبغي، وهو يعرف أنه منبوذ مبغوض، ولا بد أنه رأى الناس وهي تلتف حول جمال مبارك وبعضهم يقبل يده ويتمنى عودته للرئاسة، جمال مبارك هذا لولا أنه حُبِس في بداية ثورة يناير لكان الناس قد افترسوه لو أنهم أمسكوا به، فقام طنطاوي والسيسي بحبسه حماية له من الناس، الآن الناس تتمنى عودة جمال مبارك، بل تتمنى عودة أي كلب أجرب ليحكم البلد بدلا من السيسي”.
حملة فاسد
وكانت 25 يناير 2011 لجمال مبارك نهاية، وعلى فاسد على غرار والده مبارك الذي زاوج المال بالسلطة، عندما ثار الشعب على نظام حكم استمر 30 سنة، وبات يطل من خلال احتفالات انتصارات أكتوبر 1973، مروجا لنفسه كمرشح ومنافس محتمل للرئيس السيسي في انتخابات الرئاسية المقررة في أبريل عام 2024.
إلا أن الثورة كشفت ثروة 400 مليون فرنك سويسري بما يعادل 429 مليون دولار بعد أن كانت قد أفرجت فى وقت سابق عن 200 مليون فرنك سويسري بما يعادل 214.5 مليون دولار ، وهي مبالغ تعادل في مجموعها ما يقرب من نحو 12 مليار جنيه مصري، قررت النيابة السويسرية الإفراج عنها ضمن ما قالت إنه “أموال حسني مبارك المجمدة بالبنوك السويسرية منذ عام 2011”.
وجمال وعلاء مبارك مدانان في قضية القصور الرئاسية، ولم يسددا حتى الآن قيمة الغرامة المقررة بالحكم والتي تبلغ 147 مليون جنيها، وظهر اسمهما كذلك في عدة تسريبات خاصة بسرقة أموال المصريين مثل كشوف بنما.