“الدولرة”.. نشأت مع مبارك و تضخمت مع السيسي فكيف تدمر الأسواق وتصيبها بالركود؟

- ‎فيتقارير

في عهد الملك فاروق “1936 ـ 1952” بلغت قيمة الجنيه نحو 4 دولارات. وانضمت مصر في عام 1945 إلى صندوق النقد الدولي، وتم تحديد سعر الجنيه المصري بقيمة ثابتة من الذهب تعادل 3.6728 جراما ( أو 4.133 دولار )، كما خرجت مصر من منطقة الإسترليني في يوليو 1947، وظل الجنيه المصري يعادل 4.1 دولار حتى عام 1949، أي لمدة عامين بعد خروج مصر من منطقة الإسترلينى. وكانت مصر قد خرجت من الحرب العالمية الثانية وهى دائنة لبريطانيا بمبلغ 430 مليون جنيه إسترليني.

وجاء الحكم العسكري بانقلاب 23 يوليو 1952، ثم تشكلت جمهورية الضباط  سنة 1954، وفرض الضباط وصايتهم على الدولة والشعب منذ ذلك الحين.  اغتصب جمال عبدالناصر الحكم والجنيه المصري يتم فكه بأكثر من أربعة دولارات أمريكية. ورحل سنة 1970 بعدما خسر  الجنيه 40% من قيمته وبات الجنيه المصري يساوي (2.5) دولار.  وعندما رحل السادات سنة 1981م؛ كانت الدولار الأمريكي يساوي 80 قرشا فقط. ومكث مبارك في الحكم ثلاثين سنة  تراجعت قيمة الجنيه خلالها أمام الدولار بنسبة (635%) حتى وصل سعر الدولار إلى (5.88) جنيهات.

ومع ارتفاع قيمة الدولار أمام الجنيه في عهد مبارك  بدأ المصريون يعرفون معنى (الدولرة)، بمعنى الاكتناز أو الادخار بالدولار بدل الجنيه؛ لأن الأول قيمته ترتفع على الدوام والثاني قيمته تهبط على الدوام. فقد الناس الثقة بعملتهم المحلية وهذه بداية الانهيار.  وإلى جانب الدولرة (الادخار بالدولار) كان المصريون يكنزون أموالهم  بطرق أخرى مربحة بالتخلص من السيولة بالعملة المحلية (الجنيه) من خلال شراء الأصول والعقارات (شراء الأرض والبيوت) أو باكتناز الذهب.

خلال مرحلة الثورة  من يناير 2011 حتى انقلاب 30 يونيو 2013م، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار  بنحو (19%) حتى وصل إلى (7.03). وتولى السيسي الحكم  فعليا منذ يوليو 2013 ولم يكن المؤقت عدلي منصور أو حكومة حازم الببلاوي سوى ستار للحكم العسكري، حتى تولى السيسي الحكم بشكل مباشر  في يونيو 2014م. ومنذ ذلك الحين فقد الجنيه قيمته وأنهار أمام الدولار على نحو غير مسبوق وأمسى الدولار الواحد يتم فكه  رسميا بنحو (24.7) جنيها في البنوك؛ بمعنى أن الجنيه فقد نحو (251%) من قيمته. وللأسف فإن الجنيه مرشح لمزيد من التراجع؛ فسعره اليوم (ديسمبر 2022)في السوق الموازية يصل إلى نحو 35 جنيها، وتجار الذهب يبيعون المعدن النفيس على أساس سعر 32 جنيها للدولار.

 

السيسي والدولرة

المحطة الأولى، عندما اغتصب السيسي الحكم في منتصف 2013م، لم تكن هناك مشكلة كبيرة في الدولار؛ بل إن السيسي كوفئ على انقلابه  ضد الرئيس المنتخب والإطاحة به من جانب حلفائه في الخليج بعشرات المليارات من الدولارات خصوصا من السعودية والإمارات والكويت. ومرت الشهور التالية للانقلاب ثقيلة وبطيئة وسط برك الدماء التي سفكها السيسي لتثبيت انقلابه؛ حتى قرر الجنرال إقامة مشروع تفريعة قناة السويس(2014/2015) وسط زفة دعائية فجة  ووصفها بقناة السويس الجديدة. وتسبب السيسي في إهدار 8 مليارات دولار على المشروع الذي تم تدشينه على عجل دون أي دراسة جدوى من أجل رفع الروح المعنوية للمصريين في أعقاب  الانقلاب، وقد تمت الإطاحة بمحافظ البنك المركزي الأسبق هشام رامز رغم كفاءته لأنه انتقد  المشروع وحمله المسئولية عن أزمة الدولار وتراجع قيمة الجنيه؛ حيث انخفض الجنيه إلى 9 جنيهات أمام كل دولار حتى منتصف 2016م. ومع تراجع حجم المساعدات الخليجية وضغط المستوردين على الدولار  من أجل إتمام صفقاتهم، ورغبة المصريين في الاكتناز بالدولار لأنه يحقق للكانزين ربحا وفيرا وسريعا ودون مشقة؛ أصيب المجتمع بحالة سعار على الدولار. فالكل يريد الدولار. الحكومة من أجل توفير قيمة فاتورة استيراد المواد الأساسية وسداد أقساط وفوائد الديون الخارجية. والمستوردين لإتمام صفقاتهم وتسيير أعمالهم. والمواطنين من أجل الادخار بالدولار الذي يرتفع على الدوام. وتجار العملة الذين يحققون أرباحا طائلة من وراء تجارة العملة.

المحطة الثانية، الطلب المتزايد على الدولار رفع قيمته على الدوام أمام  فقدان الثقة في الجنيه. حتى حدثت الضربة القاضية للجنيه من جانب السيسي وحكومته  بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي على قرض بقيمة 12 مليار دولار.  واشترط الصندوق تحرير سعر صرف الجنيه. وتقليص الدعم، واستئناف برامج الخصخصة. فتراجعت قيمة الجنيه من 9 جنيهات فقط قبل التعويم إلى 15 جنيه مرة واحدة ثم تراجع إلى نحو 18 جنيها  في منتصف 2017م. كانت هذه ضربة قاصمة للجنيه وللمصريين جميعا؛ فقد  خسروا نصف مدخراتهم  في ضربة واحدة. وتآكلت أجورهم ومرتباتهم  إلى النصف بهذا الاتفاق المشئوم. أسهم ذلك في تدمير سمعة الجنيه؛ فلم يعد يحظى بأي احترام بين المصريين الذي اتجهوا إلى اكتناز الدولار لا سيما بعدما حقق   الكانزون للدولار ارباحا طائلة في فترة التعويم. وكان الفارق الكبير بين السعر الرسمي للدولار والسعر في السوق السوداء مغويا للكثيرين إما للدخول في تجارة العملة أو الاكتناز بالدولار.

المحطة الثالثة، في أعقاب الاتفاق مع صندوق النقد وتآكل قيمة الجنيه أمام الدولار وباقي العملات، شن السيسي حربا ضارية على  محلات الصرافة والسوق الموازية لتجارة الدولار؛ وهي الحرب التي أتت أكلها فترة ثم  تلاشى تأثيرها لاحقا على وقع سياسات النظام.

المحطة الرابعة، أثناء تفشي جائحة كورونا سنة 2020 لجأ السيسي إلى صندوق النقد مجددا وحصل في شهري مايو ويونيو على قرضين بقيمة 8 مليارات دولار. ما ساهم في ثبات سعر صرف الجنيه أمام الدولار ومكن النظام من  تجاوز  أزمة كورونا. واسترد  الجنيه شيئا من قوته حتى وصل إلى نحو 15.6 جنيها بنهاية 2021م رغم  تداعيات تفشي جائحة كورونا.

المحطة الخامسة، كان الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022م، محطة فارقة؛  ومع ارتفاع الفائدة من جانب البنك المركزي الأمريكي على الدولار، فرت  أكثر من 20 مليار دولار من الأموال الساخنة من السوق المصرية، للاستثمار في السوق الأمريكي الأكثر أمانا. فشح الدولار وانخفض الجنيه؛ فاضطر السيسي إلى تعويم الجنيه مجددا  في مارس 2022، وتراجعت قيمة الجنيه إلى نحو 18.50 ثم راح  يتراجع خلال الشهور التالية مع ارتفاع  أسعار الحبوب الغذاء عالميا وارتفاع فاتورة الاستيراد، فاضطر السيسي إلى تعويم الجنيه مرة أخرى في 7 أكتوبر 2022م، وتراجع الجنيه مجددا إلى 24.70 في منتصف ديسمبر 2022م. حيث أبرم النظام  اتفاقا جديدا مع صندوق النقد  يتضمن قرضا بقيمة 3 مليارات دولار  وتسهيل اقتراض نحو 6 مليارات أخرى من جهات تمويل دولية.

 

كيف تسبب السيسي في الدولرة؟

تسبب مشرع تفريعة القناة (2014/2015) في إهدار 8 مليارات دولار. ثم أهدر مئات المليارات من الدولارات على بناء المدن الجديدة والعاصمة الإدارية. لكن القاصمة كانت في تبني سياسات صندوق النقد الدولي؛ فالاتفاق الذي جرى في نوفمبر 2016م ثم تراجع قيمة الجنيه إلى النصف وتآكل مدخرات المواطنين بنفس القيمة (النصف)، أفقدت المصريين الثقة في الجنيه؛ وراحوا يدخرون أموالهم في العقارات والأرض والذهب والدولار. لا سيما بعد الخسائر الهائلة التي تعرض لها المواطنون والمكاسب الهائلة التي حققها الكانزون للدولار بعد تعويم 2016.

لكن النظام اتبع سياسات فاشلة للغاية دفعت الناس دفعا نحو اكتناز الدولار. كيف حدث ذلك؟

عندما أهدر السيسي آلاف المليارات من الجنيهات على نحو 15 مدينة جديدة وسط الصحراء، (قدر السيسي ما أنفقه بنحو 6 تريليونات جنيه على هذه المشروعات العبثية)،  أراد تسويق هذه العقارات ودفع الناس نحو اقتنائها لتوفير شيء من السيولة المادية؛ لكنه فوجئ بأن المواطنين زاهدين في شراء هذه الوحدات العقارية  التي أهدر السيسي أموال الدولة على بنائها؛ لارتفاع ثمنها من جهة وبعدها وسط الصحراء من جهة ثانية. بخلاف أن السيسي كان قد أنهك البنوك بالقروض الضخمة التي اقترضها  لمشروعاته  تلك. وبالتالي فهو يريد  أن يكره الناس على شراء هذه الوحدات ووضع أموالهم في البنوك بدلا من استثمارها في  قطاعات أخرى.

فأوقف السيسي البناء وسن قانون التصالح في مخالفات البناء من أجل الحصول على أموال الناس غصبا. ودفعهم نحو  شراء  وحدات عقارية في المدن الجديدة.  وراحت البلدوزرات تهدم مئات البيوت  لإرهاب الناس. فتوقفت حركة العمران تماما  باستثناء المشروعات التي تقيمها الدولة وأجهزتها الأمنية. أصيبت الأسواق بالركود والشلل التام. ثم شن النظام حربا ضروسا على العقارات وزاد الضريبة العقارية ومنع البناء وهدم آلاف المنازل المخالفة، وعرقل عمليات البيع والشراء في الأراضي. ، ثم شن حربا على  المستريحين على مستوى محافظات الجمهورية والذين سقطوا تباعا  بين عامي 2020 و2021م.

أمام هذه السياسات والإجراءات لم يعد المصريون قادرين على ادخار أموالهم بالجنيه لأنهم فقدوا الثقة فيه. ولم يعودا قادرين على استثمار أموالهم في العقارات والأراضي بعدما شن السيسي حربا ضارية على سوق العقارات الخاصة وأوقف العمران تماما ومنع الناس من البناء بشكل مطلق.  فلم يعد أمام الناس سوى الادخار في الذهب أو الدولار وهذا هو سر جنون أسعار هما في مصر. ثم جاءت تصريحات الحكومة في 2021 حول إلغاء دمغة الذهب العادية والاعتراف فقط بدمغة الليزر ليدفع الناس دفعا نحو  الاكتناز فقط بالدولار؛  فشح في الأسواق، وارتفعت أسعار الغذاء إلى مستويات تفوق دخول المصريين؛  لأن مصر تستور أكثر من 65% من غذائها بالدولار من الخارج؛ وصنع النظام أزمته بنفسه ووضع المصريين  داخل فرن الغلاء. الخلاصة أن السيسي ونظامه وحكومته هم السبب في كل هذا الخراب.