رسائل خطيرة في اعتداء ضابط جيش على ممرضات مستشفى قويسنا

- ‎فيتقارير

اعتداء ضابط طيار بالجيش على طاقم التمريض وبعض العاملات بمستشفى قويسنا بمحافظة المنوفية مساء الخميس غرة ديسمبر 2022؛ ما أسفر عن إصابة الممرضات وإجهاض إحداهن جنينها بسبب الضرب المبرح الذي تعرضت له من الضابط وأسرته، وخطف الهواتف أثناء تصوير الجريمة لمنع توثيقها ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي بزعم رفض الطاقم العناية بقريبة الضابط البلطجي وأسرته؛ هو شكل من أشكال البلطجة التي انتشرت في مصر خلال السنوات التي تلت انقلاب 03 يوليو 2013م.

وكان رواد وسائل التواصل الاجتماعي قد تداولوا، أمس، فيديوهات تظهر اعتداء عدد من المواطنين على طاقم التمريض بمستشفى قويسنا، بسبب التأخر في علاج مريضة تعاني من النزيف، وأظهرت الفيديوهات اعتداء زوج المريضة ، وعرفوه بـ«الضابط مصطفى السد العالي»، وعدد من أفراد أسرته وشقيقه على  الممرضات والعاملات بالمستشفى، وهو ما تبعه مطالبة نقيبة التمريض كوثر محمود بسرعة التحقيق في الواقعة، لاتخاذ الإجراءات القانونية العاجلة ضد الشخص المتسبب في الواقعة دون تسميته، ما أعقبه إعلان وزير الصحة مساء أمس متابعته للواقعة، ومطالبته للمستشفى بتحرير محضر بالواقعة للحفاظ على حقوق الممرضات وحق الدولة فيما لحق بالمستشفى من تلفيات.

الرسالة الأهم في هذه الجريمة أن المنتسبين للمؤسسة العسكرية (الضباط على وجه التحديد) يتعاملون مع باقي فئات الشعب بمنطق الاستعلاء؛ فهم السادة والشعب قطيع من العبيد؛ وإذا كان الجنرالات ينظرون إلى مصر كلها كإقطاعية عسكرية لا يحكمها إلا جنرال، وفي سبيل فرض وصايتها على الوطن والشعب فهي على استعداد لعمل أي شيء وارتكاب أي جريمة؛ لذلك دبروا انقلابهم المشئوم في منتصف 2013 لاستعادة السلطة وقهر الشعب بالحديد والنار. وارتكبوا عشرات المذابح الوحشية التي جرى توثيقها وبثها على الهواء مباشرة كما جرى في رابعة والنهضة وغيرها؛ وهذا الضابط البلطجي ما فعل ذلك إلا لثقته المطلقة بأنه سادة هذا الشعب الذي لا يصلح معه إلا الحديد والكرباج.

هذا الضابط وغيره من الضباط عاينوا بأنفسهم كيف سطا الجيش على الحكم بأدوات العنف والإرهاب والبلطجة؛ فترسخ في وجدانهم أن البلطجة هي السبيل لتحقيق أي شيء؛ وصفع الممرضات على النحو الذي جرى برهان على مدى الكبر والغطرسة التي يتصف بها أهل الضابط؛ وهذا بحد ذاته يعكس مدى الانحطاط الأخلاقي لأسر معظم ضباط الجيش والشرطة وكيف ينظرون إلى الناس نظرة ملؤها الكبر والغطرسة والاستعلاء. فمعظم الأسر التي تدفع الملايين لإلحاق أبنائها بالجيش أو الشرطة أو القضاء إنما يسعون بكل إصرار ليكونوا جزءا من مظلة حماية هذه المؤسسات التي تفرض وصايتها على الشعب والوطن بالظلم والبلطجة والاستبداد.

 

غياب دولة القانون

الرسالة الثانية، هي إعلان وفاة دولة القانون؛  فما فعله الضابط وأسرته هو بلطجة واعتداء على موظفين عموميين أثناء تأدية عملهم القانوني؛ وبالتالي فعدوانه ليس عدوانا على أفراد بل عدوان الدولة ذاتها، وعدوان على القانون نفسه؛ وعدم القبض على الضابط حتى كتابة هذه السطور وقر مر على الجريمة ثلاثة أيام هو بحد ذاته برهان على الفوضى التي تحكم مصر تحت حكم الجنرالات.

البرهان الثاني على وفاة دولة القانون أن الشرطة رفضت كتابة محضر بالجريمة ضد الضابط؛ وقد كشفت نورهان منصور إحدى الممرضات المعتدى عليهن أنها تعرضت للضرب والسحل والركل بالأقدام من قبل الضابط الطيار وعدد من أفراد أسرته خلال وجودهم مع مريضة بالمستشفى، مساء الخميس الماضي(غرة ديسمبر 2022)، وأن قوات الشرطة رفضت مرتين في بداية الواقعة ونهايتها اتخاذ أية إجراءات قانونية ضد المعتدين بسبب انتماء الضابط للقوات المسلحة وكذلك إدارة المستشفى. بل تؤكد الممرضة أن «كل اللي كانوا في المستشفى في الوقت ده صوروا اللي حصل صوت وصورة»، لافتة إلى أن شقيق الضابط وأقاربه قاموا بالاعتداء على من صور الواقعة وخطفوا التليفونات اللي قدروا عليها ومسحوا الصور، مشددة على أن المباحث جاءت للمستشفى مرة ثانية بعد المشاجرة، ولكنها قامت بإخراج الضابط وأقاربه من باب المستشفى دون تحرير محضر أو أي إجراء قانوني، «قالوا ضابط جيش وملناش سلطة عليه».

البرهان الثالث على انعدام دولة القانون حسب شهادة الممرضة أن إدارة المستشفى حاولت منعهم من تقديم بلاغات بالواقعة للسبب نفسه في بداية الأمر، قبل أن تتراجع عن الأمر وتقوم بتقديم بلاغ باسم المستشفى ضد المعتدين وتسمح لهم بإقامة تسعة بلاغات فردية ضدهم.

البرهان الرابع على انعدام دولة القانون أن وزير الصحة بحكومة الانقلاب عندما ذهب إلى المستشفى لم يكن الهدف هو حماية حقوق الطاقم الطبي والعاملات بالمستشفى بل ذهب لاحتواء الموقف ومنع تصاعده؛ لأن المتهم ضابط بالقوات المسلحة. وأشارت الممرضة  إلى أن وزير الصحة أخبرهم خلال زيارته للمستشفى اليوم، إنه جاري اتخاذ الإجراءات اللازمة مع المعتدين، مؤكدًا أنه لا أحد فوق القانون، غير أنه لم يوضح سبب عدم القبض على الضابط حتى اليوم. وأضافت: «قالنا الإجراءات ماشية وفي حاجات كتير هتعرفوها وفي حاجات مش هنتكلم فيها»، فيما قالت القوات المسلحة، في بيان مقتضب السبت، إنها تتابع ما أثير بشأن الواقعة بمواقع التواصل الاجتماعي، وتهيب بالجميع تحري الدقة وانتظار نتيجة التحقيقات دون توضيح لمصير الضابط المعتدي وأقاربه وما إذا كان قد حقق معهم أم لا.

الخلاصة، حادثة اعتداء الضابط الطيار على ثمانية من طاقم التمريض والعاملات بمستشفى قويسنا هو برهان على مدى الكبر والغطرسة التي يتصف بها ضباط ما تسمى بالأجهزة السيادية (الجيش ــ المخابرات ـ الأمن الوطني ـ الشرطة ـ القضاء)، وأن مصر بحاجة ماسة للغاية إلى تدمير هذه المنظومة التي تقوم على الفساد والظلم والطبقية. وبناء نظام إنساني تكون فيه السيادة للشعب وليس للأجهزة وضباطها الفسدة المتطاولين على الشعب الذين يستعبدونه ليل نهار.