بشهادة وفاة أمها النائبة في برلمان المخابرات، حضرت رغدة عبد السلام نجاتي هنادي، تطالب بحقها في ميراث الكرسي وأدت اليمين بحسب مراسم جمهورية الموز، خلفا للست الوالدة ابتسام أبو رحاب، وذلك بعد تلاوة بعض التحابيش ليبدو الأمر وكأنه رسمي مثل إخطار الهيئة الوطنية للانتخابات، كل ذلك خلال جلسة توريث مفضوحة برئاسة حنفي جبالي، سمسار بيع جزيرتي تيران وصنافير.
وبما أن ما يجري ويطبخ في برلمان المخابرات هو الشر بعينه وأن شر البلية ما يضحك، يعلق الناشط جحا الشندويلي بالقول "حضرتك الكرسي بخمسين مليون جنيه فلما يدفع ويموت يبقى الوريث الشرعي للكرسي أقرب الناس ليه ، وهو اللي بيحدد عند جلوسه على الكرسي مين بعده لو حصله أي شيء ، ولا فلوسه تضيع بالوراثة يا حبيبي بالوراثة ههههههههههه هم اللي قالوا وفضحوا بعض".
هرتلة مستمرة
في برلمانات العالم المحترمة وبعيدا عن جمهوريات الموز، يسعى النائب المنتخب من الشعب إلى تحقيق آمال وطموحات منتخبيه، بل إنه يمثل الأمة في مطالبها أمام الرأي العام، وهدفه في الأساس هو تحقيق مبدأ المحاسبة والمراقبة لأداء الحكومة، ووضع التشريعات التي تساهم في نهضة الدولة.
أما في برلمان السفاح السيسي الذي شكلته المخابرات الحربية، أننا أمام مهزلة حقيقية، وهرتلة مستمرة، مشادات، وانسحابات، واتهامات متبادلة، في مشهد يبدو أقرب للسيرك منه للمجلس النيابي، وانشغل النواب بمشاكلهم الشخصية وعُقدهم النفسية، ولم نرَ حتى الآن حرص النواب على مصلحة المواطن البسيط والسعي لحلها.
فبين ضرب عكاشة بالحذاء إثر تطبيعه مع السفير الصهيوني، وهرتلة مرتضى منصور المستمرة، وقضية تيمور ونائبات البرلمان، والخلافات حول حوافز الجلسات، وتوريث مقاعد البرلمان بوفاة أصحابها تدور معظم الحوارات داخل مجلسهم اللاموقر.
وقالت وريثة الكرسي الجديدة رغدة عبد السلام، إنها "تتطلع لأداء دورها البرلماني على أكمل وجه، سواء تشريعيا أو رقابيا، مؤكدة أنها مسئولية كبيرة وتتمنى التوفيق والسداد في أدائها، بمعاونة كافة زملائها من أعضاء المجلس".
وأعتبرت أن عصابة الانقلاب تسير على خطى سليمة تحت قيادة السفاح السيسي، وتحتاج إلى تضافر كافة الجهود لاستكمال الإصلاح والتنمية، ووفقا للائحة الموز الداخلية لبرلمان المخابرات، تلقى البرلمان في وقت سابق إخطارا من وزارة الداخلية، بوقوع حالة الوفاة، وبعدها تم إعلان خلو مقعد النائبة وإخطار الهيئة الوطنية للانتخابات.
ونصت المادة 25 من قانون الموز في برلمان المخابرات على أنه "إذا خلا مكان أحد الأعضاء المنتخبين بالنظام الفردي قبل انتهاء مدة عضويته بـ 6 أشهر على الأقل، أجريت انتخابات تكميلية، وإن كان الخلو لمكان أحد الأعضاء المنتخبين بنظام القوائم حل محله أحد المرشحين الاحتياطيين وفق ترتيب الأسماء الاحتياطية من ذات صفة من خلا مكانه ليكمل العدد المقرر".
وكانت عبد السلام عضوة احتياطية بالقائمة الوطنية من أجل مصر دائرة قطاع شمال ووسط وجنوب الصعيد، وفي حالة أخرى سابقة، كان قد تم تصعيد المرشحة الاحتياطية في القائمة الوطنية من أجل مصر النائبة الحالية، آية فوزي فتى، لعضوية برلمان المخابرات، مكان والدها بعد وفاته في 2020.
جمهورية الموز
في الثالث من يوليو 2013، قاد وزير الدفاع المصري وقتها السفاح السيسي انقلابا عسكريا، ليس فقط ضد الرئيس الشهيد محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب، بل على التجربة الديمقراطية بأسرها وما حققته من إنجازات.
وبالإضافة إلى الفاسدين من كبار رجال القوات المسلحة، فقد ساهمت عدة أطراف في تهيئة الأجواء لوقوع ذلك الانقلاب، منهم رجال أعمال، وإعلاميون، وسياسيون، ومثقفون، وفئة من ذوي الوعي المتدني، فضلا عن قوى عربية وأجنبية رأت في نجاح التجربة الديمقراطية في مصر تهديدا مباشرا لمصالحهم.
فمنذ بداية الحكم العسكري في مصر عام 1952، تنظر المؤسسة العسكرية إلى مصر بوصفها ملكية خاصة، تمارس عليها السيادة المطلقة، وتجمع من مواردها ثروات طائلة، وهكذا تكونت إمبراطورية عسكرية بعيدا عن الرقابة والمحاسبة، وفي ظل حكم ديكتاتوري تحميه المؤسسة العسكرية بالتعاون مع أجهزة الأمن الداخلي.
وبالرغم من الخطاب الذي تؤكد عليه العصابات الحاكمة في الدول العربية التي تعرضت للربيع العربي في حرصها الدائم على الديمقراطية، وبالرغم من تعارض الممارسات مع هذا الخطاب، عبر القوانين الاستثنائية والممارسات التي تستعير وسائلها من النظم الديكتاتورية، لا من النماذج الديمقراطية، فإن أغلب تلك العصابات ومنها عصابة السفاح السيسي، قد حرصت على أن تزين الخطاب بهياكل مستعارة من الثقافة الديمقراطية مثل وجود البرلمانات، والدساتير، وأحزاب حكومية ومعارضة، لكنها في الممارسة العملية، ابتعدت عن النهج الديمقراطي، واكتفت بالإطار الشكلي لهذه المؤسسات وطوعتها لتأمين سياساتها لتؤكد لذاتها أن كل ممارساتها مبررة بالوسائل الديمقراطية المتعارف عليها.
إن مثل هذه الديمقراطيات الشكلية هي ما تمردت عليه الشعوب في الربيع العربي في إطار سعيها للتغيير والمطالبة بالحرية والحقوق التي تساوي بين جميع المواطنين بلا تمييز.
إن تلك المؤسسات الشكلية للديمقراطية، وعلى مدى أكثر من ستين عاما لم تعمل على ترسيخ ممارسات ديمقراطية حقيقية، وانتهجت الكثير من وسائل الالتفاف على رغبات الجماهير وحقوقها ومطالبها، بل تعود أيضا إلى أن مفهوم الديمقراطية في الحقيقة ينبغي له أن يغيّر في الكثير من القيم والأعراف السائدة التي تشيع في المجتمعات العربية كممارسات اجتماعية.
بينما تتعارض في طبيعتها مع جوهر المفاهيم التي تتأسس عليها الديمقراطية، ولذلك في الكثير من البرلمانات العربية تحول تلك المؤسسات إلى سلطة أخرى فوق الشعب تشرع ما يتوافق مع رؤيتها هي وما ينسجم مع رؤية ومصالح العصابات الحاكمة، وليس رؤية ومصالح الشعوب الحقيقية.
إن من مآلات إسقاط تجربة جماعة الإخوان في مصر، التي لم تدم أكثر من عام يتيم من قبل عصابة الجيش، كرر تجربة الجزائر وقع الحافر بالحافر وفوت فرصة الديمقراطية على مصر والعالم العربي برمته، وإن كان عسكر مصر قد استفادوا من شيطنة الجماعة في الإعلام، ليتمترسوا خلف تلك الشيطنة الكاذبة، ويمارسوا سلطة لا تقل بشاعة عن أي ديكتاتورية في العالم، لا يبررها أنها تتم ضمن ما يزعمه الزاعمون حول الإرهاب، وتسخير إعلام يقوده من لا خلق ولا مصداقية لهم أمثال لميس الحديدي وباسم يوسف وعمرو أديب والراحل وائل الإبراشي والراحل محمود سعد وتوفيق عكاشة وغيرهم، وهو الإعلام الذي أساء للرئيس الشهيد محمد مرسي وافترى عليه أيما افتراء.