دلالات ورسائل الهجوم على القنطرة شرق ومقتل ضابطين و(5) جنود

- ‎فيتقارير

الهجوم الذي شنه مسلحو تنظيم ولاية سيناء التابع لتنظيم داعش صباح السبت 19 نوفمبر 2022م على مدينة القنطرة شرق ومقتل ضابطين وخمسة جنود في حصيلة أولية بعدما اشتبك المسلحون مع قوات من الجيش والشرطة عدة ساعات امتدت من فجر السبت حتى الصباح، يحمل عدة دلالات ورسائل شديدة الأهمية والخطورة.

الملاحظة الأولى هي إصرار نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي والمؤسسة العسكرية على فرض سياج من السرية والكتمان عن الأحداث الجارية في سيناء منذ سنوات؛ وبالتحديد مع سن قانون الإرهاب سنة 2015، حيث فرض النظام على جميع وسائل الإعلام عدم نشر أي شيء عن سيناء باستثناء البيانات الرسمية الصادرة عن الجيش. لكن الجيش نفسه منذ نحو سنة كاملة لم يعد يصدر بيانات رسمية عسكرية عن الأحداث في سيناء. هذا الوضع انعكس على  جميع وسائل الإعلام المملوكة للنظام ويشرف عليها جهاز المخابرات العامة أو الأمن الوطني؛ فرغم المعارك الدموية التي جرت صباح السبت إلا أن وسائل الإعلام  لم تنشر حرفا واحدا مما جرى؛ وكأنها تحدث في بلاد الواق واق!!

الملاحظة الثانية أن الهجوم يمثل رسالة تحد من تنظيم ولاية سيناء يؤكد به أنه لا يزال موجودا وقادرا على إلحاق الأذى بالجيش وأجهزة النظام رغم شن أكثر من عشر حملات عسكرية خلال السنوات الماضية أبرزها تعهد السيسي في نوفمبر 2017م بعد مذبحة مسجد الروضة ( بالقضاء على (الإرهاب) خلال ثلاثة شهور فقط؛ لكنه بدلا من القضاء على الإرهاب في الموعد المحدد (فبراير 2018) شن حملة هي الأضخم (العملية الشاملة) والتي لم تقض على التنظيم رغم مرور أربع سنوات على انطلاقها!

الملاحظة الثالثة أن الهجوم بهذه الطريقة حيث احتل التنظيم عدة مباني رسمية ودخل في اشتباك مباشر مع القوات النظامية في مدينة حساسة كالقنطرة شرق على بعد عدة كيلومترات مجرى قناة السويس وهي مدينة تقع ضمن النطاق الجغرافي لمحافظة الإسماعيلية، بالتالي فإن الهجوم على هذا النحو  ليس فقط رسالة تحد للنظام العسكري بل رسالة تهديد بأنه قادر على تهديد المجرى الملاحي لقناة السويس. فالتقارير التي تناولت الخبر (كالعربي الجديد) نقلت عن مصادر أن  عناصر تنظيم "داعش" سيطروا على مدرسة وكلية صيدلة، ومبانٍ أخرى، إلى أن هرعت قوات كبيرة من الجيش والشرطة والمجموعات القبلية المساندة لها لصدّهم. وأشارت إلى أن الاشتباكات بدأت فجراً واستمرت حتى صباح السبت، فيما انقطعت شبكات الاتصال والإنترنت عن المدينة عدة ساعات. وكان تنظيم "ولاية سيناء" قد حاول، قبل ثلاثة أشهر، السيطرة على قرية جلبانة القريبة من قناة السويس، إلا أن قوات الجيش والمجموعات القبلية صدت الهجوم، فيما يستمر وجود "داعش" في المنطقة الغربية من سيناء، حيث قُتل قائد الكتيبة 103 صاعقة قبل، أقل من أسبوعين، في هجوم بمنطقة جلبانة كما قتل ثلاثة من المليشيات القبلية المساندة للجيش في ذات الحادث.

الملاحظة الرابعة هي دلالة فشل الجيش وهو عاشر أو تاسع أقوى جيوش العالم في مواجهة حفنة مسلحين لا يتجاوز عددهم المئات على أقصى تقدير. وهذا لغز كبير؛ إذ كيف للجيش المصنف التاسع عالميا مدعوما بطائرات الاحتلال الإسرائيلي ومعدات وأسلحة أمريكية بخلاف جهاز المخابرات بنوعية العام والحربية ثم الأمن الوطني وقوات الشرطة بخلاف جيوش الجواسيس و المخبرين أن يفشلوا كل هذا الفشل إمام حفنة مقاتلين لا يملكون شيئا في مواجهة  هذه الترسانة الضخمة من السلاح والعتاد والأفراد؟!

الملاحظة الخامسة قد يكون هذا الهجوم مدبرا من جانب النظام ذاته لإقناع الداعمين الدوليين أنه لا يزال  يتصدر صفوف الحرب على التنظيمات الإرهابية وأنه يستحق كل الدعم والمساندة   في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها مصر حاليا على المستويات  المالية والاقتصادية؛ فالنظام قد يسمح بمرور حادث كهذا ثم السيطرة عليه  وتوظيف دماء الضحايا  المسفوكة من ضباط وعناصر الجيش والقوات النظامية من أجل استدرار  دعم الحكومات الغربية ومؤسسات التمويل؛ فالنظام يحتاج إلى دعم مالي كبير في ظل تردي الأوضاع على نحو غير مسبوق.  هذا الهجوم على هذا النحو قد يسمح للنظام بغلق التسهيلات التي تم  إجراؤها لأهالي شمال سينناء خلال فترة تنظيم مؤتمر المناخ  بشرم الشيخ تحت رعاية الأمم المتحدة حيث سمح النظام  لأول مرة منذ سنوات بتسهيلات تتعلق بحياة المواطنين  ومستلزماتهم اليومية، والتي كانت من المطالب الأساسية لسكان شمال سيناء، منذ فرْض حالة الطوارئ في المحافظة عام 2014، بالإضافة إلى إلغاء وجود بعض الكمائن الأمنية والعسكرية. كما تم فتح محطات الوقود أمام السيارات بشكل كامل، بعدما كان يُسمح للمواطنين بالتعبئة مرة إلى مرتين أسبوعياً وبكميات محدودة للغاية، وبحضور قوة من الجيش المصري، والجهات الحكومية المختصة. كذلك تم السماح بدخول الزيوت المخصصة للسيارات بشكل دائم، من دون الحاجة إلى تنسيق مسبق كما كان الحال طيلة السنوات الماضية. وبالتزامن مع ذلك، فتحت الجهات الأمنية عدة طرق ومفترقات هامة في مركز مدينة العريش، بعدما كانت مغلقة منذ ستة أعوام متتالية، ما يخفف من معاناة المواطنين في التنقل بين أحياء المدينة التي تمثل عاصمة لمحافظة شمال سيناء، وتحوي المراكز الحيوية لكافة سكان المحافظة. هذا الجوم قد يسمح للنظام  بالعودة إلى الأوضاع السابقة التي تمثل بحد ذاتها عقابا لكل أهالي سيناء.

الملاحظة السادسة أن النظام العسكري استخدم إجراءات باطشة وغير مسبوقة بحق المصريين عموما منذ انقلاب يوليو 2013م، وكان لأهالي سيناء من هذا القمع الأمني نصيب الأسد؛ حيث قتل الآلاف واعتقل آلاف الأبرياء ظلما وعدوانا ودمرت عوائل وآلاف المزارع وأغصان الزيتون، تم تدمير مدن وقرى بكاملها وتهجير أهلها قسرا كما حدث مع مدينة رفح؛ واتفقت كثير من مراكز البحث وتقديرات المشهد على أن الدولة بنزاعها مع تمرد مسلح صغير الحجم كتنظيم ولاية سيناء خلقت أفضل بيئة يمكن أن تتمناها أي جماعة مسلحة، إذا فقدت عائلة مصدر رزقها وعيشها، لا يصعب تجنيدها في سياق متطرف، القوات المسلحة بهذا الأسلوب خسرت معركة كسب العقول والقلوب، وبالطبع معركتها العسكرية. ولهذه الأسباب اعتبرت صحيفة  The Washington Post الأمريكية، ما يحدث في سيناء هو شكل من أشكال التمرد على ظلم الدولة المصرية، وأن سيناء تشهد حرباً أكثر ضراوة منذ  سنوات، لكن لا أحد يعرف عنها سوى القليل. وقالت الصحيفة الأمريكية ــ في تقرير لها في يونيو 2019 ـ إن قوات الجيش والشرطة المصرية فشلت مراراً في إخماد تمرُّد استمدَّ جذوره من الحرمان وغيره من أشكال الظلم داخل الدولة.