امتدت يد التخريب العابثة إلى التراث السينمائي؛ حيث أقدمت شركة المتحدة المملوكة لجهاز المخابرات العامة على حذف أهم مشهد في فيلم "الزوجة الثانية" والذي يعد واحدا من أهم كلاسيكيات السينما المصرية. وعرضت قناة "الحياة" المملوكة للمخابرات العامة، جزءاً من الفيلم المصري "الزوجة الثانية" للمخرج الراحل صلاح أبو سيف، من النسخة التي تُعرض على شاشتها. وهو الإجراء الذي يحمل دلالة راسخة بأن النظام يخشى حتى المشاهد السينمائية التي تنتقد الظلم والطغيان في الأعمال الكلاسيكية الراسخة التي نالت شهرة واسعة على مدار العقود الماضية وميزت السينما المصرية ومنحتها سمعة كبيرة.
وفي المشهد المحذوف من الفيلم، يطلب عمدة القرية الظالم (عتمان) من "أبو العلا" أن يطلق زوجته "فاطمة" ليتزوجها هو، وإلا سيُزّج به في السجن بتهمة السرقة.. فتقول فاطمة باكية: آني مش شايفة لها خلاص يا أبو العلا.. حكم القوي هيسري علينا.. هيحبسوك ظلم ويعدموك ظلم.. آني من غيرك ماسواش حاجة.. والعيال لا عم ولا خالة. يرد أبو العلا: ربنا يهد قواهم. فتقول فاطمة: إحنا وقعنا في إيدين لا ترحم ولا تعرف ربنا.. آني فداك يا أبو العلا.. وعد بيني وبينك وربنا هو الشاهد.. إن هو ليستحيل هايشوفني ولا يكون لي راجل.. أني فداك يا أبو العلا، لأجل تعيش أمك وولادك.
في هذا الموقف العصيب، يلجأ أبو العلا إلى الشرطة؛ فقد لفق له العمدة تهمة سرقة لم يرتكبها ولم تحدث من الأساس؛ لكن المأمور ينحاز إلى العمدة الظالم؛ ويضغط على "أبو العلا" من أجل الاعتراف بجريمة سرقة الخزينة. وهنا يتدخل شيخ القرية لإقناع أبو العلا بتطليق زوجته مستدلا بقوله تعالى "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، مشيرا إلى العمدة باعتباره ولي الأمر. لكن أبو العلا يصرخ في وجه شيخ السلطة ويصفه بالرجل الكافر. وفي لحظات اليأس التي يعيشها الزوجان المتحفظ عليهما من قبل المأمور، يأتي "الأراجوز" الجوّال للقرية، ويبدأ عرضه الساخر ويلهم "فاطمة" بفكرة مجاراة العمدة وخداعه حتى تنتصر في النهاية.
ويعلق المخرج المصري سعد هندواي على حذف هذا المشهد الذي يعد واحدا من أهم مشاهد السينما المصرية، ونشر هنداوي على "فيسبوك" فيديو يحتوي على المشاهد المحذوفة وكتب معلقاً: "الـ5 دقايق المحذوفين من فيلم الزوجة الثانية في النسخة اللي بتتعرض على قناة الحياة"، مضيفاً: "الحقيقة مش عارف مين اللي عمل الحذف، أو أن قناة الحياة اشترت النسخة بالحذف ده؟!".
وقال هنداوي: "من الممكن التغاضي، على مضض، عن تخفيف مشهد حب حميم وده حاصل في نفس الفيلم، لكن حذف "سيكوانس" كامل بهذه الأهمية من الفيلم ده فيه تعدّي صارخ وتشويه للفيلم… ليه؟".
وأضاف المخرج المصري: "الفيلم مأخوذ عن قصة للكاتب أحمد رشدي صالح، واللي كان له كتب وأبحاث في الفنون الشعبية. واضح من البداية أن الفيلم فيه احتفاء بالثقافة الشعبية، مش بس في الشكل، ولكن أيضاً في دراما الفيلم". وتابع: "يبدأ الفيلم بصندوق الدنيا اللي بيقدم لنا شخصيات الفيلم وكأنها حدوتة بيحكيها الفنان الجوّال للأطفال والكبار وهو بيسمح لهم بالنظر في "فريم" صندوق الدنيا للتمتع بتفاصيل الحكاية.. وبندخل معاهم في عالم الحدوتة إلى أن نصل للذروة، وهي طلب العمدة الظالم من أبو العلا أن يطلق زوجته (فاطمة) ليتزوجها هو، وإلا سيتم التنكيل به… وفي لحظات اليأس يأتي عرض الأراجوز الجوّال للقرية ويبدأ عرضه الساخر والذي يلهم فاطمة بفكرة مجاراة العمدة واللعب عليه حتى تنتصر في النهاية". وختم هنداوي قائلاً: "يبقى السؤال: ليه تم حذف كل السيكوانس الـ5 دقايق ده واللي هو عصب في دراما الفيلم؟ غير مفهوم، خاصة إننا بنشوف فاطمة بالفعل بتنفذ كل المخطط بعد كده!".
الزوجة الثانية فيلم مصري درامي عرض عام 1967، ومن إخراج صلاح أبو سيف وتأليف أحمد رشدي صالح وبطولة سعاد حسني وشكري سرحان. يحكي عن رغبة عمدة إحدى القرى في الريف المصري في إنجاب ابن يورثه ويحمل اسمه، فيطمع في خادمته فيجبر عامله على تطليقها ويتزوجها جبرا، من خلال تهديده بتلفيق تهمه له، ولكنها تستخدم الحيلة في إبعاده عنها وتستمر علاقتها بزوجها، وينتهى الفيلم بإصابة العمدة بالشلل عند علمه بحملها ويموت، فتعيد الزوجة الحقوق لأصحابها.
توجيهات السيسي
وفي نهاية فبراير 2022م، وعلى غير المتوقع لم يبدُ السيسي معجباً بفيلم "الإرهاب والكباب"، بل وصفه بـ"التحريضي ضد الدولة"، بل ذهب بعيداً بالربط بينه وبين تظاهر المواطنين ضد نظام مبارك في ثورة يناير 2011، في وقت يعتبر فيه الكثيرون أن هذه الثلاثية " وحيد حامد كمؤلف ـ عادل إمام كممثل ــ شريف عرفة كمخرج" قد كونت خصيصاً لامتصاص أي غضب شعبي قد يتكون ضد نظام مبارك آنذاك. فرغم تعبير أفلامهم عن بعض الاختناق الشعبي، فإنها تصب جل الغضب ضد الحكومة أو بعض المسؤولين الفاسدين، لتبييض وجه رأس النظام، ولامتصاص الغضب الشعبي بعض الشيء.
في المقابل، أبدى السيسي في مداخلات هاتفية إشادته الكبيرة ببعض الأعمال الدرامية والسينمائية التي تمجد في بطولات الجيش والشرطة، وتروج لإنجازات النظام، وتناقش فكرة الخطاب الديني والجماعات الإسلامية من وجهة نظر السلطة، مثل مسلسل الاختيار بأجزائه الثلاثة والذي نال إشادة واسعة وجري تكريم أطقمه الفنية، مسلسل "القاهرة كابول"، حيث أشاد السيسي بكاتبه عبد الرحيم كمال على فضائية صدى البلد، وأجرى مداخلة للتعبير عن إعجابه الشديد بالمسلسل، الذي خطّه عبد الرحيم لصالح شركة سينرجي المقربة من المخابرات، وقام ببطولته عدد من كبار النجوم، وتناول حقبة ازدهار الجماعات "الجهادية"، والحرب الأمريكية على أفغانستان وتأثيرها على المجتمع المصري. ولم يُنهِ السيسي مداخلته بالبرنامج قبل أن يشيد بأفكار عبد الرحيم كمال، معتبراً كمال واحداً من قادة ما سمّاها "معركة الوعي"، التي تقودها مصر الآن ضد الأفكار الظلامية، ويطلب منه أن يكتب المزيد من هذه الأعمال، مؤكداً له أن الدولة ستدعم بنفسها تلك الأعمال الفنية. كذلك جرى تكريم طواقم فيلم "الممر" الذي يشيد ببطولات الجيش أثناء حرب الاستنزاف.وجميع تلك الأعمال أيضاً كانت من إنتاج شركة سينرجي المقربة من المخابرات العامة. واعتبر السيسي هذه الأعمال والعاملين فيها جنود المعركة التي يخوضها شخصياً لتنوير المجتمع المصري.