في غياب الرقابة من أجهزة الدولة، تسود حالة من الفوضى في الأسواق المصرية، تصاعدت حدتها عقب قرار البنك المركزي الأسبوع الماضي رفع سعر الفائدة بنسبة 3 بالمائة، تمهيداً لاتخاذ البنك قراراً بخفض قيمة الجنيه مجدداً لتقليص الفجوة بين سعره الرسمي مقابل الدولار (نحو 25 جنيهاً)، وسعر العملة الأميركية في السوق الموازية (يدور حول 35 جنيهاً). وفي ضوء هذا الانهيار الحادث في قيمة الجنيه أمام الدولار وباقي العملات، رفعت المخابز البلدية في مصر أسعار الخبز الحر (السياحي) إلى جنيهين للرغيف زنة 80 غراماً، و1.50 جنيه للرغيف زنة 60 غراماً، و1.25 جنيه للرغيف زنة 40 غراماً، بدلاً من 1.50 جنيه و1.25 جنيه وجنيه على الترتيب، على خلفية ارتفاع سعر الطحين الفاخر إلى 26500 جنيه للطن، والطحين العادي إلى 18500 جنيه للطن. وبات الخبز الحر زنة 80 جراما يباع كل أربعة بعشرة جنيهات. رغم أنه كان يباع في السنوات الأخيرة من حكم مبارك وحتى منتصف 2013 في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي بعشرين قرشا فقط وزنة 130 جراما وليس 80 جراما فقط! معنى ذلك أن الخبز الحر ارتفع سعره في عهد الجنرال بنسبة 1500% على الأقل بالنظر إلى سعره وحجمه معا.
هذه الزيادة هي الثانية خلال شهور قليلة؛ ففي أغسطس الماضي (2022)، كانت المخابز البلدية قد رفعت سعر بيع الخبز الحر، خارج بطاقات التموين الرسمية، من خلال تقليص حجم الرغيف ووزنه بنسبة تصل إلى 40 بالمائة. وأرجعت المخابز تقليص الحجم، المقرر رسمياً للرغيف، إلى الزيادة الكبيرة التي تسود أسعار الطحين المخصص لإنتاج الخبز خارج منظومة وزارة التموين.
وتتذرع المخابز برفع أسعار الخبز الحر لارتفاع سعر الدقيق؛ بينما ترجع مضارب القمح وشركات توزيع الطحين الحر رفع أسعاره إلى انخفاض قيمة الجنيه مقابل الدولار. وتعاني شركات استيراد القمح الخاصة من عدم قدرتها على تدبير الدولار لشراء المحصول من الخارج، في ظل القيود المفروضة من البنك المركزي على استيراد السلع، وتكدس بضائع قيمتها نحو 15 مليار دولار في الموانئ المصرية، بحسب التصريحات الرسمية. وتوفر المخابز الخاصة الخبز الحر لنحو 40 مليون مواطن، من بين 104 ملايين نسمة (تعداد مصر الحالي)، إذ يُباع الخبز الحر لغير المستفيدين من برامج الدعم التمويني المقرر من الدولة، والبالغ تعدادهم 64 مليون شخص، مسجلين في قوائم 23 مليون بطاقة تموينية، حتى نهاية سبتمبر الماضي 2022.
بداية الخبز الحر
وحسب الخبير الاقتصادي ممدوح الولي فمنذ ثمانينات القرن الماضي، تم السماح للمخابز الخاصة بإنتاج رغيف بلدي بسعر حر سمته الخبز السياحي، رغم استخدامه من قبل عموم المصريين، وخاصة عمال البناء والورش الحرفية القادمين للعمل بالمدن من الريف، ولا يحملون بطاقات ذكية خاصة بصرف الخبز المدعم، وكذلك الأسر التي ليس لديها بطاقات ذكية للخبز. وظل هذا الرغيف المسمى بالسياحي يرتفع سعره كلما زاد سعر القمح عالمياً، خاصة مع تناقص نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح والتي بلغت 41% في عام 2020، ليرتفع ثمنه من 20 قرشاً عام 2008 إلى 50 قرشاً ثم 75 قرشاً ثم جنيه خلال السنوات التالية، وخلال الأسابيع الأخيرة زاد سعره 150 قرشاً بوزن يتراوح بين 70 و90 غراماً. ثم إلى جنيهين للرغيف الواحد زنة 80 جراما فقط.
كان وزن الرغيف حسب القرارات الوزارية لوزارة التموين 203 غرامات عام 1945، ثم انخفض إلى 187 غراماً بعد تولي الجيش السلطة عام 1952، واستمرت حكومات الجيش في خفض وزنه إلى 173 غراماً عام 1955، ثم إلى 164 غراماً بالعام التالي، ثم إلى 153 غراماً عام 1965، ثم إلى 145 غراماً بعام 1968 ثم إلى 130 – 135 غراماً عام 1984. وجاء ذلك الخفض المتتالي للوزن رغم الزيادات المستمرة لسعر الرغيف، والتي كانت قد بلغت خمسة مليمات منذ عام 1961 وحتى 1968، ثم أصبح بعشرة مليمات عام 1984 مع إنتاج رغيف أكبر بعشرين مليماً، ثم تم توحيد السعر الأعلى للحجم الصغير بالعام التالي، وفي عام 1988 وصل السعر إلى خمسة قروش.
الشامي والفينو
وإلى جانب الخبز البلدي أو الأسمر مستدير الشكل، يوجد الخبز الأبيض المصنوع من دقيق به نسبة أقل من الردة، ويأخذ هذا الرغيف الأبيض أكثر من نوع، أبرزها الخبز الشامي، والخبز الفينو، أو كما يسميه المصريون الخبز الإفرنجي، باعتباره وافداً عليهم من الأجانب الذين كانوا يعيشون بالبلاد قبل عام 1952. ولهذا قامت وزارة التموين بوضع مواصفات محددة لتصنيعه وتسعيره، مثلما وضعت مواصفات للخبز البلدي، خاصة نسبة الرطوبة بهما، بحيث يقوم مفتشو الوزارة بالمرور على الأفران البلدية والإفرنجية للتأكد من الالتزام بتلك المواصفات عند التصنيع والتداول.
وإذا كانت الأفران الإفرنجية تقوم حالياً بتصنيع الخبز الفينو، الذي تستخدمه الأسر في إعداد الساندويتشات المدرسية والجامعية، وكذلك لأرباب الأسر وللأبناء العاملين بالجهات الحكومية والخاصة، وذلك بوزن 40 غراماً بسعر جنيه، وبوزن 50- 55 غراماً بسعر جنيهين، فقد كان وزن ذلك الرغيف الإفرنجي العادي الكبير حسب قرارات وزارة التموين 262 غراماً بسعر عشرة مليمات عام 1961. ثم انخفض وزن الرغيف الفينو إلى 200 غرام عام 1966 بنفس السعر، ثم إلى 185 غراماً عام 1968 وبنفس السعر، ثم إلى 176 غراماً عام 1973 وبنفس السعر، ثم إلى 140 غراماً عام 1984 مع زيادة السعر إلى عشرين مليماً، ثم انخفض الوزن إلى 90 غراماً عام 2003 بسعر مئة مليم للرغيف الفينو.
وبالطبع يؤثر خفض وزن كل من الرغيف البلدي والإفرنجي على كم السعرات الحرارية التي يحصل عليها المستهلكون للرغيف، والنتيجة إعلان المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية بلوغ معدل التقزم بين الأطفال المصريين 22.4% عام 2022، وبلوغ نسبة نقص التغذية بين السكان 5.1% ومعدل الهزال بين الأطفال 5.5%، حيث يمد الخبز البلدي متناوليه بالنشويات كمصدر للطاقة والبروتين والألياف، والزنك والحديد ويحتوي على فيتامين ب1 وفيتامين ب2.
فشل الحكومة
وكانت غالبية الأسر المصرية ــ حسب الولي في مقاله «لا تخلو منه وجبات كل المصريين.. كيف بدأ رغيف الخبز المصري، وكيف وصل إلى هذا السعر والحجم؟ المنشور بصحيفة "عربي بوست" في نوفمبر 2022» ــ تحرص على تصنيع الخبز بالمنازل، إلا أن ارتفاع أسعار الدقيق وارتفاع أسعار البوتاجاز جعل الأمر مكلفاً، وشجعت وسائل التواصل الاجتماعي كثيراً من ربات البيوت على تصنيع الخبز الإفرنجي بالبيوت، من خلال عرض طرق التصنيع السهلة له، لكن ارتفاع سعر الدقيق والوقود قلل من انتشار ذلك.
وسعت وزارة التموين مؤخراً لدفع المخابز الخاصة لإنتاج خبز بلدي بوزن 75 غراماً بقيمة جنيه واحد للرغيف، من خلال تسليمها حصة من الدقيق بسعر عشرة آلاف جنيه للطن مقابل بلوغ سعره بالأسواق 14 ألف جنيه، إلا أن هذا الأمر اختياري وليس ملزماً، كما أنه يجعل تلك المخابز مشمولة بالتفتيش الدوري من قبل مفتشي الوزارة.
ووجود غرامة بقيمة عشرة آلاف جنيه عند مخالفة الأسعار والوزن، مما لا يشجع الكثيرين على التعامل مع الوزارة، خاصة مع الإتاوات التي يفرضها بعض هؤلاء عليهم، الأمر الذي يجعلهم يشترون الدقيق بسعر أعلى مقابل حريتهم في التسعير حسب تكلفة المستلزمات، ولذلك يتراوح الوزن العملي حالياً ما بين 68 وحتى 86 غراماً للرغيف.
ونفس المسعى قامت به وزارة التموين مع أصحاب المخابز الإفرنجية أكتوبر 2022 بعرض إمدادهم بدقيق فاخر لتصنيع الخبز الفينو بسعر أقل من أسعار السوق، مقابل التزامهم بإنتاج خبر وزن 40 غراماً بسعر 75 قرشاً، ووزن 60 غراماً بسعر جنيه للرغيف. لكن هذا العرض كان مقتصراً على عدد محدود من المحافظات، كما ارتبط بخضوع تلك المخابز للتفتيش الدوري من قبل العاملين بالوزارة، ودفع غرامة عشرة آلاف جنيه في حالة مخالفة السعر والوزن؛ ما دعا الكثيرين لعدم الإقبال على عرض الوزارة، الذي يتصورون أنه مؤقت وغير مضمون استمراره. خاصة أن تجربتهم مع الحكومة غير إيجابية، حين حددت أسعاراِ إجبارية لكل من الخبز السياحي والفينو في شهر مارس/آذار الماضي، مع إمدادهم بدقيق بسعر أقل من السوق، لكنها لم تقم بتوفير ذلك الدقيق الأقل سعراً، ومع ذلك ألزمتهم بالأوزان والأسعار التي حددتها، والتي يرون أنها غير مجزية مع ارتفاع تكاليف الإنتاج من دقيق وسكر وسمسم وخميرة وعمالة ووقود.
ورغم ذلك هددتهم بغرامة لا تقل عن مئة ألف جنيه ولا تجاوز خمسة ملايين جنيه، حسب قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار، في حالة عدم الالتزام بالسعر المحدد أو الإعلان عن أسعار الخبز في أماكن ظاهرة لروادها من المشترين، ولهذا يفضل الكثيرون منهم البعد عن الوقوع تحت سلطان الوزارة، التي توفر لعناصر غير منضبطة من المفتشين وسائل ضغط على المخابز يستغلونها لمصالحهم الخاصة.