بعد انهيار سور صالة أكتوبر.. متى ترمم المؤسسة العسكرية شعبيتها المتآكلة؟

- ‎فيتقارير

 

عندما يسمع مواطن مصري بسيط أن السور الحديدي لمدرج صالة حسن مصطفى في مدينة السادس من أكتوبر سقط على المتفرجين في ديسمبر 2022م أسفر عن إصابة العشرات منهم؛ فإنه سوف يتأسف على الحادث ويتمنى الشفاء العاجل للضحايا. لكن عندما يعلم أن تلك الصالة جرى افتتاحها قبل سنة واحدة فقط؛ فإنه سوف يطالب على الفور بمحاكمة الشركة التي نفذت المشروع بتهمة الاختلاس والخيانة والشروع في القتل؛ لأن التلاعب في أساس المباني جريمة كبرى تستوجب المحاكمة وتوقيع العقوبات المغلظة على المقاولين الفاسدين. وعندما يعلم أن إحدى شركات الهيئة الهندسية للقوات المسلحة هي التي كانت تتولى تنفيذ المشروع؛ فإن هذا المواطن المصري البسيط سوف يفقد الثقة تماما في الجيش؛ وبالتالي فإن الفجوة تتسع وشعبية المؤسسة العسكرية تتآكل كل يوم بتوريط الجيش في السلطة والبيزنس والصفقات المشبوهة.

 

امتيازات كثيرة

وعندما يعلم المواطن البسيط أن المسئول عن إدارة هذه الصالة هو جنرال سابق وهو اللواء مصطفى هدهود الذي أُجبر على الاستقالة بعد ضبطه متلبسا بسرقة ميدالية ذهبية أثناء مراسم توزيع الميداليات الرياضية مساء الجمعة 08 أبريل 2022م، عقب فوز فريق سبورتنج على منافسة الزمالك في نهائي بطولة كأس مصر لكرة اليد، فإن هذا المواطن سيزداد أسفا وحزنا على أوضاع بلاده؛ إذ كيف لجنرال سابق يحظى بكثير من الامتيازات والدخل  المرتفع أن يتجرأ على سرقة ميدالية أثناء احتفال يبثه التلفاز ويشاهده الآلاف؟ فإذا كان يفعل ذلك بكل  بجاحة فماذا يفعل سرا في الغرف المغلقة مع أموال الشعب؟! ثم لماذا لم يحاكم على جريمة الميدالية؟ ولماذا يتم إسناد إدارة صالة رياضية  كبرى لمثل هذا اللص؟!

وعندما يعلم هذا المواطن البسيط أن هذا ا للواء الحرامي جرى التستر عليه لأنه كان وكيلا لجهاز المخابرات الحربية، وكان السيسي وقتها مرؤوسا تحت يده في الجهاز لمدة ثلاث سنوات؛ ولطبيعة العلاقة الوثيقة التي تجمع القاتل السيسي بالحرامي هدهود، كافأه السيسي في أعقاب الانقلاب العسكري مباشرة؛ وعينه محافظا للبحيرة قبل يوم واحد فقط من الفض الدموي لاعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر الأربعاء 14 أغسطس 2013م، وبقي في منصبه سنتين، لاحقته خلالهما اتهامات كثيرة بالفساد المالي والإداري؛ الأمر الذي دفع عدة أحزاب للمطالبة بإقالته في يناير 2014م؛ الأمر الذي يبرهن على نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي يعتمد على الثقة والولاء للنظام بعيدا عن الكفاءة والأمانة. وقد رصد التقرير الصادر عن "الجهاز المركزي للمحاسبات" لعام 2013 مخالفات مالية، وإهداراً للمال العام، في ديوان عام محافظة البحيرة، منذ تولي هدهود المنصب، ولا سيما ما يخص عملية إدارة واستغلال مشروع المحاجر التابع للمحافظة، والذي يعد أحد أهم مصادر تمويل صندوق الخدمات فيها. وخلال فترة وجوده محافظا للبحيرة، مارس هدهود نفوذه في توزيع المكافآت على أقاربه وأصحابه؛ حيث منح حفيده درع المحافظة  خلال فعاليات مؤتمر محافظة البحيرة العلمي الأول للبحوث والتكنولوجيا عام 2014، وقبل ذلك بأيام اعتدى بالضرب على مراسلين اثنين لجريدة "التحرير"، خلال تغطيتهما لاعتصام أسر مساكن الإيواء أمام استراحة المحافظ، وقام بكسر كاميرا التصوير الخاصة بهما، وفق المحضر المحرر منهما ضد المحافظ برقم 5788 (إداري بندر دمنهور)، وهي القضية التي تم غلقها بأوامر مباشرة من السيسي ولم يفتح فيها التحقيق قط.

 

مشروعات بلا رقابة

وعندما يعلم المواطن البسيط أن كل مشروعات الجيش بلا استثناء تتم بالأمر المباشر ولا يوجد عليها أي جهة رقابية للتأكد من سلامة التنفيذ وفق المعايير وأن حجم الفساد يفوق التصور وأن كثيرا من الطرق والكباري انهارت بعد شهور قليلة من افتتاحها فإن هذا المواطن سوف يبحث عن أي وسيلة للهجرة من هذه البلد المنكوبة بحكم العسكر.  فقد شاهد بأم عينيه قوات الجيش توجه سلاحها  إلى صدور المصريين في محمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو والحرس الجمهوري والمنصة و رابعة والنهضة ومصطفى محمود وغيرها.

الخلاصة أن تجربة العقود والسنوات الماضية كشفت عن مدى تجذر الحكم العسكري في مصر على نحو مخيف تمكن السرطان من الجسد العليل، والأمل في تعافي البلاد من هذا الوباء تكاد تكون شديدة الصعوبة؛  فقد فرض الجيش على مصر وشعبها وثرواتها وصايته بالحديد والنار ولا يبالي بارتكاب أبشع الجرائم من أجل التشبث بالسلطة والتحالف مع الأعداء وتقديم العون لهم حتى يبقوا آمنين وهم يحتلون جزءا من بلادنا لأطول فترة ممكنة.

 هذا الفساد من جانب الجيش أحد الأسباب المهمة لتآكل شعبية المؤسسة العسكرية على نحو مرعب؛ أما على المستوى السياسي فالمؤسسة العسكرية تفرض نمطا دكتاتوريا من الحكم، ومن أجل فرض وصايتها المطلقة على الشعب والأمة تتبنى المؤسسة العسكرية «المعادلة الصفرية» في صراعها مع المجتمع، والتي تقوم على مبدأ "إما نحن وإما هم"،  وقد تجلت هذه المعادلة في مشهد الانقلاب العسكري في يوليو 2013م وما تلاه من مذابح وحشية، فمنطق الدولة المصرية "الحديثة" بالطريقة التي أنشأها بها محمد علي هو في تضاد بنيوي مع المجتمع وقواه وممثليه كما يقول المحلل السياسي الدكتور خليل العناني. وهو منطق يقوم على رفض أي شكل من أشكال التمثيل الشعبي، سواء أكان سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا انطلاقا من كونه يمثل خطرا على الدولة ذاتها، أو بالأحرى على مصالح من يحكمونها ويسيطرون عليها. معنى هذا وفقا لهذا التفسير، فإن إحدى المهام الأساسية لهذه الدولة "العسكرية" هي تفكيك أي تكوينات أو تنظيمات أو حركات قد تمثل قطاعات شعبية معينة، ويتحول الأمر إلى حرب شاملة أمنية واقتصادية واجتماعية إذا تجرأت أي من هذه القوى ودخلت المجال السياسي منافسا للجيش الذي تحول إلى حزب سياسي يحتكر كل شيء في البلاد.

 

فرض النمط العلماني

كما تفرض المؤسسة العسكرية نمطا علمانيا على الشعب ومؤسسات الدولة في الوقت الذي تعمل فيه على تهميش الهوية الإسلامية والحد من انتشارها من خلال التضييق المستمر والمتواصل على الحركات والشخصيات التي تدعو إلى الإسلام إلا إذا كانت جزءا من الشبكة التي ترعاها المؤسسة العسكرية من خلال تفصيل إسلام على مقاس السلطة يخدم أجندتها ولا يعارضها في شيء. وقد عبر السيسي عن ذلك صراحة في أول حوار بعد الانقلاب في يوليو 2013م مع صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية  موضحا أن الإطاحة بمرسي تمت لأنه يتبنى إيديولوجيا عابرة للقارات تعتمد على استعادة الإمبراطورية الإسلامية. وهو مالم يجعله رئيسا لكل المصريين. وأن ولاء الإخوان للإسلام أكثر من ولائهم لمصر!

كذلك تفرض المؤسسة العسكرية معادلة للعلاقات الدولية والإقليمية تجعل من مصر على الدوام تدور في فلك السياسة الأمريكية الغربية، حتى تحولت المؤسسة العسكرية المصرية فعليا إلى حارس لهذه المصالح وحام لها؛ ولعل أبرز مثال على ذلك هو التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي حتى بات كبار القادة بالمؤسسة العسكرية يرون في تطوير العلاقة مع "إسرائيل" وتعزيز التحالف معها في جميع الملفات السياسية والاقتصادية ، وحماية المصالح الأمريكية في مصر والمنطقة من ثوابت الأمن القومي المصري؛  وبالتالي فإن تصورات السيسي وغيره من كبار الجنرالات تقوم على اعتبار أن أي تحولات سياسية أو اجتماعية  تحدث في مصر تفضي إلى زعزعة هذه العلاقة وتلك المعادلة، أو تضعفها، هي في حد ذاتها تمثل تهديدا للأمن القومي المصري؛ وعليه فإن السيسي وكبار الجنرالات تعاملوا مع ثورة يناير  وإقامة نظام ديمقراطي في مصر باعتباره تهديدا بالغ الخطورة على الأمن القومي المصري؛ بمقدار ما يهدد العلاقة مع إسرائيل وأمريكا. ولعل هذا سر التحذير المستمر من السيسي من فكرة الثورة والعمل على شيطنتها باستمرار وتحميلها أوزار فشله المستمر.

أمام كل هذه الحقائق هل تستطيع المؤسسة العسكرية أن ترمم شعبيها المتآكلة؟ وكيف يمكن أن يحدث ذلك في ظل الغضب الشعبي المتصاعد جراء الغلاء الفاحش والديون الضخمة وعدم قدرة نظام السيسي على  إدارة موارد البلاد على نحو صحيح؟!