“اللوبي العلماني” وصفه بـ”الظلامي المتطرف عدو الفن”.. دلالات إساءة حكومة السيسي للشيخ الشعراوي

- ‎فيتقارير

في عهد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات كان برنامج (خواطر الشعراوي) هو أحد أهم برامج التليفزيون الرسمي للدولة والذي كان يحظى بأعلى نسبة مشاهدة في العالم العربي، وكان يمنح للبرامج الدينية مساحة لا بأس بها وإن كان في ذات الوقت يقدم أعمالا هابطة للغاية في الأفلام والدراما. استمر الوضع على ذلك حتى بدايات عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وإن بدأت تتراجع مساحة البرامج الدينية بشكل واضح لحساب برامج الترفيه والأفلام والرياضة. في سنة 2003م بث التليفزيون الرسمي للدولة  مسلسل (إمام الدعاة) حول حياة وسيرة الشيخ محمد متولي الشعراوي عليه رحمة الله، المسلسل جاء في 30 حلقة من إنتاج مدينة الإنتاج الإعلامي، ومنحت حق تنفيذ الإنتاج لمطيع زايد. المسلسل تأليف بهاء الدين إبراهيم وإخراج مصطفى الشال، وتم تصويره في مدينة الإنتاج. المسلسل يروي قصة حياة الشيخ محمد متولي الشعراوي من خلال 4 مراحل مهمة في حياته منذ نشأته في قرية دقادوس وتعلمه في كتاب القرية وحفظه للقرآن الكريم وعلاقته بأهل القرية ثم مراحل شبابه وكهولته وكفاحه في تفسير القرآن وتعليمه.

 

ماذا في عهد السيسي؟

اليوم في عهد الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، ليس مسموحا بأي مساحة إسلامية على الشاشة إلا لأولئك الذين يطبلون للنظام ويسبحون بحمده؛ وخير برهان على ذلك الإساءة  التي أطلقتها  وزيرة الثقافة بحكومة الانقلاب نيفين الكيلاني، لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي(1911 ـ 1998) عليه رحمة الله مؤخرا، والتي لا يمكن إلا ان تكون ضمن سياق تهميش الهوية الإسلامية والإساءة المستمرة للرموز الإسلامية لفرض العلمانية  على المصريين بأدوات القهر والإرهاب، مستغلين في سبيل هذا المأرب الخبيث كل مؤسسات الدولة وإمكاناتها.

هذه الخلاصة وصلت إلى كل المصريين مع بداية السنة الجديدة (2023)، عندما تراجعت  وزارة الثقافة بحكومة الانقلاب عن  عمل فني حول سيرة الشيخ الشعراوي عليه رحمة الله والذي يراه قطاع عريض من المصريين (رمزا دينيا  وإماما للدعاة)، والذي يعد  أحد أهم مفسري القرآن في العصر الحديث عبر  برنامجه الشهير (خواطر الشعراوي) الذي كان يبث على التلفزيون الرسمي للدولة منذ عهد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات.

كانت وزارة الثقافة أعلنت خطة عمل البيت الفني للمسرح لعام 2023 من خلال مؤتمر صحفي الأحد غرة  يناير (الجاري) بالمسرح القومى، وأعلنت خلاله وزيرة الثقافة بحكومة الانقلاب الدكتورة نيفين الكيلاني عن انطلاق مبادرتى «ولد هنا»، و«مسرح السيرة». وخلال المؤتمر الصحفي أعلن الفنان إيهاب فهمى مدير المسرح القومى، أن مسرح السيرة سيقدم شخصية الشيخ محمد متولى الشعراوى خلال رمضان المقبل ٢٠٢٣، وأعلن خالد جلال عن تجسيد كمال أبورية شخصية الإمام الشعراوى، وأن العرض يتناول سيرة الإمام ونشأته وحياته وأهم المواقف التي مر بها. ومسرح السيرة هو مشروع ينطلق بهدف توثيق وإبراز سير العديد من الرموز المصرية، وإبراز أهم المواقف التي مروا بها، وما قدموه من عام وفكر كان له عظيم الأثر في الثقافة المصرية والعربية.

 

ضغوط اللوبي العلماني

بمجرد الإعلان عن تقديم سيرة الشعراوي ضمن خطة وزارة الثقافة حتى تبارى اللوبي العلماني المتطرف لانتقاد الخطوة وعدوها ترويجا للفكر المتطرف من جانب الوزارة؛ وتولت فريدة الشوباشي ، النائبة المعينة في البرلمان من جانب الجنرال السيسي، كبرها واستنكرت تقديم سيرة الشعراوي ووصفت في طلب إحاطة للحكومة ضد رئيس الوزراء ووزيرة الثقافة  الحكومة بضعف الأداء في نشر الوعي في وسائل التوعية، وتصحيح المفاهيم المشوهة مثل الفنون عامة «سينما، ومسرح، ومسلسلات». وتساءلت الشوباشي في طلب الإحاطة: «كيف يقوم المسرح القومي التابع لوزارة الثقافة بإنتاج مسرحية عن الشيخ الشعراوي، الذي سجد (لله شكرا) على هزيمة ٦٧، وقال بثقة أنه فرح لهزيمة مصر». وتابعت في خبث: «كيف يمكن توطيد شعور الانتماء الوطني لمشاهدي هذه المسرحية؟؟». لكنها راحت تسفر عن موقفها الحقيقي وراء تطاولها على الشعراوي في طلب الإحاطة بأن الشعراوي قد حرم الفن وأموال الفن، اضافة إلى تحريضه على عدم وضع النقود في البنوك لأن فوائد البنوك حرام».

وشارك المخرج محمد العدل في حملة التطاول والإساءة للشيخ الشعراوي بمنشور عبر حسابه الشخصي بموقع التواصل الإجتماعى «فيسبوك»، منتقدًا تقديم سيرة الشيخ الشعراوى بالمسرح القومى، وليس وزارة الأوقاف . وكتب محمد العدل عبر حسابه بموقع «فيسبوك» قائلا :«كنت أتوهم واتعشم أن وزارة الثقافة هي الاستثناء من الاختراق الوهابى، لكنى كنت مخطئا، إذا كانت وزارة الثقافة والمسرح القومى يقدمون سيرة الشيخ الشعراوى، خليتوا ايه لوزارة الاوقاف، لقد كان الشعراوى على الشط الآخر من الفن والفنانين، وكان ضدكم وضد ثقافتكم، كان يرفضكم جميعا». وأضاف:«اليوم نعلن انتصار الشعراوى عليكم وعلى ثقافتكم وعلى كل تاريخ معالى وزيرة الثقافة.. فهو بالتأكيد لم يكن مع البالية ولا الأوبرا.. ولا الموسيقى ( المعازف ) ولا أي فرع من فروع الثقافة.. المسرح القومى يقدم سيرة من سجد شكرا على هزيمة ٦٧».

وشن الإعلامي إبراهيم عيسى هجوما ضاريا على الشيخ الشعراوي على شاشة «القاهرة والناس» التي تبث على النايل سات ومن مدينة الإنتاج الإعلامي بالقاهرة، منتقدا الحفاوة والشعبية التي يحظى بها الشعراوي؛ مدعيا أن للعالم الجليل الراحل «أفكار شديدة التطرف والتسلف والرجعية». وهو ما يعكس أن الحرب على الرموز الإسلامية تتواصل بضراوة شديدة من جانب اللوبي العلماني المتطرف الذي يحظى برعاية أجهزة السيسي وتمنحه  وزنا نسبيا أعلى بكثير من وجوده على الأرض ليكون خادما لسياسته ومبررا لاستبداده بدعوى الحرب على الإرهاب المزعوم.

 

الوزارة تتراجع

لكن الوزارة تراجعت عن تناول سيرة الشعراوي على المسرح القومي تحت ضغط اللوبي العلماني المتطرف في البرلمان ودهاليز الوزارة وحكومة الانقلاب؛ وبررت وزيرة الثقافة هذه الخطوة بأنها لم تكن حقيقية وأن اسم الشعراوي عليه تحفظات كثيرة. وزعمت «الكيلاني»، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج «حديث القاهرة»، مع المذيعة كريمة عوض، المُذاع عبر شاشة «القاهرة والناس»، أنه كان هناك اقتراح مقدم بعمل أمسيات عن بعض الشخصيات الدينية في شهر رمضان، وأن هذا ليس عملًا مسرحيًا كاملًا، لكنه فقط أمسيات عن الشخصيات الدينية، موضحة أن هذا كان مقترحًا مقدمًا من مدير المسرح القومي، ولم يُعرض على اللجنة حتى الآن، إذ إن اللجنة تقرر الأعمال حسب بعض المعايير. وأوضحت أن الفنانة سميحة أيوب على رأس هذه اللجنة التي تختار الشخصيات الدينية التي سيجري إقامة أمسيات لها على المسرح القومي، مؤكدة أن اسم الشيخ الشعراوي كان مطروحًا على سبيل المثال وليس تأكيدًا، ولم يتم الإعلان عن هذا العمل أو الأعمال الأخرى.

الأخطر في تصريحات  الوزيرة أنها تطاولت على الشعراوي مضيفة «لابد أن يكون هناك اختيار لشخصيات تنويرية مؤثرة في المجتمع في كافة المستويات على المسرح القومي»، لافتة أنه لابد أن يكون للشخصيات التي يتم اختيارها أثر إيجابي من الناحية التنويرية لمكافحة الفكر المتطرف». معنى كلام الوزيرة أن  الشعراوي ظلامي  يدعم الفكر المتطرف!

 

ترميز العلمانيين

اللافت في خطة وزارة الثقافة أنها تهتم كثيرا بالشخصيات المعروفة بعلمانيتها  أو على الأقل عدم رفضها للعلمانية؛ فالوزارة التي تراجعت عن   تقديم سيرة الشعراوي بوصفه رمزا إسلاميا  سوف تنفق من مال الدولة الذي هو من جيوب المصريين   لتقديم أعمال فنية عن حياة الأديب نجيب محفوظ وزكي نجيب محمود والموسيقار محمد عبدالوهاب والممثل زكي طليمات، والشعراء صلاح جاهين، وصلاح عبدالصبور، فؤاد حداد، والفنان التشكيلي محمود سعيد، والشيخ محمد عبده وأمير الشعراء  أحمد شوقي وغيرهم.