تكلفة الفصل الدراسي مليون جنيه!!.. تصريحات السيسي سفه وهذيان

- ‎فيتقارير

تصريحات الجنرال عبدالفتاح السيسي الخميس 5 يناير 2023م؛ أثناء افتتاح بعض المشروعات (الغامضة) بمحافظة سوهاج تحمل الكثير من التناقض المفضوح وتمثل برهانا على مدى السفه والهذيان وأن المكان الطبيعي للجنرال هو مستشفى الأمراض العقلية وليس  عرش مصر في قصر الاتحادية.

العجيب في الأمر أن السيسي الذي يطلق هذا السيل من الهذيان يطالب المصريين بضبط لسانهم ووزن  كلامهم قبل التفوه به؛ يقول السيسي: «قبل ما تطلعوا الكلمة من لسانكم فكروا فيها كويس، لأنها هاتتحسب عليكم قدام التاريخ، وقبل كده قدام ربنا. كل كلمة محسوبة بدقة»! فهل التزم السيسي بهذه المعايير في كلامه وتصريحاته؟!  كلا وألف كلا!

الدليل الأول، أن السيسي يزعم أن مصر تحتاج سنويا إلى 60 ألف فصل دراسي، وهو ما يعادل نحو 60 مليار جنيه!  معنى كلام السيسي أن تكلفة الفصل الواحد هي حاصل قسمة (60 مليار جنيه على 60 ألف فصل) تساوي (مليون جنيه) للفصل الواحد! ؛ فهل يتكلف الفصل الواحد (يساوي غرفة واسعة داخل شقة) هذا المبلغ الضخم؟! يقول أحد المهندسيين المعماريين للحرية والعدالة  إن تكلفة الفصل الواحد لن تزيد بأي حال من الأحوال عن (100 ألف جنيه) للفصل الواحد؛ فهل يقوم السيسي بمثل هذه التصريحات التي تمثل قيمة السفه والهذيان بالتغطية على باقي العصابة داخل حكومته؟! وأين الجهات الرقابية لمحاسبته على هذه التصريحات العبثية؟! فلا  يطلق هذه التصريحات إلا  لص أو جاهل أو كلاهما معا وهو الأرجح!

الدليل الثاني،  يناقض السيسي نفسه مضيفا: ««إنشاء 200 ألف وحدة سكنية جديدة يتطلب توفير نحو 140 مليار جنيه»! معنى ذلك أن تكلفة الوحدة السكنية وحدها تصل إلى (700 ألف جنيه)، فكيف يتكلف الفصل الدراسي الواحد مليون جنيه بينما تتكلف الوحدة السكنية وهي أكبر حجما من الفصل وأكثر استخداما للمرافق  إلى نحو 700 الف جنيه فقط؟!  قد يقول قائل: إن الفصل الدراسي يتضمن تكاليف الدراسة ومرتبات المعملين وغير ذلك، لكن السيسي يؤكد في تصريحاته  أن هذه التكلفة لكل فصل  هي تكلفة الإنشاء فقط يقول نصا: «نحن نحتاج إلى 60 ألف فصل دراسي سنوياً، وهو ما يعادل نحو 60 مليار جنيه، ثم نضيف إليها مصاريف الدراسة والإشراف على المدرسة، بينما الواقع يقول إن الدولة لا تملك هذه الإمكانيات»!!

الدليل الثالث، أن السيسي يؤكد  اختلال  الأولويات في عقله؛ فهو يرى أن مشروعات الطرق والكباري والمدن الجديدة أهم من الصحة والتعليم؛ يقول السيسي: «أتابع جيداً ما يثار من تعليقات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومطالبة البعض بوقف إنفاق الدولة على مشروعات الطرق، وإعطاء الأولوية للتعليم أو الصحة. وردي هو أن البنية الأساسية أهم شيء في الدولة، وشبكة الطرق اللي بنعملها عشان نوصلكم وتوصلونا»!. وهذا يخالف أبجديات الأمن القومي وأولويات الاستثمار في كل دول العالم؛ فقد توافق العالم على أن ملفات الصحة والتعليم وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء هي الأولويات المطلقة في الاستثمار داخل أي دولة.

الدليل الرابع،  هو النهب المنظم والإنفاق بسفه على مشروعات بلا أي جدوى ولا أي مردود على مستويات المعيشة؛ يقول السيسي: إن استثمارات الدولة في محافظة سوهاج وحدها بلغت (102) مليارات جنيه؛ وهو رقم مهول لا يرى  المواطنون في سوهاج  أي دليل على هذا الانفاق الضخم فلا مشروعات إنتاجية لتوفير فرص العمل وتقليل نسبة البطالة المتفشية في المحافظة ولا أي شيء من ذلك فأين أنفق السيسي وحكومته هذه الأموال؟ على الطرق والكباري التي يرى السيسي أنها أهم شيء في الدولة؟!

الدليل الخامس، أن الجنرال منذ اغتصابه للحكم بانقلاب عسكري في يوليو 2013م، يواصل اختلاق الذرائع لتبرير  فشله في إدارة موارد الدولة في كافة الملفات والقطاعات؛ وعلى مدار السنوات العشر الماضية علَّق السيسي عجزه على شماعتين: الأولى هي الإرهاب الذي كان محتملا في بداية الانقلاب. الثانية هي النمو السكاني والزيادة المضطردة في أعداد المواطنين سنويا حتى بلغ تعداد مصر نحو 104 ملايين نسمة. يقول الجنرال: «الأزمة التي تعيشها البلاد السبب فيها هو "النمو السكاني، وليس فساد الحكومة أو الفساد في الجهاز الإداري"، مدعياً أن "مناطق الصعيد (جنوب) لم تكن مهملة من الدولة، ولكن الأخيرة لم تكن لديها القدرة على تحقيق نسب التنمية المطلوبة فيها". مضيفا: «لا يوجد تهميش للتنمية في مصر، ولكن الأزمة الحقيقية تكمن في زيادة عدد السكان».

 

يخالف الحقائق

ويخالف السيسي في تعليق فشله على شماعة الزيادة السكانية الحقائق الآتية:

أولها أن السكان في مصر هم المصدر الأول لموارد الدولة؛ فكبر حجم السوق المصرية جعلها أكبر سوق استهلاكية في المنطقة، وجعل التجارة تزدهر، وحسب الأرقام الرسمية للموازنة العامة للدولة فإن نسبة الضرائب تصل إلى 80% من قيمة إرادات الدولة؛ معنى ذلك بكل وضوح أن 80% من أموال الدولة هي من جيوب المواطنين على هيئة ضرائب وجمارك وخلافه. كذلك فإن هؤلاء المواطنين هم المصدر الثاني للعملة الصعبة في مصر بعد الصادرات الصناعة والزراعية؛  فتحويلات المصريين في الخارج تصل إلى نحو 30 مليار دولار سنويا، وهو مصدر رئيس للدولار في مصر قبل السياحة وقناة السويس وغيرها.

ثانيها أن الدول الأكثر نموا في العالم هي الدول التي تحفز شعوبها على زيادة الإنجاب، فقد احتلت الهند والصين وماليزيا والفلبين وتركيا المراتب الأولى بين الدول الأكثر نموا متوقعا في 2021م وفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي في تقرير الصادر عن شهر يناير 2021م. وهو التقرير الذي يشير إلى أن الهند مرشحة لتحقيق أعلى نسبة نمو على مستوى العالم قد تصل إلى "11.5%". تليها الصين "8.1%"، وتركيا نحو "6%".

ثالثها أن النموذج الصني ينسف حجج السيسي نسفا؛ فعلى عكس السيسي ونظام العسكر تتبنى الصين (1.4 مليار نسمة) وأوروبا النظرية الإسلامية للإمام ابن خلدون عن السكان؛ وعندما سُئِل  الرئيس الصيني ذات يوم (عندكم مليار فم يطلبون الطعام يومياً فكيف ستوفرونه لهم؟!) أجاب: (تذكروا أن عندنا 2مليار يد مُنتِجه!),وكان هذا قبل أن يظهر التعداد الأخير للصين وقتها بمليار و300مليون نسمه. كان هذا الرد يُمثل الفلسفة والمنهج الذي  انتهجته حكومة الصين لمواجهة زيادة السكان، وهو ما خالفت فيه قائد ثورتها ماوتسي تونج الزعيم الشيوعي والتاريخي للبلاد الذي كان يتبنى مزاعم اعتبار الزيادة السكانية عبئا ثقيلاً، فقال ذات يومٍ (مرحباً بالحرب  فلو أكلت مائه مليون أو أكثر فسنكون مُمتنين لها) فالقيادة الجديدة للصين  تبنت النظرية الإسلامية  باعتبار زيادة السكان ثروة للبلاد إن أُحسِن استثمارها، وأن هذه العمالة لو وُظِفت بطريقة منظمة وعلمية لأدخلت ثروة للبلاد لا تقدر بثمن، وقد كان حيث دربوا تلك العمالة وخصصوا لكل منطقة صناعة معينة أو سلعة معينة يبرعون في صناعتها ويعمل فيها الجميع، وأعطوا للعامل الصيني ما يقارب دخله لو هاجر للخارج، فتحوا باب المنافسة، وجعلوا الربح بقدر العمل وليس بقدر الحاجة، وفتحوا الباب للاستثمارات الخارجية التي وجدت في العمالة الصينية المُدربة والرخيصة نسبياً مقارنة بالعامل الأمريكي أو الأوربي  ضالتها، وفرصة لزيادة التوزيع بالخارج، وأصبحت الصين تنتج كل شيء لكل بلدان العالم.

أثمر تبني الصين لنظرية الإمام ابن خلدون الإسلامية ارتفاع  دخل المواطن الصيني من 150 دولار إلي 6400 دولار أي أكثر من 175 ألف جنيه  مصري، فلو ضربته في مليار وأربعمائة ألف لصار رقماً مهولاً، وارتفع الاحتياطي النقدي إلي أكثر من ثلاثة تريليون دولار (الاحتياطي المصري 34 مليارا معظمها ديون وودائع ويتفاخرون به)، وصار الاقتصاد الصيني أعلي معدل نمو في العالم، وثاني أكبر اقتصاد بعد الولايات المتحدة، ساهم في ذلك جدية الحرب على الفساد والقضاء عليه بمحاكمات عاجلة ناجزة وعقوبات رادعة وصلت إلى الإعدام الفوري.

وفي 2015م أدركت الحكومة الصينية خطأها بسن قوانين صارمة تحد من النسل وتفرض عقوبات على من ينجب أكثر من طفل، لكنها تراجعت عن كل ذلك وبدأت في تحفيز الصينيين  على الإنجاب، وكشفت صحيفة The Times البريطانية في تقرير لها، نشرته في 19 مايو/أيار 2020، أنَّ الصين تتجه لتغطية أغلب تكاليف رعاية الأطفال منذ الولادة وحتى التخرج في الجامعة، لتساعد في زيادة معدلات الإنجاب. تقرير الصحيفة البريطانية أوضح أن هيئة استشارية ذات نفوذ سياسيٍّ، اقترحت عرض مساعداتٍ ماديةٍ واسعة النطاق على الأُسر؛ لرفع معدلات الإنجاب المنخفضة في كبرى دول العالم من حيث السكان، من بينها خفض الضرائب على الدخل للآباء الجدد. من جهتها، قالت الرابطة الديمقراطية الصينية: "انخفضت معدلات المواليد في السنوات الأخيرة، وباتت المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن هذا أشد وطأةً اليوم". وتقترح الرابطة سلسلةً من المعونات؛ للمساعدة في تكاليف رعاية الأطفال، وأيضاً معونات للأجداد؛ لمكافأتهم على مساعدتهم الآباء الصغار في الاهتمام بنسلهم. وعلى خطى الصين تمضي الهند (1.3 مليار نسمة) واليابان (180 مليون نسمة) ودول أوروبا التي تفتح باب الإنجاب لمواجهة مظاهر الشيخوخة التي تفشت في بلادها في العقود الأخيرة. لكن السيسي يرى في زيادة السكان مشكلة بسبب فشله وفساده وعجزه عن إدارة موارد الدولة على نحو صحيح.