الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه وطلب المغفرة من الله هو من شيم الكبار؛ والتوبة إلى الله عن خطأ ارتكبه الإنسان هو سلوك الأنقياء؛ فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يحق لأحد أن يتألى على الله ويجعل من نفسه قيما على الدين يدخل فيه من يشاء ويطرد من يشاء، ويمنح البركة لمن يشاء ويحرمها عمن يشاء؛ فليس في الإسلام كهنوت؛ وباب التوبة مفتوح للجميع، وإذا كان الله يقبل توبة الكافر أفلا يقبل توبة غيره والكفر هو أكبر الكبائر كما نعلم؟!
إزاء ذلك، علينا استقبال إعلان المهندس ممدوح حمزة اعتذاره عن المشاركة في حشود 30 يونيو بالترحيب واحتضان كل من يعلن اعتذاره عن المشاركة في هذه الجريمة، وبراءته من الانقلاب العسكري وجرائم نظام 3 يوليو. نعم البلاء كان عظيما، والأذى كان شاملا وممتدا ودمويا، والظلم ملأ أركان البلاد، وسالت دماء الآلاف من الأبرياء الأنقياء، وتعرض مئات الآلاف ولا يزالون لظلم كبير لا يتوقف منذ سنوات؛ لكن علينا التفريق ابتداء بين من اكتفى بمجرد المشاركة في مظاهرات 30 يونيو، وبين من تورطوا في العنف والدماء وقتل الأبرياء وتدبير المخطط الشيطاني لتدمير مصر وثروتها ومسارها الديمقراطي.
اعتذار وبراءة
أما الأولون فيكفي منهم الاعتذار والبراءة وطلب المغفرة من الله، وهذا عين ما فعله حمزة؛ حيث كتب على صفحته الخاصة على موقع "فيس بوك": «لو كنت أعلم الغيب وما أصاب مصر وشعبها حتى الآن، ما كنت شاركت في 30/6/ 2013». وأضاف: «أعتذر وأندم على مشاركتي وأرجو أن يغفر الله لي».
أما أولئك الذين تورطوا في تدبير جريمة الانقلاب وتوغلوا في دماء الآلاف من الأبرياء ولا يزالون حتى اليوم يظلمون مئات الآلاف من أشرف وأنبل أبناء مصر فإن المحاكمة على هذه الجرائم هو عين الحق والعدل حتى لو أعلنوا توبتهم ألف مرة؛ فشتان بين من اكتفى بالمشاركة في المظاهرات والدعوة إليها ومن تورطوا في الظلم والدماء وتدمير البلاد؟!
قوبل اعتذار حمزة بتباين واسع؛ فأما العالمون بالإسلام وأحكامه، ويفهمونه على نحو صحيح؛ فقد باركوا خطوته راجين من كل العلمانيين أن يتوبوا إلى الحق كما تاب حمزة ويتبرأوا من النظام العسكري الانقلابي و جرائمه كما فعل حمزة، فالله يفرح بتوبة عبده كما أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن منا لا يفرح بعودة إنسان إلى الحق بعدما تبين الرشد من الغي؟! أما العاطفيون قليلو العلم والفقه فقد قابلوا توبة حمزة بشيء من التقليل وربما السخرية والصد عن سبيل الله دون وعي. وهؤلاء قد يكون بعضهم معذورا لمدى وحجم الألم الذي تعرضوا له ولا يزالون، لكن عليهم قبل كل شيء العودة إلى نصوص القرآن والسنة التي تحسم المسألة ولا تدع مجالا للخلاف والفرقة. ولسنا هنا في معرض التفتيش عن أسباب وملابسات هذه التوبة وأنها جاءت متأخرة، ولأسباب كثيرة؛ فأن يأتي الإنسان إلى الحق متأخرا خير من ألا يأتي مطلقا.
نبل وشرف
أما الكاتب الصحفي جمال سلطان فكتب على حسابه الخاص بموقع "تويتر": «الدكتور ممدوح حمزة @MAMDOUH_HAMZA شخصية وطنية نبيلة، وصادقة مع نفسها ومع وطنها، حتى عندما يخطئ في اجتهاده السياسي فهو لا يخطئ خيانة أو ارتزاقا وإنما يخطئ انحيازا وولاء للوطن، وعندما يعترف بخطأ اجتهاده يؤكد من جديد على نبل وشرف مواقفه، كل التحية والتقدير لكلماته النابعة من القلب».
كلام سلطان يحتاج إلى تحليل ذلك أن الأمر لم يكن أبدا على النحو الذي ذكره؛ فلم تكن 30 يونيو اجتهاد سياسيا، بل كانت جريمة وثبت للجميع خلال السنوات الماضية أنها كانت جريمة مكتملة الأركان، لأنها مثلت الغطاء الشعبي والمدني للجريمة الكبرى وهي الانقلاب. ومعظم الذين شاركوا في 30 يونيو كانوا كارهين للرئيس المنتخب بإرادة الشعب الحرة وهذا يعني أنهم لم يسلموا مطلقا بنتائج الديمقراطية لأنها لم تأت بهم؛ وهذا بحد ذاتي قمة العنصرية والكبر والغطرسة، لأن فضلوا التغيير بالمظاهرات والانقلاب على التغيير بصناديق الانتخابات وإرادة الشعب الحرة وقد كانت متاحة ونزيهة وشفافة. كذلك فإن السكوت على المذابح التي وقعت في رابعة وغيرها لم يكن أبدا اجتهادا سياسا بل جريمة إنسانية مثلت معيارا لمن هو إنسان ومن هو دون ذلك. وللأسف فإن سلطان كان أيضا من أنصار 30 يونيو لكنه للأسف لم يعتذر بهذا الوضوح كما فعل حمزة!
على كل حال، فقد طال حمزة من ظلم العسكر ما طاله؛ فقد نال حُكما غيابيا، من محكمة الجنايات في 26 أكتوبر 2020، بالحبس 6 أشهر وإدراجه على قوائم الإرهابيين، لإدانته بـ"ارتكاب جريمة التحريض على جريمة إرهابية باستخدام القوة والعنف والإخلال بالنظام العام ومقاومة السلطات والاعتداء عليها، ونشر أخبار وبيانات كاذبة بغرض زعزعة الاستقرار والتحريض على مؤسسات الدولة"، وذلك عبر حسابه في موقع "تويتر". وفي بداية العام الجاري "2022"، قررت النيابة العامة المصرية، رفع اسم حمزة من "قوائم الإرهابيين"، وإنهاء ما ترتب على قرار الإدراج في القوائم، بعد قبول الالتماس المقدم منه نظراً لإلغاء الحكم الجنائي الصادر في القضية التي سبق وأُدين فيها، وإعادة محاكمته من جديد أمام دائرة جنائية مغايرة.
نزعة استئصالية
نعم لم تكن القوى العلمانية في مرحلة الثورة والانقلاب شيئا واحدا، وإن كانت الكتلة الأكبر من هذا التيار أظهرت عداء متأصلا وجذريا مع الإخوان وكل ما هو إسلامي، وقد رصد الكاتب الصحفي فهمي هويدي هذه النزعة الاستئصالية من جانب غلاة العلمانيين مبكرا جدا في أعقاب الإطاحة بمبارك مباشرة؛ يقول هويدي في مقاله "لسن جاهزين للوفاق، والمنشور على جريدة الشروق بتاريخ 18 أكتوبر 2012: «لا أبالغ إذا قلت إن جذور الموقف الإقصائى ظهرت فى الأفق إبان الفترة التى شكلت فيها لجنة تعديل الدستور فى شهر فبراير من العام الماضى، ذلك أن اللجنة هوجمت بشدة واتهمت بتحيزها للإخوان لمجرد أن فردا واحدا من الجماعة ضم إليها باقتراح من وزير العدل، فى حين أن بقية أعضاء اللجنة السبعة وهم من كبار رجال القانون وفقهائه ليسوا من أعضاء الجماعة. لكن الواحد المذكور ــ الأستاذ صبحى الصالح ــ اعتبر دليلا على «أخونة» اللجنة. وليس ذلك أغرب ما فى الأمر، لان الأغرب أن الوزارة التى كانت مشكلة آنذاك ضمت ثلاثة من الوفديين وواحدا من حزب التجمع، كما أن نائب رئيس الوزراء كان عضوا بارزا فى الحزب الديمقراطى الاجتماعى، ومع ذلك فان أحدا لم يتحدث عن تسييس تشكيل الحكومة. وبدا الأمر مسكونا بمفارقة غير بريئة. فالعضو الواحد فى اللجنة لوثها وأثار حولها الشكوك. لكن وجود الحزبيين الخمسة فى الوزارة لم يضفوا أى لون لها. ولا تفسير لذلك سوى ان النخبة عالية الصوت فى مصر اعتبرت ان وجود العضو الإخوانى خطأ جسيما وشذوذا ما كان للنظام الجديد أن يتورط فيه.
خلاصة تجربة السنوات الماضية تبرهن على أن معظم العلمانيين مارسوا التحريض السافر ضد كل المؤسسات المنتخبة من الشعب في أعقاب ثورة يناير وإبداء الفرحة العارمة والشماتة في حلها من جانب الدولة العميقة في القضاء؛ حدث ذلك مع حل اللجنة التأسيسية الأولى في 10 إبريل، بدعوى غلبة الإسلاميين على تشكيلها، ثم في حكم الدستورية بحل البرلمان في 14 يونيو 2012، رغم أنه البرلمان الوحيد المنتخب بنزاهة منذ سنة 1950م، ثم الانسحاب من التأسيسية الثانية في نوفمبر ، ثم تشويه الدستور المستفتى عليه من الشعب، ثم المشاركة بكل قوة في انقلاب 03 يوليو، وتجميد العمل بالدستور وحل مجلس الشوري. فلم يعرف للعلمانيين موقف شريف يدافع عن المؤسسات المنتخبة. في مقابل ذلك نراهم حرضوا على الانقلاب على المسار الديمقراطي، وباركوا المذابح الدموية التي تلته، ثم باركوا تكوين تأسيسية بالتعيين بعد 3 يوليو، وباركوا دستور 2014 رغم عدم مشاركة الإسلاميين فيه لا في إعداده ولا التصويت عليه باستثناء عدد محدود من حزب النور الذي أيد الانقلاب والمحسوب على السلطة لا الإسلاميين.
لذلك فإن توبة السيد ممدوح حمزة هو شيء مفرح يجب الترحيب به ومباركته واحتضانه وتشجيع الآخرين من العلمانيين على حذوه وتقليده والسير على خطاه. فالتوبة تجب ما قبلها والله غفور رحيم. ومصر التي نريدها تتسع للجميع وتحتوى الجميع ولا تهمش أحدا.